أرسى الحزب
الشيوعي العراقي
(ح ش ع) تقليداً جديراً
بالثناء، إذ يطرح
ومنذ سنوات، التقارير
السياسية والبرامج
المقدمة لمؤتمراته
على بساط البحث
والنقاش، مما يتيح
الفرصة لأعضائه
وأصدقائه ومؤازريه
المشاركة بالرأي،
والإدلاء بما يرونه
نافعاً للحياة
السياسية العامة
للبلاد، والأحزاب
الوطنية العراقية.
نأمل أن تجد الملاحظات
والآراء البناءة
التي تصل الحزب
آذاناً صاغية،
من أجل دفع عجلة
الديمقراطية خطوة
إلى أمام، والخلاص
من الدكتاتورية
الجاثمة على صدر
وطننا منذ عقود.
بادئ ذي بدء
أود الإشارة إلى
أن مشروع التقرير
السياسي (ت.س) إلى
المؤتمر السابع
جاء شاملاً ومطولاً،
وغطى مساحة زمنية
واسعة، كما عالج
أوضاعاً مختلفة
كثيرة، سواء الأوضاع
السياسية للعراق
أو للمعارضة الوطنية،
مما يفرض على كل
من يتناوله في
النقاش أن يوجز
ما استطاع إلى
ذلك سبيلاً، وسأحاول
التركيز وتسجيل
الملاحظات بشكل
مقتضب جهد الإمكان
وأضعها تحت عناوين
فرعية كي يسهل
الرجوع إليها والتوسع
فيها مستقبلاً.
رسم
(ح ش ع) سياسته على
أساس الشعار الواضح
(وطن حر وشعب سعيد)،
وهو بمثابة الهدف
الستراتيجي، الذي
يضعه كل شيوعي
عراقي نصب عينيه،
ويفترض أن تضعه
أمامها كل هيئة
حزبية، كي تفي
بالتزامها بالمبادئ
التي آمنت بها.
ورغم نبل هذا الهدف،
إلا أن الوصول
إليه لا يمكن أن
يتم بالسبل التي
يرغب بها كل شيوعي،
أو قيادة الحزب،
أعني أن الطريق
العملي الذي يضطر
السياسي إلى سلوكه،
قد يحتم عليه سلوك
طرق وعرة لا يرغب
فيها، وقد تبدو
أحياناً مخالفة
للهدف الستراتيجي
الذي وضعه هو لنفسه،
مثله في ذلك مثل
الأب الذي يضطر
من أجل تربية أبنائه
إلى أخذهم بالشدة
أحياناً. ولذلك
قالت العرب:
|
فما حيلةُ
المضطر إلا ركوبها |
|
ومن لم يجد إلا
الأسنة مركباً |
ومن هذا الباب
يأتي الاختلاف
بين الهدف والتطبيق
أو بين النظرية
والتطبيق كما يقال.
كما لا أريد
أن يعتقد أحد أن
هذه الكلمات تحض
على الميكافيلية،
أو ما اصطلح عليه
بأن الغاية تبرر
الوسيلة، فتلك
مسألة أخرى لا
يلتزم بها إلا
من فضل مصالحه
الذاتية فقط. ولا
يغيب عن ذهننا
ما جعل (ح ش ع) يدخل
بتحالفات غير مقبولة
أحياناً من وجهة
المبادئ المرسومة،
وأكبر تلك الاضطرارات
التحالف الذي عقده
مع حزب البعث عام
1973. ولا شك أن ذلك
الاضطرار لن يكون
الأخير في المسيرة
السياسية للحزب
الشيوعي العراقي
ولا لأي حزب آخر،
ولذلك أيضاً اختار
(ح ش ع) أن ينضوي تحت
لواء المؤتمر الوطني
الذي ترأسه الجلبي
قبل أعوام مما
جر عليه الكثير
من النقد واللوم،
حتى اضطر إلى تجميد
عضويته، والخروج
منه. واستناداً
إلى مختلف العوامل
التي تتجاذب الأطراف
السياسية وتميل
بين هذا القطب
وذاك، يصعب أحياناً
اختيار الدروب
السالكة والمؤدية
إلى الهدف بأمان
وبدون خسائر مادية
ومعنوية، من هنا
تأتي أهمية اختيار
القيادة التي تستشرف
الرؤية الصائبة
وتقود الحزب نحو
تحقيق أهدافه،
ولا يتم ذلك دون
طرح كل الأوراق
على طاولة النقاش
وإيجاد الوسائل
الناجعة لاختيار
الذين يبادرون
باتخاذ القرار
الصائب ويعملون
من أجل تحقيق الهدف
بأقل الخسائر،
والتزام الصراحة
في طرح التجربة
أمام جماهير الحزب
واستمزاج رأيها
من أجل إنجاز الهدف.
