المعارضة العراقية والوضع في كردستان

هما الحلقة المركزية في السعي لإقامة حكم ديمقراطي في العراق

 

 

د. مجيد الراضي

 

يتعرض مشروع التقرير السياسي إلى المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي العراقي إلى مظاهر أزمة الحكم في العراق ومحاولات الدكتاتورية المتواصلة لحلها بما ينسجم وتعزيز سلطتها الغاشمة. ويكمن نجاح صدام حسين واتباعه في التعامل مع الأزمة المتعمقة في الوضع الداخلي والعربي والعالمي. فعلى النطاق الداخلي لم تستطع أطراف المعارضة، منفردة ومجتمعة، أن تستنهض الشعب العراقي وطلائعه لخوض مواجهة جبهوية حاسمة مع النظام الاستبدادي. فالظلم الواقع على جماهير الشعب العراقي بسبب الحصار الجائر لا يزال يحوّل أنظار أبناء الشعب العراقي عن المتسبب الحقيقي في الوضع الخانق في العراق ويجعلهم يبحثون عن لقمة العيش بدلاً من الديمقراطية التي يعرفون ماهية طبيعتها؛ ومما يزيد في تعقيد الوضع أن الأعلام الدولي المعولم يطرح الولايات المتحدة الأمريكية، جلاّد الشعوب في المرحلة الراهنة من تطور الأوضاع في العالم، على أنها الحامي لهذه الديمقراطية والرافع لرايتها، كما أن جزءاً من المعارضة في الخارج لا يُخفي ولاءه لهذه الديمقراطية، وحاميها ويحاول جاهداً أن يُقنع نفسه والرأي العام العراقي ـ في الخارج والداخل ـ على أنه البديل من الدكتاتورية. إن جماهير الشعب العراقي التي تربت طيلة عشرات السنين في نضالها من أجل الاستقلال الوطني، السياسي والاقتصادي، على كراهية الاستعمار وأعوانه وعلى الحذر الشديد من الدعوات الإمبريالية إلى «الحرية» تقف اليوم ـ في أفضل الحالات ـ في حيرة من هذه الدعوة الجديدة؛ ويزيد في هذه الحيرة ويعمقها، بل ويدفع الجماهير الشعبية إلى معاداتها (معاداة الدعوة الجديدة) علناً، ما تراه هذه الجماهير من مساندة صريحة، تبلغ حدَّ التشجيع، للجناح الصهيوني اليميني الحاكم في إسرائيل في التصدي لنضال الشعب العربي الفلسطيني الباسل من أجل حقوقه الوطنية المشروعة المنسجمة كل الانسجام مع الشرعية الدولية وقراراتها، مثل قرارات الأمم المتحدة: 242 و338 و194.

إن من يريد للديمقراطية أن ترتفع راياتها في العراق لا يساعد الطغاة على ذبح الشعب الفلسطيني.

وإذا كنا نتوخى الحقيقة فإن المفارقة سوف تذهلنا، إذ أن نظام حكم صدام حسين الفردي يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة العربية على أكمل وجه؛ فهو الذي أتاح للولايات المتحدة الأمريكية بسياسته العدوانية إزاء جيرانه، وغزوه للكويت، الفرصة الثمينة في أن تصنع من الخليج بحيرة أمريكية تعج بكل أنواع الأسلحة، وأن تفرض على دول المنطقة عقد صفقات هائلة من السلاح الأمريكي طبعاً، بل وأن تجعل بعض رؤساء دوله وساسته شعراء يتغنون بالحامي الأمريكي بمناسبة وبغير مناسبة، ويعقدون معه معاهدات للدفاع «المشترك!» ويقيمون المناورات العسكرية «المشتركة أيضاً!» على الأرض العربية. وبهذا تكون المنطقة قد عادت إلى الوراء كثيراً، إلى عهد «الساحل المهادن». وباختصار تتحكم أمريكا اليوم بالمفاتيح السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة. إن هذا الوضع المثالي للدفاع عن المصالح الحيوية الأمريكية يجنح للزوال بزوال نظام حكم صدام حسين في العراق، ويُفقِدُ الولايات المتحدة أمريكية الكثير من مبررات وجودها عسكرياً، ويقلص نفوذها سياسياً واقتصاديا. فكيف يريد البعض إقناعنا بأن الولايات المتحدة تسعى جدياً لإسقاط صدام حسين عن عرشه، وما زالت قولة جورج بوش الأب ترن في آذاننا في ـ أن التأريخ سوف يرى أننا كنا على حق في عدم إسقاطنا صدام حسين ـ. كما أرغم جورج بوش الأب وزير خارجية ألمانيا ـ غنشر ـ على الاستقالة من منصبه لأنه أحرج (! ) بوش بمطالباته المستمرة بتقديم الدكتاتور العراقي إلى محكمة دولية لمجرمي الحرب. وإذا كانت الادارة الأمريكية تواصل حربها الكلامية ضد صدام حسين وأعوانه فإنها تفعل ذلك لذر الرماد في العيون من جانب ولإذلال الدكتاتور وإبقائه في الحجم المقرر له من جانب آخر. كما تستخدم هذه الحرب كوسيلة، بين وسائل أخرى، لاحتواء المعارضة العراقية.

