العميد
الركن نجيب الصالحي*
عند
البحث في موضوع
الجيش والديمقراطية،
تقفز إلى الذهن
أفكار وتصورات
تقترب من الأحكام
المسبقة، مما قد
يؤثر على سير المناقشة
الفكرية الموضوعية،
كالقول بأن الجيش
في العالم الثالث
يلعب دوراً انقلابياً
(خارج اللعبة البرلمانية)،
وأن الجيش والديمقراطية
يشكلان في العالم
الثالث نقيضين
لا يتفقان أبدا.
فيشار مثلاً
للانقلاب
الفاشستي في إسبانيا،
والأنقلاب العسكري
في تركيا. كمؤشر
على ضعف التقاليد
الديمقراطية وعدم
رسوخها في المجتمع،
مما سمح بتكوِّن
النزعة الانقلابية
للجيش.
في
وطننا العربي لعب
الجيش دوراً مهماً
في ثورة عام 52 في
مصر، وثورة 58 في
العراق، اللتين
حظيتا بالتأييد
الشعبي والدعم
السوفيتي .
غالباً
ما يُتهم الجيش
بالانقلابية على
الحياة البرلمانية
والسيطرة على الحياة
المدنية، في حين
يتم تناسي سيطرة
السياسيين على
الجيش وقيامهم
بانتزاع أعلى الرتب
العسكرية وتوجيهه
نحو الحروب العدوانية
وجعله أداة للدكتاتورية
ووسيلة للتحكم
والسيطرة على الشعب.
وهذا هو النموذج
الأقرب إلى واقع
العراق الراهن،
الذي أصبح فيه
الجيش مثل بقية
الشعب، ضحية من
ضحايا الدكتاتورية
والاستبداد. فبعد
أن سُلبت إرادته
وضعفت قواه المعنوية
وجُرِّد قادته
وجنوده من صلاحياتهم
المعتادة، لم يعد
هذا الجيش قادراً
على حماية نفسه
أو رد اعتباره
وفقد المبادرة
والإمكانية على
الانقلاب!.
لقد
نجحت عصابة صدام
حتى الآن في السيطرة
على مفاصل القوات
المسلحة وتفتيت
أية آليات تمكنها
من القيام بانقلاب
عسكري، وذلك باستخدام
شتى أنواع الإرهاب
والتوريط وفنون
مختلفة من الترغيب
وشراء الضمائر.
فلم يعد في العراق
جيش واحد، بل هناك
الآن خمسة جيوش،
وألغيت عقيدة الجيش
في الدفاع عن الوطن،
وأصبحت تنحصر في
الدفاع عن السلطة
ونظام الحكم، وغدا
الجيش مفرَّغاً
كلياً لمهام الأمن
الداخلي وتم نشره
في المدن والقرى.
وأما المنتسبين
لهذه الجيوش، فلكل
منهم درجة مواطنة
خاصة تحدد انتمائه
لأي منها ! وتجسد
هذه الممارسة تطبيق
عملية التفتيت
المبرمج للشعب
العراقي في القوات
المسلحة. وإذا
كانت أوضاع الجيش
العراقي كذلك ضمن
الحالة العراقية
العامة، فما هي
تصوراتنا إذن لما
ينبغي أن يكون
عليه الجيش في
ظل عراق ديمقراطي
جديد؟.
