أزمة الثقة كمعوق في طريق المشروع الديمقراطي

في عراق ما بعد سقوط الديكتاتورية

أسبابها.. وسبل تذليلها

 

ضياء الشكرجي

 

أساس مهم لا يستغنى عنه في بناء صرح المشروع الديمقراطي هو الثقة بين الطيف اللوني للتنوع الفكري والسياسي والديني والمذهبي والقومي وغيره. وإذا ما تأملنا بدقة فيما إذا كان هناك قدر كاف من الثقة المطلوبة كضمان لإنجاح المشروع فيما بين الأطراف المعنية، قد ـ وأقول ـ نجد أن النتيجة معاكسة لما نتمناه، وذلك أن هناك ربما ثمة أزمة ثقة أو ما يشبه أزمة الثقة، أو أن هناك بذورا وحقلا لإنتاج أزمة ثقة هنا وأزمة ثقة هناك؟

عندما يفكر أي إنسان عراقي معارض وطني مخلص وواع بمستقبل العراق، ويتطلع بشوق إلى مجتمع مدني حر ديمقراطي تسوده العدالة والإخاء الوطني، يشعر في العمق بهواجس ومخاوف على هذا المستقبل في أن يضيع من خلال ممارسات الالتفاف على المشروع الوطني الديمقراطي، أومن خلال عواطف بعض الدوائر الجماهيرية الملتهبة التهابا يمكن أن يجعلها في لحظة من الغفلة عن وعي المسؤولية تتفجر من غير ضابط من وعي أو رادع من حرص على المكسب أو وازع من إحساس بالمسؤولية، مما سيعكر بالتالي أجواء الإخاء الوطني يتطلب تنقيتها جهدا غير اعتيادي، أو يربك حركة المشروع الديمقراطي، أو لعله يسقط هذا المشروع لا سمح الله.

وفصائل المعارضة السياسية الوطنية نفسها قد تعيش بعض الهواجس من خلال أزمة الثقة فيما بينها، وإن كانت هذه الأزمة مما قد لا يصرح بها، ولكن ذوي حاسة الشم المرهفة يشمون رائحتها بين طيات الكلمات والتساؤلات التي تصدر من هذا الفريق أو ذاك. وهذا البحث يريد أن يجرأ على فتح ملف هذه الأزمة، ليضع النقاط على بعض حروفه، لأن القراءة الواضحة تمثل بالتأكيد مقدمة ضرورية لفهم الأزمة، وفهم أية مشكلة يمثل من غير شك الشرط الأول لحلها.

ومن أجل ألا يكون الكلام محلقا في فضاء المفاهيم المجردة، بل متحركا على أرض الواقع، مشخصا المصاديق، ومسميا المسميات بأسمائها، سأتناول كل تيار من التيارات الوطنية العراقية، وأحاول أن أبين العوامل التي أدت إلى ولادة أزمة ثقة تجاهه لدى بقية ـ أو لنقل ـ لدى بعض فرائق المعارضة الأخرى. وسأحاول أن أشير إلى ما هو حقيقي من تلك العوامل أو ما قد لا يمثل إلا مجرد وهم. فما كان منه حقيقيا، يمثل خللا يطلب من الفريق المعني به تصحيحه من جهة، كما يمثل خطرا على المشروع الوطني ينبغي الحذر والتوقي منه، من قبل الفرائق الأخرى. أما ما كان منه وهميا، فينبه إليه صاحبه ليتجنب ما يبعث على هذه الهواجس الوهمية من جهة، ويعمل على إزالة اللبس وسوء الفهم الحاصل عند الآخرين من جهة أخرى.

ابتداء أقسم المعارضة الوطنية العراقية إجمالا إلى التيارات التالية:

1 ـ التيار الإسلامي

2 ـ التيار اليساري

3 ـ التيار الكردستاني

4 ـ التيار الليبرالي

5 ـ التيار القومي العربي

 

عوامل أزمة الثقة تجاه التيار الإسلامي:

1 ـ عدم وجود تجربة ديمقراطية معاصرة لأي تيار إسلامي في أية بقعة من العالم.