إن انشطار الحزب
الشيوعي إلى حزبين:
عراقي وكردي، يساهم
بلا شك في إعطاء
حرية أكبر للشعب
الكردي في العراق
في العمل السياسي
الفعال، ولكن ذلك
يؤدي إلى إضعاف
العمل السياسي
المشترك. كما أنه
قد يكون مفيداً
في حالة وظرف معينين
ولكني أعتقد أن
هذا الانشطار غير
مفيد على المدى
البعيد سواء داخل
الوطن أو خارجه،
وإذا كان لابد
من انشطار الحزب
فقد كان من الأفضل
السماح بتكوين
حزب سياسي كردي
يساري مستقل، لأن
هذا الواقع أصبح
ينطبق عليه المثل
العراقي (رمانتين
بفد إيد ما تنلزم)
لذا يحسن فك الارتباط
والعمل بشكل مستقل
من أجل مستقبل
سياسي أفضل لكلا
الحزبين. كما أرى
أن تنظيم الحزب
في الداخل يختلف
عنه خارج الوطن،
وأعتقد بضرورة
فصل التنظيمين
أولاً، على أمل
تشكيل تنظيم أو
حركة خاصة بالعراقيين
في بلدان المهجر
في المستقبل، تعمل
من أجل مصالح المهاجرين
العراقيين بالدرجة
الأولى وتساهم
في رفد الوطن الأم
بالمساعدة والكوادر
ثانياً، لأن أغلب
العراقيين في بلدان
المهجر أصبحوا
مواطنين لتلك البلدان
ويحملون جنسياتها
وذلك يضع على عاتقهم
مسؤوليات جديدة
لم نكن نعرفها
سابقاً، علماً
أن من يتخذ القرار
السياسي أو الحزبي
وهو يعيش خارج
الوطن ينطلق من
منظور ومصالح تختلف
عن الذي يتخذ القرار
وهو داخل الوطن،
خاصة وأن العديد
من قادة الحزب
وكوادره الذين
في يدهم تصريف
الأمور قد عاشوا
سنوات طويلة في
الخارج، مما جعلهم
يرتبطون بواقع
غير الواقع المعاش
في الداخل.
كما أن انتشار
العراقيين في البلدان
ووجودهم بأعداد
قليلة في مدن مختلفة،
يتطلب عدم تشتيت
وبعثرة الجهود
في تشكيل منظمات
متعددة، ومن المفضل
العمل من خلال
منظمة مركزية واحدة
تجمع الأعضاء والرفاق
في وحدة ونواة
متكاتفة، وإن تشكيل
منظمات (واجهة)
للحزب أمر غير
مجدي في بلدان
الشتات، بل قد
يكون مضراً في
العمل السياسي،
لأن الحرية المتوفرة
في الخارج وطبيعة
العمل السياسي
يكفل للحزب حرية
الحركة وإن كانت
نسبية. قد تكون
منظمات الواجهة
مفيدة داخل الوطن
ولكن لا أرى لها
أية ضرورة في الخارج.