*   *   *

وفي العالم العربي لا يزال الحكام يخشون الديمقراطية وما يمكن أن تجره وراءها من المساءلات، ولذلك فهم لا يحبذون قيام نظام حكم ديمقراطي في العراق يحفز القوى الشعبية في بلدانهم ويُخرج المنطقة من دائرة الاستقرار الرجعي. وبهذا يبقى نظام صدام حسين أهون الشرين، والتأقلم مع صدام حسين ضعيف ومُدان أفضل من التعامل مع معارضة عراقية لا يعرفون ماذا تفعل غداً!

في مثل هذا الوضع لا يظل أمام المعارضة العراقية سوى التحول إلى عامل داخلي مؤثر، سوى العودة إلى منابعها الأصلية، إلى الجماهير الشعبية المقموعة وحفز قواها الكامنة. وهذا يتطلب، أولاً، السعي الجدي لتحقيق وحدة العمل المشترك لأحزاب وقوى المعارضة على أساسٍ واقعي مع أخذ العاملين الإقليمي والدولي بنظر الاعتبار، سلباً وإيجاباً، دون المبالغة في هذا الدور في الحالين. وما لم تتحسس الجماهير الشعبية وطلائعها الحاجة – التي لا مفر منها – للتغيير، فإن التغيير سيظل أنشودة يتغنى بها من لا عمل له.

إن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمكن أن تنشأ من فراغ، فالإنسان هو الذي يحس بالحاجة إليهما، وبالتالي، يندفع لتحقيقهما في ارض الواقع. فهل الإنسان العراقي بحاجة إليهما؟ يبدو هذا السؤال بلاغياً، فالحاجة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان في العراق حاجة ماسة بدليل هذا النزيف المستمر المتمثل بالهروب من العراق للشباب خاصة،هذا فضلاً عن عشرات الألوف من ذوي الكفاءات يبحثون عن وطن يؤويهم. إن هذا النزيف حالة سلبية ينبغي الوقوف عندها. وإذا كانت دليلاً على الوضع الخانق في العراق، فإنها من الجهة الثانية مساعد مباشر للدكتاتورية في تصريف أزماتها، وهي من ناحية ثالثة هروب واع ٍ وغير واعٍ من المواجهة التي لا بدَّ منها لتحقيق اختراق حقيقي في جدار الإرهاب. فالخلاص الفردي من الجحيم القائم في العراق ليس هو المخرج، بل هو استدامة للوضع المتأزم بما يخدم مصالح الاستبداد. ينبغي أن يشعر الإنسان العراقي – شأنه دائماً – أنه ابن هذه الأرض وعليه أن يستنبتها بكل ما هو كريم. وتغيير الأوضاع السياسية في البلد هو المدخل لذلك، وتحمل تبعات ما يفرضه هذا التغيير وليس الهروب من مواجهة القمع هو السبيل القويم والحل الأمثل. والحالات الفردية لا يمكن القياس عليها.

