«الثقافة الجديدة» في ندوتها الفكرية الثانية:

«آفاق ومعوقات الديمقراطية في العراق»

لئن جلبت العقود الماضية للعراق كل المساوئ الممكنة لاستبداد الحاكم الفرد وهيمنة دولة الحزب الواحد، فإنها أيضاً أيقظت، بدرجة غير مسبوقة، الوعي بالديمقراطية لاسترداد الحقوق المغيبة للأفراد والجماعات، ولتأسيس فضاء سياسي مفتوح يرتكز على التعددية والتنوع والتمثيل والمؤسسات والصراع السلمي على السلطة. غير أن الوعي بالديمقراطية كضرورة ملزمة وحل وحيد لتخليص العراق من محن الاستبداد وكوارثه، ليس سوى الخطوة الأولى لترجمتها على أرض الواقع. وتلك مهمة عسيرة دونها موانع وإعاقات كثيرة لا تقتصر على الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل تشمل الخطاب السياسي ذاته الذي قد يجد في الديمقراطية بغيته ليستهلكها كشعار براق أو ليراهن عليها كوصفة سحرية لمجتمع مثالي. إن الحديث عن الديمقراطية في العراق يستدعي بحث تركيبة الدولة العراقية الحديثة، ومصالح الطبقات والفئات الاجتماعية التقليدية والمستجدة، أيديولوجيات الأحزاب السياسية، دور المؤسسة العسكرية، وتأثير العامل الثقافي. وكانت هذه تحديداً هي محاور الندوة الفكرية الثانية التي نظمتها " الثقافة الجديدة"، في نهاية شهر نيسان الماضي، بالتعاون مع المنتدى الديمقراطي العراقي في هولندا. في هذا العدد ننشر بعض الأوراق المقدمة في الندوة أو التي تم إرسالها إليها لتعذر مشاركة أصحابها، وسنوالي نشر أعمال الندوة في الأعداد القادمة.

 

المشاركون في الندوة:

باحث

ثائر كريم

سياسي (عضو ل.م. للحزب الشيوعي العراقي) وصحفي

عبد الرزاق الصافي

أستاذ جامعي وباحث

عصام الخفاجي

شخصية دينية وسياسية

ضياء الشكرجي

صحفي وكاتب/ عضو مجلس تحرير الثقافة الجديدة

زهير الجزائري

ناقد أدبي وكاتب

ياسين النصير

سياسي وكاتب

علي كريم

ناقد أدبي

علي إبراهيم

حقوقي

حسين عبد علي

ممثل الحكومة الاقليمية في كردستان لدى الاتحاد الأوروبي

برهان الجاف

باحث في المركز القومي للبحوث العلمية في فرنسا

هشام داود

عضو مجلس تحرير الثقافة الجديدة

هادي محمود

 

المشاركون غير الحاضرين:

عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي

سامي خالد

ضابط كبير شغل مناصب قيادة وأركان وتدريب متعددة في القوات المسلحة العراقية

العميد الركن نجيب الصالحي

كاتب

صادق البلادي

 

 

 

 

المشروع الديمقراطي

للحزب الشيوعي العراقي

 

د. سامي خالد

 

تحظى موضوعة الديمقراطية كمفهوم وكممارسة باهتمام متزايد على الصعيدين العراقي والعالمي. وفي ظل الظروف المعقدة التي تمر بها بلادنا يجري البحث الواسع عن سبل الخروج من الازمة الشاملة التي تعصف به، وادوات تحقيق البديل المعبر عن تطلعات الشعب.

وهذا المدخل للمشكل يقترن بصورة وثيقة بقضية الديمقراطية سواء على صعيد ادوات التغيير او المجتمع. فالبديل الديمقراطي كمكون لا غنى عنه في عراق المستقبل، يتطلب درجة عالية من الاستعداد والنضوج والوعي بالاضافة الى ضرورة الربط الصحيح بين الشعار وتحقيقه، بين النظرية والتطبيق.

وفي الوقت الذي يمكننا فيه تحديد سمات وخصائص الحالة العراقية راهنا ارتباطا بمأزق النظام السياسي، فان من الصعب التوصل الى صورة متكاملة، مفاهيمية كانت ام تطبيقية، تتعلق باقامة البديل الديمقراطي المنسجم مع تطلعات اوسع الطبقات والفئات الاجتماعية. فقضية الديمقراطية والبديل الديمقراطي شائكة حقا.

