آفاق الديمقراطية في كردستان العراق

تصورات وتساؤلات

 

هادي محمود

 

دراسة الوضع الكردستاني وتعقيداته وآفاق الديمقراطية ومعوقاتها، شأن كردستاني أولا، شأن عراقي عام في الوقت نفسه. فالتعقيدات التي تواجه القضية الكردية، تواجه الشأن العراقي العام أيضا، وتدخلات القوى الإقليمية والدولية في الشأن الكردستاني استمرار لوجهة تلك الأطراف حول الشأن العراقي العام. والمواقف المتباينة حول الديمقراطية، وتصور آفاقها وتعقيداتها في فكر القوى السياسية الكردستانية، نجد ما يماثلها في فكر وتصورات القوى السياسية العراقية. ولذا فإن خصوصية الوضع الكردستاني لا تتناقض مع القول بتداخل الأوضاع ووجود القاسم المشترك.

الوضع الكردستاني في غاية التعقيد، وإحدى تجليات هذا التعقيد على الصعيد الداخلي، وجود حكومتين وكانتون أمني في حلبجة بالقرب من الحدود الإيرانية. ومن مظاهر التعقيد أيضاّ، التدخلات العسكرية التركية والضغوطات الإيرانية. ولا يقلل من هذا التعقيد نوعيا، ما جرى تحقيقه من خطوات للتطبيع عقب هدنة أربع سنوات بين طرفي النزاع الأساسيين في كردستان، فنزعة الاستئثار بالسلطة، وضعف الأيمان بالديمقراطية، والتحزب الضيق، والضائقة المعيشية الناجمة عن الحصار المزدوج، وعدم السعي لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، واضطراب الأمن والاغتيالات السياسية، مظاهر عديدة، يمكن إجمالها تحت عنوان الأزمة والتردي.

ولكي نكون منصفين، لابد أن نذكر الهامش الديمقراطي الموجود في هذه الإدارة أو تلك، على الرغم من كون هذا الهامش ضمن مشيئة الحزب الحاكم وأولوياته في التعامل مع خصومه، وبشكل لا يؤثر على انفراده بالسلطة واستئثاره بها.

في ظل هذا الوضع، وارتباطا بالحديث عن طابع العصر وعالمية حقوق الإنسان وسيادة القيم الديمقراطية على الصعيد العالمي، يطرح المثقفون الكرد موضوعة الديمقراطية وأهميتها، باعتبارها مدخلا إيجابيا لتجاوز الواقع الكردي الداخلي الحالي، ومن أجل دفع القضية القومية إلى مدىً أوسع.

وبهذا الصدد، يثار الكثير من الأسئلة التي يمكن صياغتها في مفهوم محدد، وهو الحديث عن المستلزمات الضرورية اللازمة لتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في كردستان العراق، دون أن ننتظر التغيير المستقبلي في العراق عموما، ودون أن يتناقض مفهوم النضال من أجل التحولات الديمقراطية في كردستان العراق، مع مفهوم النضال ضد الديكتاتورية الحاكمة في المركز والتحول الديمقراطي على الصعيد العراقي عموما، ودون أن يعني ذلك القول الفيدرالية أولا والديمقراطية ثانيا.

ليس الهدف من هذه المداخلة طرح أجوبة وتصورات نهائية قاطعة، أو أحكام مسبقة على جملة أمور، لها علاقة بإشكاليات الديمقراطية كردستانيا، وأزعم هنا أنني أطرح تساؤلات وتصورات أولية، بشأن الوضع وما يرتبط بموضوع الديمقراطية.

 

أولاً: في ماهية الديمقراطية

لو تعاملنا مع الديمقراطية كمفهوم سياسي عام، فإن خصوصيتها تكمن في ممارستها العملية في مجتمع من المجتمعات. قد تختلف القوى الكردستانية حول مفهوم جامع للديمقراطية، بسبب اختلاف المرجعية الفكرية، لكن هل بإمكان هذه القوى إيجاد مقاربة مع المفهوم، من خلال فهم واستيعاب وممارسة آليات محددة؟