الجيش
العراقي والسلطة
(مراجعة تاريخية)
-
بوشر بتشكيل نواة
للجيش العراقي
خلال مرحلة انتقال
السلطة في العراق
من الدولة العثمانية
إلى الإنكليز،
فسبقت ولادته قيام
ما يسمى بالحكم
الوطني عام 1921. وهي
مفارقة غريبة تعبر
عن حاجة الإنكليز
للجيش من أجل السيطرة
على البلاد وتخطيطهم
لاستخدامه لهذا
الغرض في وقت كانت
فيه جراحهم لا
تزال تنزف من ثورة
العشرين وأحداثها،
وتختزن نفوسهم
شعوراً بالمرارة
والرغبة في الانتقام
من القائمين بها
والذين ساهموا
في تفجيرها. وقد
التقت مصالح العثمانيين
والإنكليز على
نقل السلطة إلى
أذنابهم والتابعين
لهم من موظفي الإدارة
العثمانية، رغم
أن أبناء العشائر
العراقية المنتفضة
في ثورة العشرين
وقفوا في الأساس
إلى جانب العثمانيين
ضد الإنكليز. وجرّاء
قيامهم بالثورة
ضدهم، خسرت القبائل
العربية الإنكليز
في الوقت الذي
لم تضمن فيه الدولة
العثمانية إلى
جانبها بسبب أفكار
ونوازع سياسية
طائفية تعود إلى
خلفيات الصراع
العثماني ـ الفارسي
على حكم العراق.
ـ
ولما كان الجيش
واحداً من أبرز
أركان السلطة الجديدة
وأدواتها التنفيذية
إلى جانب الإدارة
العامة وبعض المناصب
المدنية الأخرى،
انعكست في طريقة
تشكيله صورة السلطة
المطلوبة لحكم
العراق وفقاً للتخطيط
العثماني/ الإنكليزي،
والذي تتحكم فيه
المصالح الاستعمارية
والأفكار والهواجس
الطائفية المتخلفة،
واستبعدت فيه إرادة
العراقيين كلياً
من المشاركة في
صنع مستقبلهم.
وهكذا تشكلت الدعامات
الرئيسية للجيش
العراقي على النحو
التالي:
مهمتها
التخطيط ووضع الهياكل
والملاكات الخاصة
بالجيش وفقاً للعقيدة
العسكرية البريطانية،
ولكن بإدارة أشخاص
وضباط من خريجي
المدرسة العسكرية
التركية ومفاهيم
غربية، ويعملون
وفقاً للمصالح
البريطانية ورؤيتها
الخاصة تجاه الشعب
العراقي ومكوناته
الاجتماعية.
ثانياً:
هيئة الضباط العسكريين
القادة في الجيش
وكان
أعضاؤها أمّا من
العثمانيين الأتراك
أو من مستعمرات
الدولة العثمانية،
ينحدرون من أصول
غير عربية (بلاد
البلقان ـ اليونان
ـ كريت ـ كولمند..
الخ) ولكنهم استعربوا
تدريجياً، بالإضافة
إلى هؤلاء، كان
هناك عدد من الضباط
المنحدرين من أصول
عربية والذين تتركوا
بسبب وقوعهم في
الأسر أو دراستهم
التركية ومصاهرتهم
للأتراك، مما جعل
حسهم القومي والوطني
يتراجع أمام الخيار
الطائفي والتسلطي.
وقد تميز سلوك
هؤلاء بالتسلط
والدكتاتورية
الموروثين عن عنجهية
الحكم العثماني
التي دامت أكثر
من (400) عام، فكانوا
قساة في تعاملهم
مع ضباط الصف والجنود،
وينظرون إلى العراقيين،
والعرب منهم خاصة،
نظرة دونية محمّلة
بكثير من التهكم
والازدراء. وكان
موقفهم من الأكراد
العراقيين ومن كردستان
يتأثر سلباً بتنامي
الوعي السياسي
الكردي في العراق
والدول المجاورة.
ويؤشر سجل الجيش
العراقي إلى بعض
الأسماء التي تميزت
بالقسوة والعنف
في تعاملها مع
الحركات السياسية
وعموم الشعب العراقي!.