وساتناول في مداخلتي نظرة وتجربة الحزب الشيوعي العراقي كفصيل خاض نضالا دؤوبا منذ قيامه قبل 67 عاما ولايزال يواصل كفاحه من اجل تحقيق البديل الديمقراطي رغم ما اعترى مسيرته من ثغرات ونواقص واخطاء على الصعيدين النظري والتطبيقي.

كما تنبغي الاشارة الى ان مختلف النظم السياسية الحاكمة في بلادنا منذ تأسيس الدولة العراقية اعتمدت نهج معاداة الديمقراطية وان بدرجات متفاوته، ولو توقفنا امام النظام السياسي الراهن والذي حكم العراق منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود لوجدنا انه نموذج استبدادي بامتياز.

وتترجم سياسة النظام الحاكم على الصعيد الداخلي في استمرارية حالة التوتر الاجتماعي والسياسي وفي عسكرة المجتمع. وهي في الحقيقة اساليب غير ديمقراطية يهدف النظام من خلالها ضمان ديمومة حكمه. ونفس التبرير استخدم في الموقف من الديمقراطية، كون الظروف الطارئة تتطلب رص الصفوف وشد الاحزمة على البطون، وبالتالي «تأجيل الكماليات لغاية انجاز الضروريات». ويتكرر الامر اليوم في ظل الحصار حيث يتضور الناس جوعا في حين يسعى النظام لاشباعهم بشعارات خاوية منطلقا من فرضيته التقليدية كون البلد يتعرض لمؤامرة عدوانية.

وفي ظل غياب علاقة التفاعل بين النظام السياسي والمجتمع المدني بفعل انعدام المشاركة السياسية، يفتقد النظام لشرعيته الاجتماعية والقانونية وينعدم الاستقرار في البلد. فكما هو معروف تكون معادلة العلاقة بين المشاركة السياسية وشرعية النظام السياسي معادلة طردية. وكذلك تكون معادلة العلاقة بين شرعية النظام السياسي واستقراره.

"فالسلطة القائمة هي دكتاتورية فردية استبدادية مطلقة ذات طبيعة شوفينية تعتمد اساليب وممارسات طائفية في الحكم، وتتسم بنزعة عدوانية توسعية ازاء الاشقاء والجيران، وتمثل طبيعة السلطة في البلاد محور واساس المحنة التي يعاني منها الشعب العراقي، وتشكل عاملا رئيسيا في جميع الازمات والكوارث التي تعرض ويتعرض لها"(1).

ماذا كانت النتيجة لكل ذلك؟ الاخفاق السياسي العام والفشل في انجاز الحدود الدنيا البدائية من التنمية السياسية الديمقراطية واشتداد مأزق النظام داخليا وخارجيا وتعمق الازمة الشاملة.

وهكذا نقف امام اشكالية تعكس ازمة النظام المتجسدة في التطابق بين اجهزة الدولة وسياسة الحكم بخصوص الموقف من قضية الديمقراطية من جهة والتناقض بين كليهما مع المجتمع من جهة اخرى، مما يعني تعطيل وظائف النظام السياسي وادوار مؤسساته ومما يجعل من الدولة كيانا غريبا عن المجتمع مفتقرا لاية فاعلية ايجابية لصالحه، خاصة عندما اصبح النظام السياسي القائم مستندا الى احتكار السلطة والثروة والرأي. وها نحن شهود عيان على حالة القطيعة بين المجتمع والنظام السياسي.

 

الديمقراطية والبديل الديمقراطي

في ضوء ما سبق ذكره كيف يمكننا الخروج من الازمة المأزق؟ المقدمة لذلك هي في طرح البديل، ثم العمل على تحقيقه، وهناك عدة صيغ ضمن هذا السياق أقف عند أهمها - في نظري - وهو المشروع الديمقراطي الذي اراه بديلا مناسبا. ولكن قبل الحديث عن هذا المشروع سأقف عند موضوعة الديمقراطية بالاقتران مع واقعنا الملموس كي اسعى الى مقاربة موضوعية تبحث في كيفية تحديد صيغ ومضمون البديل وكيفية تحقيقه على مستوى العراق.

من المعروف ان الديمقراطية ضرورة تاريخية إجتماعية وقيمة انسانية كونها (حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب). كما ان الديمقراطية مسيرة تحول طويلة وليست نظاما يولد منذ البداية كاملا وناجزا.