إن إعلام الحزب
وأدبياته بحاجة
إلى المزيد من
الجهد كي تواكب
التطور الحاصل
في العالم وفي
دنيا الإعلام،
لذلك يجب التفكير
جدياً بخلق وسائل
جديدة ومتطورة
لإيصال سياسة الحزب
وأهدافه إلى الجماهير
في الداخل والخارج،
وحسناً عملت منظمات
الخارج باستغلال
الإنترنيت في الإعلام
مؤخراً، ونتمنى
الاستفادة من الإمكانات
التي يتيحها الوضع
السياسي في كردستان
حالياً. كما أن
التطور الذي جرى
لمجلة (الثقافة
الجديدة) الغراء
يشجع على زيادة
تداولها وإن كان
الطموح في رفدها
بأقلام جديدة وأسماء
فكرية لامعة يوفر
فرصة أكبر لانتشارها،
وحبذا لو استطاع
الحزب إيصالها
إلى الأسواق العربية
المختلفة، وأعتقد
أن ذلك ممكن لو
كانت للحزب صلات
أقوى في الساحة
العربية، فلم نلمس
تعاوناً كبيراً
أو تنسيقاً فعالاً
مع المنظمات العربية
والمنظمات المستقلة،
ربما كان ذلك يؤكد
حاجة الحزب إلى
كوادر ثقافية وعلمية
وفكرية مرموقة
تستطيع خلق فرص
العمل المشترك
مع الآخرين. كما
سادت أحياناً في
أدبيات الحزب ونشرات
الجمعيات القريبة
منه لغة السباب
والغمز من قناة
الآخرين دون تمحيص.
إن ذلك يساهم في
خلق أجواء غير
ودية بين أوساط
الجالية العراقية
في البلدان المضيفة،
كما لا تعزز هذه
الأعمال مكانة
الحزب، إن لم تسئ
إليها، خاصة وأن
هناك من يفتعلها
لأسباب شخصية مستغلاً
بذلك منابر الحزب
وجمعياته لتنفيذ
مآربه.
وكانت أهم خطوة
حاولها النظام
لسحب البساط من
تحت أقدام المعارضة
العراقية هي إضعاف
ثقتها بجماهيرها
وزرع بذور الشك
في أوساطها، ومن
أجل ذلك بادر إلى
إخراج أعداد غفيرة
من أتباعه من العراق
وإرسالهم إلى الخارج
والتخفي بلباس
المعارضة، وقد
أرسل بعض المجاميع
من مرتزقة الكتاب
والشعراء والفنانين
وأشباههم، وزودهم
بوثائق ومعلومات
تسهل لهم التحايل
على الدول المانحة
للجوء كي يحصلوا
على الإقامة في
دول المهجر ويندسوا
بين العراقيين
المعارضين، وأوعز
لهم بالاندساس
في مختلف المؤسسات
المعارضة وإظهار
الطاعة والتذلل
للتنظيمات السياسية
من أجل النفاذ
إليها، واستغلال
أساليب الرشوة
والخضوع والرياء
من أجل الوصول
إلى الهدف والتظاهر
بمعاداة النظام
وشتم النظام في
العلن والعمل من
أجله في السر.
وبسبب دقة هذا
العمل المخابراتي،
ارتبكت المعارضة
العراقية، واحتارت
بأمر هؤلاء القادمين
الجدد، فنجد أعرق
التنظيمات الوطنية
المعارضة تدعو
منظماتها إلى احتوائهم
وتشجيع المزيد
منهم على الانفكاك
من النظام، غافلة
عن المخطط الذي
يحاك ضدها والشرنقة
التي تسهل لها
بيدها الالتفاف
حول رقبتها، بل
أخذ البعض يروج
لأمثال هؤلاء ويمنحهم
صكوك الغفران وشهادات
حسن السلوك والوطنية،
وراح الذين حصلوا
على فسحة للعمل
في جمعيات ومؤسسات
المعارضة تبني
أمثال هؤلاء وأخذ
يقدمهم ويحتال
على إدخالهم في
هيئات المنظمات
وصحفها ليجدوا
أمامهم مساحة معارضة
ينفثون من خلالها
سموم النظام الذي
خرجوا لخدمته بعد
أن خدموه في الداخل
من الرأس إلى أخمص
القدم.