وقد
تميزت أيضاً هذه
المجموعة من الضباط
بارتدائها لثوب
القومية العربية
خلافاً لواقعها،
فمارس هؤلاء الضباط
الطائفية ضد العرب
والعنصرية ضد الكرد
تحت صفة ما سمي
في حينه خطئاًً
بـ(العرب السنة)،
إذ لا يوجد أي دليل
موضوعي يثبت انتسابهم
العربي. ولو كان
ادعاؤهم صحيحاً
لما انتشرت الطائفية
السياسية في العراق
بهذا الشكل الصارخ
والمؤذي، لأن الطبيعة
الفطرية والموضوعية
للعرب لا تهتم
بالمسألة الطائفية
ولأن تكوين القبيلة
العربية في العراق
مؤلف من السنة
والشيعة معاً في
حين يشكّل العرب
الشيعة نسبة 80% من
مجموع عرب العراق.
وهي
الأكثر عدداً والأوسع
انتشاراً بين الفقراء
والفلاحين في المدن
والقبائل العربية
في الفرات الأوسط
والجنوب، مع نسبة
مهمة من الأكراد
والتركمان وأعداد
من الآشوريين.
وعموماً، كان جميع
هؤلاء يعانون من
الظلم الاجتماعي
والفوارق الطبقية
مما دفعهم إلى
التطوع في الجيش
بصفة جنود وضباط
صف تحت إمرة ضباط
(من بقايا المتجنسين
في الدولة العثمانية)
ينظرون إلى الجنود
باحتقار ويعاملونهم
كرعايا وليس كمواطنين!
ولم
يكن الفاصل بين
مجموعة الضباط
والقاعدة العريضة
من ضباط الصف يتجسد
بالرتبة العسكرية،
وهي من مستلزمات
الوظيفة، بل قامت
بينهما في الحقيقة
فجوة طبقية كبيرة
أضيف إليها أبشع
أنواع التعسف؛
إذ سمح للضابط
بإهانة الجندي
وضابط الصف وفقاً
لطقوس وممارسات
تقترب من أشكال
العبودية والرق
في القرون الوسطى!؟
ومع
توسع قاعدة الجيش
وظهور الحاجة إلى
ضباط عراقيين وتأسيس
الكلية العسكرية
والمدارس الأخرى،
سمح بقبول عدد
من الطلاب في الكلية
العسكرية من أبناء
الفرات الأوسط
والمحافظات الجنوبية،
ولكن بنسبة لا
تزيد عن 7% فقط في
حين كانت نسبة
القبول للأكراد
والتركمان لا تقل
عن 20% ! ولم تتغير هذه
النسبة للعرب الشيعة
حتى بعد ثورة 14 تموز
1958 مع فرض قيود أخرى
تحدد من تدرجهم
في سلم القيادة
والمناصب المهمة،
وكانوا على الدوام
محل الشبهة والمراقبة!
وبالرغم
من التطورات السياسية
التي حدثت في العراق،
فقد بقيت التركيبة
الاجتماعية للهيئات
العليا في الجيش
دون تغيرات تمس
الجوهر، خاصة بعد
الإجهاز على ثورة
تموز في انقلاب
8 شباط 1963 ودخول العراق
مرحلة الانقلابات
المتعاقبة التي
كان آخرها في 17 تموز
1968.
في
هذه المرحلة، توسع
حجم الجيش العراقي
وتشكلت فرق عسكرية
جديدة وانتشرت
تنظيمات حزب البعث
فيه أفقياً وعمودياً
على نحو سريع،
إذ كانت المفاهيم
والشعارات المطروحة
مغرية (وحدة الأمة،
حرية الشعب، الاشتراكية
والعدالة الاجتماعية،
البعث حرب على
الطائفية والعنصرية،
سمات البعث هي
النضالية والثورية
والشعبية والأخلاقية..
الخ). كما طرحت في
الجيش مفاهيم إنسانية
فيما يتعلق بالتعامل
بين الضابط والجندي
وضابط الصف تشجع
على الاحترام والتعامل
الإنساني وتمنع
العنف والضرب والشتم
وإحالة المخالفين
إلى محاكم عسكرية.
وقد صدرت عقوبات
بحق بعض الضباط.