وبهذا الصدد أطرح أمرين: أولهما: هل بإمكان القوى الكردستانية الاتفاق على كون الشعب مصدراً للسلطات، ولا سيادة لأي فرد أو مجموعة من الأفراد على الشعب؟ ثانيهما: هل تقر تلك القوى بمفهوم المواطنة والمساواة السياسية والقانونية، وكون المواطنة مصدر الحقوق والواجبات، أم أن المواطنة كمفهوم لم يدخل قاموسنا السياسي بعد؟

يترتب على هذين الأمرين جملة ممارسات وآليات ومؤسسات، تضع الأمرين المشار إليهما موضع التطبيق في ميدان الواقع، ومنها: ضمان حرية الرأي والتعبير، وسيادة حكم القانون، وشمول القضاء كل ما هو مثار خلاف، وعدم الجمع بين السلطات في مؤسسة واحدة، والتداول السلمي للسلطة بشكل دوري ووفق انتخابات نزيهة، وفصل العمل الحزبي عن العمل الحكومي، واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني من السلطة، وتفعيل دورها بموازاة دور المؤسسة الحاكمة.

وإذا افترضنا إن ما أشرنا إليه من ممارسات وآليات ومؤسسات، انعكاس لوجود الديمقراطية من عدمه على أرض الواقع، فهل نستطيع القول بأننا نشهد حقاً تجربة ديمقراطية في كردستان العراق، مع الأخذ بنظر الاعتبار طبعاً كون الديمقراطية سيرورة تاريخية، وعملية تحول مستمرة، لا تولد كاملاً ولا ناجزاً منذ بدايتها؟

 

ثانياً: الديمقراطية والعامل الدولي

يتلمس المرء يومياً تأثير العامل الدولي على الأحداث، وليس من الصعب تحديد ماهيته المتناقضة، وكيله بمكيالين في قضايا تبدو لنا متشابهة في جوهرها. إن الموقف المزدوج من قضية الشعب الكردي في كل من العراق وتركيا أمر واضح. والحديث عن وجود التناقض في العامل الدولي تجاه قضية الشعب الكردي تقرير للحالة، وليس دعوةً إلى عدم التعامل مع العامل الدولي الذي يزداد تأثيراً على الشأن الكردي وعلى الشأن العراقي عامة.

وهنا لابد أن نميز بين التعامل مع العامل الدولي، بالانطلاق من مصلحة الشعب وحرية خياراته وموقفه الوطني، وبين التعويل على العامل الدولي (الخارجي) في إجراء تغييرات، غالباً ما تكون على شكل صفقات أو مشاريع تصب في مصلحة قوى الرأسمالية المعاصرة وسياساتها في المنطقة، التي تشكل الشأن الكردي والعراقي بشكل عام، جانباً، ولكن ضمن لوحة أوسع وأشمل من الشأن العراقي، تشمل المنطقة كلها، ويتم التعامل مع الشأن العراقي ضمن استراتيجيات الهيمنة على كل المنطقة.

على الصعيد الكردستاني يستوعب الجميع، بما فيهم الذين يتقاطعون مع الستراتيجية الدولية المرسومة للمنطقة، أهمية وجود المنطقة الآمنة، ولكن تفهم هذا الأمر شيء ـ وهو ناتج عن سياسات الديكتاتورية وبطشها ـ والتعويل على هذا الأمر لحماية الهامش الديمقراطي الموجود شيء آخر.

إن تأثير هذا العامل، لا يقتصر في حدود توفير الأمن وتقليم أظافر الديكتاتورية، وعدم السماح لها باجتياح كردستان. فلننظر إلى التداعيات السياسية الداخلية الناجمة عن هذا العامل.

يتزامن أو يتلازم توفير المنطقة الآمنة ضمن سياق الحديث عن الديمقراطية وأولوية حقوق الإنسان على مفهوم السيادة. وانعكس هذا التلازم على نمط تفكير طرفي الحكم في كردستان. فنجد في الخطاب السياسي للطرفين، ما مفاده كون الديمقراطية أمرا حيوياً للذين يقومون بحمايتنا، لذا لابد لنا أن نتشبه بهم ونلبس رداء الديمقراطية، فالانسجام مع طابع العصر أمر مطلوب، وهو لصالح تطور آفاق القضية القومية، وكانت من نتائجها توفير المنطقة الآمنة، وفي المحصلة النهائية، لابد أن لا نتخلف عن ركب الديمقراطية لاستمرار الدعم العالمي ومواصلة الدولي مع القضية الكردية.

