آفاق تطوير سياسة الحزب الشيوعي العراقي وتفعيلها

على الساحة العراقية

 

 

د. أحمد رجب علي

 

بدءاً يسعدني جداً أن أحيي الحزب الشيوعي العراقي المناضل في مؤتمره السابع المزمع عقده في وقت لاحق وعلى الأرض العراقية، والذي يدل بكل وضوح على تفعيل الممارسات الديمقراطية في كيان الحزب. لا شك أن الحزب سيتناول القضية العراقية بجميع أبعادها ونتائجها الكارثية التي حاقت بوطننا وشعبنا وتحليل أسبابها وتسليط الأضواء على مكامن ضعفها.

إن تقييم سياسة الحزب حول هذه المسألة الساخنة سيحوز دون شك باهتمام مركزي من لدن المؤتمر ليس في إطار المناقشة النظرية فحسب بل كيفية تفعيل السياسة الجديدة على أرض الواقع. والقضية الأساسية التي تطرح نفسها بكل أبعادها هي التعامل مع الأحداث وتطوراتها في الوطن والسير نحو إجراء التغيير المنشود وإحلال البديل الديمقراطي دون تعريض شعبنا إلى كوارث وويلات جديدة مهلكة حيث أن الطاغية وهو وحش كاسر مستعد لتحويل العراق إلى «أرض بلا شعب» حسب تهديداته الفاشية.

إن الظروف السياسية في الوطن تشير إلى أن النظام الفاشي يترنح من هول المشاكل التي تتفاقم باستمرار وتزعزع تماسكه وكيانه الهش، وهو وبكل المقاييس يدنو من أجله المحتوم، وهذا ليس تبسيطاً للتطورات بل إنها وقائع مادية تتفاعل لتعزز النهاية للنظام. إن النظام الصدامي لم يكتسب ولن يكتسب الشرعية القانونية وهو مرفوض من الشعب العراقي برمته حيث جاء الرفض الشامل في انتفاضة آذار المجيدة عام 1991، والأحداث التي تتالت بعد الانتفاضة ولحد الآن دلت بدون أدنى شك على رفض النظام الدموي، وكافة المؤشرات تبرهن على التوجهات الشعبية ضد النظام والتي تقابلها احترازات النظام المرعبة. وأثبتت كافة التطورات بأن وجود النظام يتناقض أساساً مع المصالح الوطنية، وفي نفس الوقت يتآكل النظام في تناقضاته المختلفة والكثيرة، وإن إنضاجها وإيصالها إلى حد الانفجار المرتقب يعتمد أولاً وأخيراً على القوى السياسية الفاعلة التي تحرك هذه التناقضات وتعمقها ضد النظام الدموي الآيل إلى السقوط وحصره في الزاوية وتوجيه الضربة الشعبية القاضية إليه. وهذا يعني وبجميع المقاييس والشروط المادية بأن الظروف قد نضجت لإنهاء النظام منذ هزيمته الشنيعة من الكويت إلا أنها ويا للمرارة لم تستغل لأسباب واعتبارات غير خافية على أحد.

انكشفت قضايا كثيرة للعلن وأزيح الستار عن المخططات الأمريكية وغير الأمريكية التي تستهدف بلادنا ووحدتها الجيوسياسية والوطنية، ويجري سحق شعبنا منذ حرب الخليج الأولى ولحد الآن.

استعرض مشروع التقرير السياسي المعد للمؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي العراقي جملة كبيرة وهامة من القضايا الوطنية والعربية والدولية والتي ترتبط وبأشكال عديدة بقضيتنا الوطنية، وتصدرت القضية العراقية القضايا الأخرى نظراً لأهميتها المركزية بالنسبة لحزب لازال يناضل منذ 67 عاماً بثبات لا مثيل له في سبيل تأمين الاستقرار وحياة لائقة بشعبنا العراقي الباسل الذي يملك أغنى ثروات العالم إلى جانب ثروته العلمية والثقافية الموغلة في أعماق التاريخ.. شعب هذه إمكانياته وهو الآن يتضور جوعاً.. وإن نضال الحزب الشيوعي العراقي في سبيل الديمقراطية كمفهوم وممارسة هو من سماته وشعاراته الأساسية.

إن المؤتمر السابع المزمع عقده هو مواصلة لمؤتمره السادس الذي انعقد في 1997 لغرض مناقشة المنجزات السياسية خلال الفترة المنصرمة وتقييمها برؤية موضوعية واضحة لغرض تدارك الأخطاء والنواقص وتعميق التوجهات الإيجابية وتطويرها بما يتجاوب مع مستجدات الأحداث والظروف لاسيما وأن النظام الدكتاتوري القائم يقود العراق وشعبنا إلى مهالك جديدة خدمة للمصالح الخارجية وحفاظاً على كرسي العرش.

منذ المؤتمر السادس تفاقمت المشاكل في الوطن وحوصر الشعب بين قطبي الرحى وهو يسحق حتى العظام، حيث المجاعة الحقيقية والأمراض الفتاكة تحصد الأرواح لاسيما الأطفال والأمهات والآباء، وعدم توفر الأدوية إلا لرموز السلطة، وغياب المعالجات الطبية وشل النشاطات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالرغم من زيادة إيرادات النفط التي يكدسها النظام في الحسابات الخاصة.