وأخذ
الوضع الاجتماعي
والاقتصادي يتحسّن
وصدرت قرارات ثورية
بتشغيل العاطلين
وإطلاق سراح السجناء
المعتقلين، وبإعلان
بيان آذار وبالحوار
حول الجبهة الوطنية،
وبتأميم النفط..
الخ، وجميع هذه
الخطوات تدفع باتجاه
إيجابي عام وتبث
آمالاً ووعوداً
بتجاوز السلبيات
التي تظهر نتيجة
العمل، وتشيع حالة
من التفاؤل بالمستقبل.
فالجميع ينتقد
علناًً سلبيات
الماضي، وكان هناك
اختفاء جزئي للمظاهر
السلبية الطائفية
والتعصبية. وقد
حدث كل ذلك في السنوات
الأولى بعد الانقلاب،
مما أضفى نوعاً
من الشرعية عليه
وتستر على جرائم
كثيرة وأخطاء فاحشة
ارتكبها النظام
الجديد بشكل سري!.
وفي
الجيش أيضاً بدأت
نشاطات سياسية
علنية، كلها محصورة
طبعاً بتنظيمات
حزب البعث، تتحدث
عن الديمقراطية
والحرية والمساواة
وتدعو إلى تجاوز
الصيغ العسكرية
التقليدية. وكانت
الاجتماعات الحزبية
تضم الجنود وضباط
الصف إلى جانب
الضباط من مختلف
المستويات، وتنعقد
في أجواء جدية
وتحاول إضفاء الروح
الرفاقية والنضالية
عليها ، بعيداً
عن الضبط العسكري
وعن شكل العلاقة
القديمة بين الضابط
وضابط الصف. وحتى
فيما يخص التطوع
في الجيش بالنسبة
للضباط، أي الدخول
إلى الكلية العسكرية،
فانه كان، رغم
حصره بالقناة الحزبية،
مفتوحاً للجميع
إلى حد ما. وبالمقارنة
مع ما مضى وبالرجوع
إلى ذكرياتي العسكرية
الشخصية في هذا
المجال عندما تقدمت
للمقابلة في الكلية
العسكرية نهاية
عام 1971، لم نكن نلمس
خلال المقابلة
ما يشير إلى تمييز
واضح، إذ تم قبولنا
في الدورة رقم
(52) وكنّا (300) طالباً
من مختلف أنحاء
العراق، وكان معنا
(10) طلاب من الأكراد
وعدد من التركمان
والمسيحيين، بينما
كان مسؤول تنظيمات
الحزب في الكلية
العسكرية آنذاك
شيعياً. وإذ كان
الوضع في قاعدة
الجيش بهذا الشكل،
كانت تركيبة قيادة
الجيش العليا تختلف
تماماً، إذ كان
أحمد حسن البكر
التكريتي قائداً
عاماً وصدام التكريتي
نائباً، وحماد
شهاب التكريتي
وزيراً للدفاع
وعدنان خير الله
التكريتي مسؤولاً
للمكتب العسكري
وحسين التكريتي
قائداً للقوة الجوية..
الخ. فكانت هناك
هيمنة تكريتية
على الجيش والحكم
والسلطة تحت واجهة
الحزب هذه المرة،
وبقيت المواقع
القيادية المؤثرة
محصورة بفئة قليلة
يجمعهم إلى بعض
مزيج من رابطة
القرابة والمنطقة
والرغبة في التسلط
والدكتاتورية.
ولفرض وتكريس اتجاه
التفرد والاستئثار
والهيمنة، صدرت
قرارات الحكم بإعدام
كل عسكري ينتمي
إلى تنظيم سياسي
غير حزب البعث!
ونفذت تلك الأحكام
الجائرة بحق شيوعيين
وأعضاء في حزب
الدعوة الإسلامية
وبعثيين منشقين..
وعناصر سياسية
أخرى.