والسؤال هنا: هل تشكل الديمقراطية اولوية من اولويات السياسة في العراق؟ هل هي مطلب ملح؟ هل هي مدخل الزامي لمواجهة الاولويات الاخرى ام لمجرد التغطية على الحاجات ومسايرة لنزعات عالمية الطابع؟

يمكنني القول في محاولة للبحث عن اجابة معللة. ان الديمقراطية كظاهرة اجتماعية ترتبط وثيقا بغيرها من ظواهر الواقع، والمهم في الامر انها تطرح (أي الديمقراطية) كمحاولة لبناء قاعدة جديدة في التعامل بين الاطراف السياسية والاجتماعية في مواجهة التسلط والهيمنة واحتكار السلطة والرأي والقرار ومصادرة حقوق الاخرين. نعم لا ينبغي النظر الى الديمقراطية كمفهوم ناجز وجاهز وثابت لانه يأتي في سياق مجموعة من العوامل والتأثيرات الداخلية والخارجية والسياقات الجيوسياسية والتاريخية. فالديمقراطية لا تتجزأ.

ان وجود الديمقراطية الحقيقية يقترن بوجود مؤسسات المجتمع المدني، وان يتحقق الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. فالمجتمع السياسي كمفهوم، يشمل كل المؤسسات والاجهزة والمنظمات المركزية والمحلية للدولة، بتعبير اخر جميع المؤسسات الحكومية على اختلاف مستوياتها المكرسة لبسط سلطات الدولة، بمعنى ان المجتمع السياسي يتضمن السلطات التي تختص بعنصر الاجبار المادي المشروع الذي تحتكره الدولة. اما المجتمع المدني فهو مختلف الابنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تنتظم في اطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، والتي تحدث بصورة دينامية ومستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة.وأوكد هنا ان صيغة المجتمع السياسي لا تعني ان السياسة ستكون حكراً على السلطات، بل سعي تلك السلطات لتوظيفها في مصلحتها. ويقابل ذلك صيغة المجتمع المدني التي تتضمن بدورها مختلف المواقف السياسية. واشير ايضا الى ان المجتمع المدني في ظل النظام الديمقراطي لايقف في مواجهة الدولة بل بصورة موازية لها.

فكل نظام سياسي ينبغي ان يقوم على مجموعة من القواعد الاساسية المنظمة لعملية صنع القرار وبشكل دستوري. ومثلما ذكر توماس جيفرسون في القرن التاسع عشر: ان هذه القواعد تساعد في اضفاء الشرعية، وغيابها يؤدي الى نزاعات سياسية متكررة.

ان مصير الديمقراطية مرتبط بنتائج معركة سياسية - فكرية فهي تخضع في تقدمها وتراجعها لما تتمتع به القوى التي تتبناها كمبدأ ونظام سياسي من قدرة ذاتية، سواء ما يتعلق منها بالوعي النظري او بمستوى الممارسة السياسية وادارة الصراع السياسي، فهي لا تولد من نفسها وبصورة عفوية بل تقترن باستعداد المجتمع. ويعني ذلك اهمية توفر عوامل موضوعية وذاتية تتعلق بمستوى نضج البنى الاقتصادية والاجتماعية، كما تتعلق بالنخب الحاكمة والنخب غير الحاكمة والجماهير الشعبية.

وتنبغي الاشارة هنا الى ان الديمقراطية ليست بديلا عن اي برنامج وطني او اجتماعي ولا تدعي تقديم الحلول للمشاكل الاجتماعية العميقة بقدر ما تسمح بخلق مناخ وسلوك عام وقواعد قانونية واخلاقية في التعامل بين الاطراف والبرامج المتنازعة، وبالتالي فهي مطروحة كاطار لتقويم السياسة بغية الخروج من دوامة الاستبداد وحتى الاستبداد المضاد- ومن هنا تشكل الديمقراطية اساسا لحركة تغييرية واصلاحية، بعبارة اخرى، اساسا للبديل الديمقراطي المنشود وتعبيرا عن الارادة السياسية.

والديمقراطية كونها قاعدة وممارسة السلطة السياسية ينبغي ان تستند الى عدد من المبادئ من بين اهمها:

1- مبدأ الحرية التنظيمية والسياسية كمقوم اساسي للحياة الاجتماعية. ويرتبط بهذا المبدأ حق التنظيم والمعارضة والتعددية السياسية وحرية الرأي والعقيدة.. الخ.