لقد أعيد انتخاب
الرفيق حميد مجيد
البياتي مرة ثانية
سكرتيراً للجنة
المركزية، ورغم
أن ذلك من حق أي
حزب، إلا أن هذا
الانتخاب بحاجة
إلى إيضاح بسيط
يبين أسباب إعادة
انتخابه، كأن يكون
المرشح الوحيد
لهذا المنصب، أو
لعدم وجود غيره
مؤهل لهذا الموقع
الحزبي، أو لكونه
صاحب برنامج يحاول
تطبيقه وهو بحاجة
إلى دورة انتخابية
إضافية.. الخ.
والذي أتمناه
أن لا تكون هذه
المراكز القيادية
في الحزب الشيوعي
حكراً على أسماء
معينة وعلى طريقة
الحكام العرب،
وحبذا لو كانت
مدة السكرتارية
محددة بدورتين
على غرار منصب
الرئاسة في الجمهورية
الإسلامية في إيران
مثلاً. إن هذا التقليد،
أقصد تحديد فترة
السكرتارية، يساهم
في إرساء الأسس
الديمقراطية في
الحياة السياسية
العراقية أكثر
من أي كلام عن الديمقراطية
لا يجد سبيلاً
للتطبيق.
أعتقد أن من
المفيد التنسيق
مع جميع الأحزاب
والمنظمات العراقية
المعارضة، وعدم
التمسك بمقولة
الأحزاب الفاعلة
على الأرض، أو
ما شابه ذلك، من
أجل إبعاد البعض.
لأن أي حزب مهما
كان صغيراً، قد
يصبح قوة هامة
في المستقبل، وكلنا
شهد كيف تحول حزب
البعث العراقي
من حزب صغير عام
1968 إلى حزب حاكم اضطر
الحزب الشيوعي
أن يقر له بقيادة
الجبهة الوطنية
عام 1973.
أما
عن التفاوض والحوار
بين الحزب الشيوعي
العراقي والأحزاب
الأخرى، فأرى ضرورة
الحوار والتفاوض
مع أية جهة ترغب
فيه، سواء أكانت
منظمات مستقلة
أو أحزاب معارضة
أو النظام الحاكم
أو الدول الإقليمية
وغيرها. وبالنسبة
للنظام الحاكم
ببغداد، قد يكون
من العبث طرح مثل
هذا الأمر معه
في الوقت الحاضر
باعتبار أنه نظام
محكوم عليه بالزوال
الحتمي، وأن أي
تفاوض معه قد يمنحه
جرعة إضافية للبقاء،
ولكني أعتقد أنه
حتى لو كان من المؤكد
سقوط النظام يوم
غد، ويطلب التفاوض
قبل ساعات من سقوطه،
فيجب الاستجابة
لذلك، لأن هذا
التفاوض قد ينفع
الحزب والشعب فيما
بعد، ويجعل الحزب
يحصل على موقع
أفضل في أي تشكيل
حكومي قادم. إن
اعتماد الحزب سياسة
الباب المفتوح
خير من وضع خطوط
حمراء في طريقه،
فالتكتيك يقتضي
فتح مختلف الطرق
التي توصل إلى
الهدف خدمة للستراتيج
الذي هو وطن حر
وشعب سعيد، ولنا
في حزب الله اللبناني
مثالاً جديراً
في النضوج، إذ
حين يقتضي الأمر
فهو يتفاوض مع
أعدائه من أجل
إطلاق سراح رهائنه
على الأقل.
هذا وإن انتصار
شعبنا سيتحقق قريباً
لا محالة، ويتحتم
علينا العمل من
أجل أن تتكاتف
القوى الوطنية
لتحقيق أفضل صيغ
الحكم الديمقراطي
لوطننا.