في
حزيران 1973 فشلت محاولة
(ناظم كزار) مدير
الأمن العام للإطاحة
بـ(البكر وصدام)
وتخليص الحزب والعراق
من تلك الهيمنة
التكريتية، وعندها
اتضحت أمور كثيرة
فأصبحت المخابرات
هي الحاكم وتراجع
دور الحزب بعد
فشل المحاولة،
وكانت هذه مناسبة
لإلقاء عبء جميع
الجرائم التي ارتكبت
خلال الفترة الماضية
على عاتق ناظم
كزار ونسج القصص
عن إجرامه وساديته
واعتمادها في الحديث
بين الأوساط الحزبية
بديلاً عن مناقشة
الجوهر (وبالطبع
فإن هذا لا ينفي
عن ناظم كزار نزوعه
الإجرامي).
في
تلك الفترة كانت
الدورة (54) مهيأة
للقبول في الكلية
العسكرية، فتم
تأجيلها بضعة أسابيع
وإعادة النظر بأسماء
المقبولين وفقاً
للتغيرات الجديدة.
وقد تمخضت هذه
المراجعة عن شطب
أسماء الكثيرين
من المحافظات الجنوبية
وقبول (84) طالباً
من مدينة تكريت
فقط، عدا النواحي
والقرى المجاورة
الذين بلغ عددهم
أكثر من نصف مجموع
المقبولين في الدورة!
كما أعيد النظر
بالمواقع الحزبية
وشاغليها، ولم
تعد الدرجة الحزبية
هي الأساس وعادت
المفاهيم الطائفية
والعنصرية من جديد
وبشكل مبرمج وفقاً
لتكتيك جديد.
كان
البعثيون في التشكيلات
والمؤسسات العسكرية
منهمكين في الكسب
الحزبي وتوسيع
المنظمات واستحداث
ملاكات للتوجيه
السياسي على غرار
التجربة السوفيتية،
حيث أضيف إلى ملاك
كل وحدة ومقر عنوان
لضابط التوجيه
السياسي، ومُنح
صلاحيات بمستوى
معاون آمر الوحدة
أو التشكيل، وأخذ
يجري الحديث والنشاط
السياسي والثقافي
عن ما سمي في حينه
بتشكيل الجيش العقائدي.
ولكن في الحقيقة،
كانت الأمور تسير
على نحو آخر على
مستوى قيادة الدولة
والجيش، إذ تعززت
دكتاتورية فئة
محدودة عملت على
استثمار النشاطات
الحزبية لتقوية
سلطتها وهيمنتها
حصراً. ولم تحدث
تغيرات جوهرية
للتحول نحو الديمقراطية،
بل جرى العكس من
ذلك تماماً خلف
واجهات مغايرة.
وقد حسم الأمر
كلياً لصالح هذه
الفئة في تموز
1979 عندما استلم صدام
التكريتي الموقع
الأول من أحمد
حسن البكر، مفتتحاً
نشاطه الجديد بجز
رقاب (103) بعثياًً
من الكادر الحزبي،
مُنهياً بذلك حكم
البعث في العراق
من الناحية العملية
والموضوعية، وترافق
ذلك بتحويل التنظيم
الحزبي إلى جهاز
أمني ملحق بجهازي
المخابرات والأمن.
في
سني الحرب العراقية
ـ الإيرانية،
1980 ـ 1988، كانت سياسة
التفرقة والتمييز
واضحة وتقوم على
تنويعة من أسس
التعصب كالعنصرية
والطائفية والمناطقية..
الخ. ورغم أن العرب
الشيعة كانوا وقود
الحرب، بحكم كونهم
يشكلون أكثرية
السكان ونظراً
لإعفاء الأكراد
من الالتحاق بالخدمة
الإلزامية مقابل
تشكيلهم لأفواج
حماية خاصة في
كردستان وفق نظرية
صدام في الضد النوعي،
فإن تمثيلهم في
المواقع القيادية
المؤثرة كاد يكون
معدوماً.
فمثلاً،
في بداية الحرب
، كان الفريق الركن
عبد الجبار الأسدي
معاوناً لرئيس
أركان الجيش، فتم
إبعاده عن هذا
الموقع العسكري
رغم تعيينه بمنصب
وزير المواصلات،
وظل مؤيد دحام
التكريتي يرافقه
ومديراً لمكتبه
في الوزارة!