2 ـ عدم بلورة وتنضيج نظرية سياسية إسلامية واضحة المعالم وصريحة وغير قابل للبس والتأويل من قبل الحركات الإسلامية تؤكد تبنيها للديمقراطية باستثناء كتابات وبحوث فكرية لبعض الكتاب والمفكرين الإسلاميين. وإن كنت أستطيع أن أدعي أن حزب الدعوة الإسلامية وحده صاغ برنامجه السياسي بشكل واضح وأقر مضامين الديمقراطية كلها بلا استثناء إلا أنه تجنب المصطلح.

3 ـ تجنب استخدام لفظة الديمقراطية غالبا في أدبيات الحركات الإسلامية وخطاب المفكرين الإسلاميين واستبدالها بمصطلحات كالشورى أو الإقرار بكل مضامين الديمقراطية مع تجنب استخدام المصطلح، من قبيل الدستورية البرلمانية، والتعددية السياسية، والانتخابات الحرة، والتداول السلمي للسلطة، وحرية الفكر، وحرية العمل السياسي، وحرية الاعتقاد، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات.

4 ـ تجربة إيران القائمة على أساس نظرية ولاية الفقيه التي لا تسمح للتيارات غير الإسلامية بل حتى للتيارات الإسلامية غير القائلة بولاية الفقيه بالممارسة السياسية، وإن كانت تسمح إلى حد بعيد بالتعبير عن الرأي، هذه التجربة التي قد لا يمكن نعتها بأنها تجربة ديكتاتورية، ولكنها في نفس الوقت لا يصح أن تنعت بأنها تجربة ديمقراطية، وإن اشتملت على ممارسات ديمقراطية، لكنها تنحصر في إطار محدود لا يشمل كل التيارات السياسية والفكرية ولعلها أكثر ديمقراطية من كل الأنظمة العربية، دون أن يعني هذا أنها تمثل بالنسبة لنا ـ الإسلاميين العراقيين ـ التجربة القدوة.

5 ـ العنف اللامنضبط واللاشرعي الذي اتسمت به بعض ما يسمى بالحركات الإسلامية في بقاع مختلفة من العالم.

6 ـ تأخر الإسلاميين العراقيين نسبيا في الانفتاح على الأطراف الوطنية الأخرى (العلمانية) باستثناء انفتاحهم المبكر على الحركة الكردية من خلال العمل الميداني المسلح ضد النظام لا سيما في سني الحرب الإيرانية – العراقية، وإلا بحدود ما عرف بـ (بيان التفاهم) الصادر في مطلع الثمانينات عن حزب الدعوة الإسلامية الذي طرح في وقت مبكر جدا واعتبر بادرة رائدة في هذا المجال.

7 ـ فكرة انفراد الفكر الإسلامي والتشريع الإسلامي بالشرعية من وجهة النظر الدينية باعتبار أن مصدرها هو الوحي الإلهي الذي لا يملك الإنسان حرية استبداله بغيره.

8 ـ التجارب التاريخية الإسلامية القائمة على أساس لا يخلو في كثير من الأحيان من حالات التعسف.

 

عوامل أزمة الثقة تجاه التيار اليساري:

1 ـ الإيديولوجية الماركسية القائمة على أساس نظرية ديكتاتورية طبقة البروليتاريا وعدم صدور دراسة نقدية أو مراجعة للنظرية بشكل واضح وصريح من قبل شيوعيي المنطقة.

2 ـ تجربة أنظمة الاتحاد السوفياتي وعموم المعسكر الاشتراكي التي قامت على أسس ديكتاتورية.