إنني واثق من أن أجيالاً جديدة من الشباب قد نشأت وتنشأ كل يوم في العراق، وهي التي ستكون قادرة على التعامل الجدي مع أزمة الحكم وحلها ديمقراطياً لصالح الشعب العراقي مهما طال الزمن. فالعراق بلد عريق ومهد من مهود الحضارة الإنسانية يستحق مصيراً أفضل من المصير الذي آل إليه في ظل الدكتاتورية الهمجية. وما علينا إلاّ أن نساعد هذه الأجيال الجديدة في تفهم عمق هذه الأزمة من خلال خبرتنا السالفة والراهنة مع الدكتاتورية وأفعالها الدموية. وفي النهاية سيكون النصر حليف الشعب في طموحه المشروع لحياة جديدة غنية وديمقراطية خالية من تبديد الطاقات المبدعة فيما لا جدوى فيه.

*   *   *

إن أحد مآزق الدكتاتورية في العراق يتمثل في الوضع القائم في كردستان العراق. فمنذ ما يزيد على عشر سنوات تعيش المنطقة الكردية حالة من الاستقلال الذاتي عن الدكتاتورية فرضتها ظروف دولية خاصة. وقد مثلّت حالة الاحتراب بين الطرفين الكرديين الرئيسين في نطاق التنافس على الحكم تهديداً خطيراً للتجربة الجديدة في الحكم ولتحويلها بالتدريج إلى أسلوب في الحكم ديمقراطي برلماني حقيقي. ولم يتم هذا الاحتراب بمعزل عن دسائس الدكتاتورية والمؤامرات الإقليمية والدولية، وكذلك مساعي أمراء الحرب والمتاجرين بمصائر الناس والمنتفعين في حالة الفوضى سواء لدى الطرفين أو الأطراف الأخرى. ولذلك فإن استتباب السلم في كردستان العراق وتحويل الهدنة بين الحزبين الحاكمين – الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني – إلى حالة طبيعية دائمة من التعايش السلمي تفرضها، قبل كل شيء، مصالح الشعب الكردي وجماهيره الكادحة، والاتفاق المبدئي والودي على حل كل الخلافات التي تنشأ مستقبلاً بالطرق السلمية وحدها، إنما هو المكسب الأساس الذي تنجزه الحركة القومية الكردية. ومن هنا، فإن السعي المثابر لتطوير العلاقات النضالية الأخوية المتكافئة بين الحزبين وبينهما وبين أطراف الحركة الكردستانية الأخرى وأطراف المعارضة العراقية عامة يشكل المحور الذي تستند عليه حركة التطور السلمي الديمقراطي الكردي في اللحظة الراهنة. ومن خلال هذا التطور الديمقراطي السلمي، الذي نأمل أن يأخذ أبعاده الكاملة في حياة الجماهير الشعبية، يستطيع الوضع في كردستان أن يكون عاملاً مؤثراً في تعميق أزمة الحكم الدكتاتوري في العراق. وكل محاولة لإرباك الوضع في كردستان، من أي طرف جاءت، إنما هي خدمة مجانية للدكتاتورية الصدامية ومساعيها المستورة والمفضوحة في التربص لاهتبال أية فرصة تسنح لإعادة «المتمردين» على أرادتها إلى الحظيرة. وسوف يكون إعطاء المبررات للدكتاتورية، في ظروف دولية مرتبكة، للانقضاض على الحركة القومية الكردية وتجربتها في الادارة الذاتية، بمثابة إصدار حكم بالإعدام على مساعي الحركة الوطنية العراقية في التطلع نحو حكم ديمقراطي برلماني لعشرات السنين القادمة. وينتج من هذا أن الحلقة المركزية في كردستان العراق تتركز في ترصين التجربة الديمقراطية وتخليصها من عواقب الصراعات الدموية اللامبدئية وغير المشروعة والخارجة على إرادة الشعبين الكردي والعراقي في التحرر والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. إن هذه التجربة الفتية تستحق الحياة، وعلينا أن نساعدها في الحصول على الاعتراف الدولي بها وبحقها بالوجود، وتحويل المنطقة الكردية العراقية من مجرد ملاذٍ آمنٍ إلى فضاء لتجربة ديمقراطية فريدة لا يحق للدكتاتورية الصدامية أن تدنسه دون عقاب.