وكانت
الترقيات ومنح
القدم العسكري
خلال الحرب تخضع
لذات الثوابت التمييزية
إجمالا. وما إن
انتهت الحرب حتى
تربّع ضباط تكريت
على كافة مفاصل
الجيش ومواقعه
المهمة بعد أن
حصل كل واحد منهم
على (2-3) رتب عسكرية،
وهي تعادل قِدَمَاًً
ممتازاً للترقية
يتراوح مقداره
من ثمان إلى إثنتي
عشر سنة وما يزيد.
ورغم
ما تم الترويج
له من تقدير للكفاءة
العسكرية والشجاعة
أثناء الحرب ومنح
الأنواط والتكريم،
فإن التعيين في
المناصب القيادية
كان يخضع إلى ضوابط
خاصة تضمن تعزيز
هيمنة الدكتاتورية
الصدامية على الحكم
والدولة قبل أي
اعتبار آخر.
بعد
حرب الخليج والانتفاضة
العراقية الكبرى
1991، أزيلت الأغشية
والأوهام، وأصبح
كل شيء مكشوفاً.
ظهر صدام، قصي،
عدي، عبد حمود،
علي حسن المجيد،
حسين كامل، سبعاوي،
وطبان، على شاشة
التلفاز كمجلس
للأمن القومي العراقي؛
فهم الدولة والسلطة.
وبدون حياء، قام
صدام بتعيين حسين
كامل وزيراً للدفاع
ومن بعده علي حسن
المجيد، ووطبان
ابراهيم وزيراً
للداخلية وسبعاوي
مديراً للأمن العام
وقصي مديراً لجهاز
الأمن الخاص. فماذا
بقي من مواقع وظيفية
في الدولة!؟.. في
ذات الوقت، كانت
تتوالى قوائم الضباط
المُحَالين إلى
خارج الخدمة، بينما
تم إعدام العشرات
لأسباب غير معروفة
! وإلى جانب ذلك
، صدرت توجيهات
سرية بعزل الضباط
الشيعة عن المناصب
القيادية حتى المتوسطة
والصغيرة منها،
ونقل أي ضابط ركن
شيعي إلى خارج
دوائر وزارة الدفاع؛
وتبين الحوادث
التالية بالملموس
كيف تم تنفيذ هذه
التوجيهات:
في
عام 1993، شمل التوجيه
العميد الركن صلاح
عبد الله حنتوش،
وهو ضابط ركن في
دائرة الإدارة
وعضو قيادة فرقة،
وتم نقله إلى قيادة
قوات الحدود، اعترض
على هذا الإجراء
وأخذ يتحدث هنا
وهناك. ولم يتأخر
العقاب طويلاُ،
إذ القي القبض
عليه ووضع في سجن
الأمن العسكري
ونفذ فيه حكم الإعدام
بعد ثلاثة أشهر!
وفي نفس العام
قُتِل الفريق ثابت
سلطان التكريتي،
واللواء الركن
بشير الطالب والعميد
سفيان الغدير وآخرون.
وهذا يعني أن صدام حسين لا يعتمد على الضباط السنة عموماً كما يحاول أن يوحي لهم بذلك بعزله للضباط الشيعة والكرد والتركمان، بل إنه يبحث عن الضعفاء وذوي الميول الطائفية. وغالباً ما يكون هؤلاء ينتمون إلى ذات الأصول التي زحفت إلى العراق في فترات مظلمة. كما أنه يبحث عن الشجعان الوطنيين لعزلهم أو قتلهم، بغض النظر عن الفئة التي ينتسبون إليها. فاهتمامه الأساس يكمن في معرفة وتقريب الذين يعزفون على النغمة التي تطرب أسماعه وذوي النفوس الضعيفة، ليدعم بهم واجهات الجيش وا