3 ـ تجربة أواخر الخمسينات ومطلع الستينات مع الحزب الشيوعي العراقي (أيام ما عرف بالمد الأحمر) والتي اتسمت بمظاهر العنف، والتي لم يصدر – على قدر اطلاعي – نقد أو مراجعة لها.

4 ـ تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع حزب النظام الحاكم في إطار جبهوي.

5 ـ العقدة المتأصلة تجاه الدين والتي ما زال الكثيرون من الشيوعيين المحليين لم يتخلصوا منها.

 

عوامل أزمة الثقة تجاه التيار الكردستاني:

1 ـ جعل القضية الكردية متقدمة جدا على القضية الوطنية العراقية في مسلسل أولويات الحركة الكردية العراقية، مما يشعر بهامشية هذه القضية الوطنية العامة لدى التيار الكردستاني عموما.

2 ـ موقف الفصيلين الكرديين الخاذل من الثورة الشعبية عام 1991.

3 ـ انفراد الحركة الكردية من مجموع المعارضة الوطنية في الالتقاء بالنظام، وبالتالي موقفها متمثلا بفصيليها الأساسيين غير الواضح وغير الحاسم بجعل هدف إسقاط الديكتاتورية في بغداد من ثوابتها، كما هو الحال مع بقية فصائل المعارضة الوطنية.

4 ـ تجربة الاحتراب بين الفصيلين الكرديين الرئيسين وإحلال لغة الدم محل لغة الحوار، والاحتكام إلى الدبابات بدلا من الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

5 ـ كما ينطبق على هذا التيار بعض ما ينطبق على التيارات اليسارية والليبرالية والقومية والإسلامية، حسب قرب كل فصيل كردي من كل من هذه التيارات.

6 ـ دخول الفصيلين الكرديين الأساسيين سوية مع الشيوعيين في جبهة مع البعث الحاكم في العراق.

 

عوامل أزمة الثقة تجاه التيار القومي:

1 ـ كون النظام الحاكم محسوبا على هذا التيار.

2 ـ كون جميع الديكتاتوريات القائمة في المنطقة العربية منذ قيام الدولة الحديثة فيها حتى يومنا هذا هي من الوسط القومي على الأعم الأغلب.

3 ـ قيام معظم فصائل هذا التيار على فكرة حاكمية الحزب الواحد.

4 ـ التجربة المرة والقاسية مع حزب البعث في العراق كممثل للتيار القومي العربي.

 

عوامل أزمة الثقة تجاه التيار الليبرالي:

1 ـ تأثر هذا التيار بشكل ملحوظ بالتجربة الغربية وبالتالي بالموقف السلبي للغرب كمرجع فكري لمعظم هذه التيارات من التجربة الديمقراطية في المنطقة العربية والإسلامية، إذ أنه الذي ما زال متحفظا من قبول خوض التجربة الديمقراطية في منطقة الشرق العربي والإسلامي، أو استعداده فقط وفي أحسن الأحوال بقبول محدود، أي بشرط استثناء بعض التيارات من التمتع بمعطيات التجربة، وكذلك تحفظه (أي الغرب) من التيار الإسلامي خصوصا باعتباره فصيلا أساسيا من فصائل المعارضة الوطنية، وكذلك ما للخلفية التاريخية الاستعمارية للغرب في المنطقة من أثر نفسي سلبي يحول دون منح الثقة لمريديه الفكريين.

2 ـ كون جميع الديكتاتوريات القائمة في المنطقة العربية والإسلامية منذ قيام الدولة الحديثة هي إما من الوسط القومي ـ كما مر آنفا ـ أو من الوسط الليبرالي المتأثر بالفكر الغربي ولو على نحو التنظير وعلى نحو الولاء.

3 ـ موقف الغرب ولا سيما أمريكا من ثورة 91 الشعبية ومن الحصار الاقتصادي المضروب على الشعب العراقي.