لقد ورد في تقريركم، البند الرابع، حول «أوضاع المعارضة العراقية» في الفقرة (69) قولكم «ا – تأخر الاتفاق بين حدك وأوك وهو ما يعرقل الاهتمام بأي مبادرة تستهدف التنسيق المشترك أو العمل الموحد والمشاركة فيها. لكن هذه المشكلة قد تبقى قائمة حتى بعد إستكمال المصالحة الكردية، لأن البعض غير مستعد للدخول في مواجهة غير محسوبة مع النظام، قد تعرض استقرار كردستان وتجربة الادارة الذاتية للخطر.» (التشديد مني ). قد تكون هذه الصياغة غير دقيقة لأنها توحي بأنكم «مع مواجهة غير محسوبة مع النظام»، وأنكم تلومون البعض الذي لا يرغب فيها. وأنا أعتقد أننا ينبغي أن نكون ضد المواجهات غير المحسوبة مع النظام، مهما كانت الأسباب؛ أن نكون ضدها بشكل مطلق، فالمواجهات غير المحسوبة هي تعبير عن السياسات المغامرة، وأنا واثق أنكم لا تقصدون ذلك. ويكفي أن يتطور الوضع في كردستان العراق باتجاه الديمقراطية الحقيقية ليكون قاعدة الانطلاق لعراق ديمقراطي فيدرالي موحد. إن من حق التجربة الكردية في العراق في حال تطورها إلى ديمقراطية اجتماعية عادلة أن تحمي نفسها من المغامرات «المحسوبة وغير المحسوبة». وعلى الجزء العربي من العراق أن يسعى بجد لتحرير نفسه من أغلال الدكتاتورية الصدامية مستنداً إلى قاعدة رصينة. صحيح أن التجربة الكردية الديمقراطية لا تنجو من المخاطر الفعلية إلاّ بزوال الدكتاتورية الصدامية في بغداد وإلاّ بانبثاق حكم ديمقراطي برلماني يعترف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره المتمثل في اللحظة الراهنة بالفيدرالية الديمقراطية الموحدة في العراق كله، إلاّ أن ذلك يدعوها إلى تعزيزها وترسيخ جذورها باعتبارها منجزاً عاماً وديمقراطياً للشعب العراقي، وذلك بمساعدة الأخوة الكرد في التغلب على خلافاتهم الذاتية لتكون تجربتهم الخاصة نقطة الوثوب نحو الديمقراطية في العراق. هذا هو درس كردستان فلنستوعبه، ولنبحث عن طرق جديدة لوحدة الحركة الوطنية الديمقراطية العراقية بجناحيها العربي والكردي. فطريق الوحدة الوطنية ليس طريق توريط الحليف في معارك غير محسوبة، ومن حقه علينا أن يتبين مواقع أقدامه.

إن مسألة إيجاد أفضل علاقات لتنسيق الجهد والعمل المشترك ضمن قوى المعارضة العراقية ومن بينها الأطراف الكردية يمكن حلها في أثناء السعي لإيجاد الوسائل الكفيلة بضمان حق الشعب العراقي في تقرير مصيره على أفضل وجه ممكن في ظل حكم ديمقراطي تُصان فيه كرامة الإنسان وحقوقه وتصبح فيه الغاية كفالة حق الناس في السعي من أجل الحرية والسعادة وليس التسلط الغاشم والتحكم في الرقاب، ومصلحة القوى والأحزاب الكردية في قيام مثل هذا الحكم في بغداد لا تقل عن مصلحة الأحزاب والقوى العربية إن لم تفقها، فالمسالة في نهاية المطاف مسألة حياة أو موت للطرفين.

إن التجربة الديمقراطية في كردستان هي انتصار لحركة المعارضة العراقية كلها، وهي بهذا المعنى المنجز الأسمى الذي ينبغي أن تحرص على صيانته وتطويره كل القوى والأحزاب السياسية العراقية، وأن تضع ذلك في الاعتبار عند صياغتها لبرنامجها المشترك الرامي لإقامة حكم برلماني ديمقراطي في العراق.

 

10/7/2001