2- التداول السلمي للسلطة وفق قواعد دستورية محددة ويقترن هذا التداول بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

3- مبدأ المساواة المتجسد في دولة النظام والقانون. اي ضمان التكافؤ في الفرص بالاستناد الى القانون المشرّع من البرلمان المنتخب باعتباره المرجع الرئيسي. هنا يمكننا الحديث عن نمط جديد للعلاقات بين مكونات المجتمع تحل فيه المواطنة والمواطن محل الاخوة في الدين والدم.

وبذلك يمكننا القول ان الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم بل واسلوب حياة، وهي وسيلة سلمية لحل التناقضات داخل المجتمع، فالديمقراطية كنظام سياسي - اجتماعي تقوم على مجموعة اسس تعتمد الاتفاق او التعاقد الاجتماعي على اسناد احتكار وسائل العنف المروعة الى هيئة (او عاهل) على قاعدة حماية الحق الشامل في الحياة والملكية.

ومن الجدير بالاشارة هنا ان الديمقراطية تواجه في مجتمعنا عقبات عديدة، ومن بين ابرزها، غياب التقاليد الديمقراطية في المجتمع من جهة ومستوى فهم وموقف القوى السياسية والاجتماعية من الديمقراطية من جهة ثانية، ثم مستوى التطور الاقتصادي - الاجتماعي من جهة ثالثة. كل هذا عدا نظام الحكم الاستبدادي المعيق لاعتماد وتطور الديمقراطية والذي اسفر عن تهميش اعداد متزايدة من المواطنين نتيجة انشغالهم بهموم العيش والحياة اليومية وبالتالي ضعف اهتمامهم بالديمقراطية، واقترن ذلك بعدوانية الدولة جراء شعورها الدائم بالخوف والخطر واحتفاظها جراء ذلك بالمزيد من القدرات القمعية.

وجدير بالاشارة ايضا ان النظام السياسي في الوقت الذي فشل في اقناع المجتمع بمشروعه السياسي وبشرعيته فراح يعتمد القسر كوسيلة للسيطرة، الا انه نجح من جانب اخر في عرقلة تفاعل المجتمع مع المشاريع البديلة، وتحديدا المشروع الديمقراطي لما يشكله من خطر عليه.

إلا ان ذلك ليس مبررا للقبول بغياب الديمقراطية، ويبقى من الضروري وجود حركات سياسية واجتماعية تعتمد الديمقراطية وتعمل على صيانتها من خلال تفعيل دور المجتمع المدني، بعبارة اخرى العمل من اجل مأسسة العملية الديمقراطية، وهذا يتطلب التحديد الواضح للقوى صاحبة المصلحة بالتحول الديمقراطي ودورها في تلك العملية، كما يتطلب الامر تحديد المضمون الاساسي للديمقراطية اي على صعيد بعديها السياسي والاجتماعي. واكرر القول ان هذا الامر مرهون بطبيعة القوى الاجتماعية والفكرية التي ستدخل معركة الديمقراطية وتخوض غمارها، انطلاقا من كون غياب الديمقراطية شكل ولايزال العامل الرئيسي في حالة التدهور التي يمر بها بلادنا منذ تشكل الدولة العراقية ولذلك فالنضال من اجل بديل وطني ديمقراطي في العراق هو الحل الامثل من اجل وضع حد لمعاناة شعبنا العراقي.

 

رؤية الحزب الشيوعي العراقي للديمقراطية والبديل الديمقراطي

انطلاقا من القناعة بأن الديمقراطية ينبغي ان تكون سمة ملازمة للشيوعيين في نمط تفكيرهم وعلاقاتهم الداخلية، ومع القوى الاخرى وتجسيدا لرغبتهم في سيادتها في المجتمع الذي يناضلون من اجله، فقد سعى الحزب الى اشاعة الديمقراطية في حياته الداخلية وجاء نهج الديمقراطية والتجديد الذي اقره المؤتمر الخامس للحزب (1993) ليؤكد ذلك.

حيث دعا المؤتمر الى تشجيع النقاشات والحوارات الفكرية داخل صفوفه وفي صحافته بدون تحفظ وسعى الى استشارة وتحفيز الطاقات والامكانيات الفكرية لدى الحزبيين واصدقاء الحزب وجماهيره، كي يسهموا في صياغة سياسة الحزب وشعاراته. وفي تدقيق هذه السياسة.

ويسعى الحزب الى تعميم هذا التوجه ليكون اساسا يسهم بدوره في بناء العراق الديمقراطي التعددي.