 

عوامل أزمة الثقة تجاه التيار العلماني عموما (اليساري والليبرالي والقومي):

1 ـ كون كل الأنظمة اللاديمقراطية التي توالت على العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة هي أنظمة علمانية.

2 ـ كون جل الديكتاتوريات في المنطقة العربية والإسلامية بل وعموم ما يسمى بالعالم الثالث هي ديكتاتوريات علمانية.

 

وهناك نقاط مشتركة يمكن أن تعتبر عاملا ولو غير مباشر في وجود أزمة الثقة:

* عدم استقلالية القرار لأكثر الفصائل السياسية بل تأثره في أغلب الأحيان بالدول المضيفة في المهجر أو الدول التي ينتمي إليها التيار فكريا أو يستمد منها الدعم السياسي أو الإعلامي أو المالي.

* عدم خوض العراق بل أي بلد في المنطقة للتجربة الديمقراطية.

ولعله من نافلة القول أن أشير إلى عدم جواز التعميم بالنسبة لما ذكرته عن التيارات الليبرالية، كما إننا لا نرضى بالتعميم عندما نجد في الواقع ديكتاتوريات أو حركات معارضة ذات نزعة ديكتاتورية تنعت نفسها بنعت الإسلامية، وأذكر بهذا الصدد (الطالبان.. بعض إسلاميي الجزائر.. التيارات المتشددة والمحافظة دون الإصلاحية في إيران.. بعض إسلاميي السودان).

 

الممارسات التي يمكن أن تودي بالتجربة الديمقراطية إلى الفشل:

* الموقف الازدواجي بحيث أتحدث مع جماهيري الخاصة الموالية بلغة ومع الجماهير العامة بلغة مغايرة، أو في الحوار السياسي بلغة والخطاب الجماهيري بلغة مغايرة.

* الهوة بين وعي السياسيين ووعي الجماهير بضرورة المشروع الديمقراطي.

* الخوف من فقدان دعم الجمهور الخاص من خلال سوء فهمها لتبني المتصدي للمشروع الديمقراطي والانفتاح على الآخر بأنه يمثل تفريطا بالمبادئ الخاصة.

* تبدل الموقف بمقدار امتلاك أو افتقاد عناصر القوة ومنها (السلطة، عواطف الشارع والتأييد الجماهيري، دعم القوات المسلحة، دعم خارجي، أن يكون سقوط النظام قد حصل على يد ذلك الفصيل...).

بعد بيان هذه العقبات كان من الضروري بيان سبل تذليل العقبات وإعادة بناء الثقة بين التيارات الوطنية العراقية وإزالة عوامل إفشال التجربة الديمقراطية مستقبلا، وحيث أن الوقت لا يسع لذكر كل ذلك أكتفي الآن بتشخيص الداء دون تشخيص العلاج.

 

سؤال أخير:

هل النزعة الديكتاتورية هي نزعة شرقية؟ ولا أتحدث عن الخلفية التاريخية، بل أتناول في تساؤلي الواقع الراهن. إذن هل هي مشكلة تربوية وثقافية اجتماعية أكثر مما هي مشكلة سياسية؟ لا أملك مستلزمات الإجابة على هذا السؤال، وإنما أتمنى لو يحضى بدراسة أصحاب الاختصاص دراسة موضوعية بعيدة عن مناهج كل من التشاؤمية والمثالية.

وهذه النزعة التي نشخصها في الشرق تتجلى في:

1 ـ نزعة الاستبداد بالرأي.

2 ـ نزعة التفرد بالموقع.

3 ـ نزعة احتكار الصواب والحق.

4 ـ نزعة فهم أي موقع على أنه موقع على مدى الحياة.

إذن من ضمن أساليب معالجة الأزمة هي ممارسة:

1 ـ توعية سياسية.

2 ـ تثقيف وتأصيل فكري.

3 ـ حضرنة اجتماعية.

4 ـ تربية أخلاقية وتقوائية.

 

آمرسفورت ـ هولندا 27-29/04/2001