إن ما ذكرته أعلاه هو طرف في المعادلة التي يجب أن نستكملها بالقول بان اللحاق بطابع العصر والوجهة الديمقراطية، يتطلبان الممارسة الديمقراطية، التي تعني تداول السلطة واحتمال فقدها وفقد الامتيازات الناجمة عنها. وهنا مكمن التناقض بين الخطاب الرسمي للحكم وبين الممارسة العملية التي أنجبت الاقتتال الداخلي، وما نجم عنها من تهميش لدور قوى شعبنا الكردستاني في المشاركة في السلطة، وفي الدفاع عن تجربته في حالة حدوث أي عدوان عليها من قبل السلطة الديكتاتورية في بغداد، أو من قبل غيرها، بذريعة كون العامل الدولي وقرار المنطقة الآمنة يضمنان حماية كردستان العراق من أي تدخل عسكري ولا قدرة لجماهير شعبنا في مواجهة الديكتاتورية عملياً. وهكذا تدخل ذهنية الحكم في دائرة الاكتفاء بهامش ديمقراطي لا يسمن ولا يغني عن جوع.

وإذا كانت ذهنية الحكم بهذا الشكل، يكون التساؤل كالتالي: هل إن العامل الدولي والحديث عن سيادة قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان عالمياً، أثًر بشكل إيجابي على وجهة الحكم لتعزيز الديمقراطية وتعميقها، أم أن التعامل الجاري مع العامل الدولي، هو في محصلته النهائية معرقل للديمقراطية؟

 

ثالثاً: العلاقة بين الشرعية والديمقراطية والسلام

جرى الحديث عن التحول من الشرعية الثورية(سلطة الجبهة الكردستانية) إلى الشرعية القانونية، عقب انتفاضة آذار/ 1991، بهدف العودة إلى رأي الجماهير وإرادتها، ومم أجل تسيير الإدارة وإملاء الفراغ الذي نشأ عن اضطرار السلطة الديكتاتورية للانسحاب بعد رفضها من قبل الجماهير الكردستانية.

وكانت الانتخابات البرلمانية عام 1992 صيغة لحسم الصراع بين الحزبين الرئيسيين في الساحة السياسية، من خلال نفي الآخر، أكثر من كونها صيغة لإدارة الصراع في المجتمع بوسائل سلمية، ومن خلال ضمان التداول السلمي للسلطة. ويؤكد هذا الاستنتاج ما جرى من عمليات تزوير كبيرة أشار قادة الحزبين عشية فرز الأصوات إليها. وقبل إعلان نتائج الانتخابات اتفق الطرفان على سياسة المناصفة في الحكم، تلك السياسة التي أجلت الاصطدام العسكري بين الجانبين لمدة عامين، دون أن تحد من عمق الأزمة.

وبعد سنتين من الاقتتال الدامي، والوصول إلى قناعة عدم إمكانية أي طرف من نفي الآخر عسكرياً، قبل الطرفان بالهدنة، ودخل الطرفان قبل الهدنة وأثنائها في صراع حول تمثيلهم للشرعية القانونية الناجمة عن الانتخابات، واللجوء إلى مفاهيم الأغلبية والأقلية الناجمة عن نتائج الانتخابات في العمل البرلماني في مؤسسة جرت انبثاقها بهذا الشكل.

وإذا كانت الظروف الحالية مواتية للتطبيع وترتيب البيت الكردي، وتوحيد الإدارتين، والأمل بالتوجه بنوايا طيبة وحقيقية نحو الديمقراطية، ـ وهي أمور لابد أن ندعمها ـ فهل سيقدم الطرفان كشفا بالحساب الذي أتمنى أن يبقى قديما ولا يتجدد، لجماهير شعبنا من أجل إيجاد أرضية حقيقية للثقة المفقودة بين الجماهير وبين الحكم، للتأكد من النية الصادقة والحقيقية للطرفين في وجهتهم للسلام والديمقراطية؟

ليس الهدف هنا، التشكك في نية ودوافع التيارات السياسية الكردستانية لتبني الديمقراطية، ولكن ينبغي أن نتساءل: هل هناك حقيقة إيمان بالديمقراطية في الحياة السياسية؟ أم إن الحديث الحالي عن الديمقراطية، ما هو إلا هدنة وتكتيك تمارسها اتجاهات سياسة تتسم أساساً بنفي الآخر وعدم إمكانية التعايش معه؟

وهذا التساؤل ليس موجهاً لطرفي الحكم فقط. السؤال قائم للقوى الإسلامية الكردستانية، التي اضطلعت بعضها في قضايا تفجيرات واغتيالات سياسية. فهل هناك مكان للآخر في مرجعية ومنطلقات تلك القوى؟

وهل تتقبل تلك القوى الآليات والمؤسسات الديمقراطية، والتي تعني إصدار القوانين والقرارات من قبل البرلمان الديمقراطي الممثل لإرادة الأكثرية، وقد تتناقض تلك القوانين والقرارات مع المرجعية الفكرية لتلك القوى؟

 

رابعاً: اليسار والديمقراطية

أزعم أن أزمة اليسار في كردستان، تكمن في إنه لا يريد أن يكون يساراً. فإلى أمد قريب كان بعض أطرافه الأساسية يتردد في استخدام مصطلح اليسار، واعتبر البعض من اليسار بأنه لا وجود لليسار كتيار، وبعد أن إنكسر هذا الحاجز ونشرت صحافة الحزب الشيوعي الكردستاني المركزية سلسلة مقالات ولقاءات حول اليسار ودوره وإمكانية حشد طاقاته كتيار يملك أفقاً مستقبلياً، لا يزال التردد موجوداً في استخدام مصطلح اليمين، بذريعة كوننا نواجه مهام التحرر الوطني، أي نفس الذريعة المعتبرة في التردد السابق في استخدام مصطلح اليسار، وهذا التصور مبني على عدم استيعاب التغيير الجاري في تركيبة وطبيعة الأحزاب الأساسية وتحولها من أطراف في حركة تحررية إلى أحزاب سلطة. ويتصور البعض الآخر، بأن استخدام بعض العبارات والمصطلحات، وتضمينها في النظام الداخلي، كالماركسية اللينينية وصراع الطبقات كفيل بأن يضمن بقاء الحزب السياسي يسارياً، دون أن يدرك بأن المطلوب اليوم، هو كيفية انعكاس المنهج المادي الجدلي في فهم ودراسة الواقع الكردستاني أولاً، والعمل على تغيير هذا الواقع ثانياً. ويتطلب هذا الأمر الموقف الواضح من العمل النقابي، عبر دفع العمال لتأسيس نقابات حرة بعيدة عن الهيمنة الحزبية لأطراف الحكم وعدم تبرير الوضع القائم تحت ستار العمل ضمن النقابات الجبهوية، كما يتطلب الأمر طرح الشعارات المطلبية، كإصدار قانون جديد للعمل، وحل قضايا الفلاحين العادلة، وتعديل قانون الأحوال الشخصية. إن طرح هذه المطالب كنشاط نضالي، من شأنه ربط حديث اليسار حول الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية، وهذا الأمر سيميز خطاب اليسار الديمقراطي حول الديمقراطية، عن خطاب التيارات السياسية الأخرى.

إن من مهام اليسار الديمقراطي القيام بدراسة متأنية جديدة حول التغيرات الجارية في تركيبة ووظائف التشكيلات الاجتماعية خارج إطار التقسيمات التقليدية والتصنيف الكلاسيكي المستخدم سابقا لبرهنة صحة النظرية والمنهج الفكري أكثر من اعتباره أداةً لفهم الواقع، وعليه يجب أن ندرك التغييرات الجارية في دور العشائر الكردية، واستفادة أحزاب الحكم منها في الاقتتال وفي فترات الحديث عن الديمقراطية والانتخابات، وعلينا أن لا ننسى الثروات المتكدسة لدى أطراف الحكم، وتطور شبكة العلاقات الاجتماعية الجاري خارج مشيئة وإرادة أطراف الحكم، على الرغم من مساهمتهم في خلق قوى اجتماعية جديدة.

إن مشروعية كوننا يساراً ديمقراطياً، تكمن في العمل لتجاوز الديمقراطية الليبرالية إلى آفاق إنسانية أرحب وضمان تحقيق العدالة الاجتماعية.

2 نيسان 2001