استعرض التقرير هذه التطورات المفجعة في حياة شعبنا العراقي وتوقف عند محطاتها الرئيسية وسلط الأضواء على مكامنها. تصدى التقرير للمسألة الاقتصادية ومعاناة شعبنا المعيشية والأمنية جاء فيه «تتجلى الأزمة الخانقة بأوضح أشكالها وأشدها خطورة وأذىً في التدهور المتواصل لأحوال الشعب المعيشية» تستحق هذه المسألة بالذات الكشف عن أسبابها ومسببها وثم إيجاد المعالجات الجذرية لها عن طريق دراسات وبحوث مستفيضة، الاقتصادية منها على وجه الخصوص وتحديد آفاق التحولات الاقتصادية بشرط القضاء على النظام الفاشي وإحلال البديل الديمقراطي.

إن المسألة الحاسمة التي يجب أن ترافق التطورات القادمة هي إلغاء جميع القرارات المجحفة التي فرضت على شعبنا من قبل القوى الخارجية بعد هزيمة النظام من الكويت والتي كانت ضمن السيناريوهات الأمريكية، وهي قرارات غير عادلة وغير شرعية تتنافى مع القانون الدولي وحقوق الإنسان حيث فرضت من قبل دولة قوية منتصرة على دولة ضعيفة مهزومة.

ويحق للعراق كدولة ذات سيادة وحسب الشرعية الدولية إلغاء كافة القرارات التي تمس سيادة العراق الوطنية، وهذا ما جرى بعد ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958 حيث ألغت الاتفاقيات والأحلاف العسكرية التي وقعها العهد الملكي تحت ضغوطات استعمارية ومنها حلف بغداد العسكري الاستعماري والنقطة الرابعة واستعادة الأراضي العراقية من هيمنة شركات النفط الاحتكارية العالمية. من الضروري تبني هذه المسألة وجعلها من الشعارات الرئيسية للحزب وتثقيف الجماهير بها.

تصدى التقرير لجوانب هامة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بإسهاب نظراً لأهميتها وآثارها الكارثية التي تهدد وجود شعبنا وتفكيك نسيجه الاجتماعي. ولم يهمل التقرير استعراض تفاصيل الكوارث التي ألمت بشعبنا من تدهور الأوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية والبيئية وهجرة العقول العلمية وثقافة السلطة المرعبة. وخلص التقرير إلى القول «وأسفر ذلك كله عن تصاعد التوتر والاحتقان الاجتماعيين والسياسيين في البلاد وإدامة وتشديد الأزمة الشاملة للنظام ذاته». هذه مؤشرات مادية واضحة تشير إلى توفر الشروط اللازمة لانهيار النظام وسقوطه، إلا أن السقوط لا يتم إذا لم تتوفر العوامل السياسية الداخلية على وجه الخصوص لإسقاطه، وأعني بها توحيد الخطاب السياسي من قبل الأحزاب والقوى الوطنية الفاعلة بما فيها الأحزاب الكردية وقيادة الشعب.

إن التطورات التي تصدى لها الحزب في بنية النظام الدكتاتوري جديرة بالمناقشة الموضوعية وتحديد نتائجها الوخيمة من جهة وتحديد أساليب النضال الفعالة لإفشالها وإسقاط النظام من جهة ثانية. عامل هام تطرق إليه التقرير والذي يسترعي الانتباه هو المقاومة الشعبية ضد النظام والتي تتواصل بالرغم من احترازات النظام المرعبة، جاء في التقرير «وقد شهدت السنوات القليلة الماضية تنامياً ملحوظاً لمزاج تحدي الدكتاتورية، ودعم المكافحين لإطاحتها، وحتى الانخراط في المقاومة بمختلف صورها وبضمنها المسلحة» لا شك أنه تطور ملحوظ وجدير بالاهتمام من الضروري توسيع قاعدته ودعمه مادياً ومعنوياً.

تعرض التقرير إلى مسألة أخرى غاية في الأهمية وهي مسألة كردستان العراق والعلاقة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين والأوضاع السائدة في هذا الجزء من العراق، لا شك أن الحزب بذل ولازال يبذل جهوداً وطنية باهرة في سبيل إعادة السلام والوئام إلى ربوع كردستان بعد توحيد الإدارة الكردية من قبل الحزبين. تمتاز هذه المسألة بأهمية مركزية نظراً للموقع الاستراتيجي الهام لكردستان العراق وارتباطه المصيري بكل العراق.

توسع التقرير في تناوله للسياسات الخارجية تجاه العراق وتعرض لعلاقات النظام بدول العالم وبالأمم المتحدة على وجه الخصوص، وكانت السياسة الأمريكية إزاء العراق من المسائل الهامة التي توقف لديها التقرير، وعرى التقرير السياسة الأمريكية المعادية لطموحات شعبنا ومستقبل وطننا وقال «فالإدارة الأمريكية، ديمقراطية كانت أم جمهورية، تسعى إلى التغيير الفوقي وإلى الحيلولة في الوقت ذاته دون نضوج الحركة الجماهيرية الساعية إلى إزالة الدكتاتورية القائمة. وإن استراتيجيتها الوحيدة هي حماية وتطمين مصالحها الحيوية في المنطقة، وبضمنها تأمين الهيمنة على النفط العراقي وعلى اقتصاد البلاد حاضراً ومستقبلاً».

حدد التقرير أساليب العمل مع المعارضة العراقية، إن أسباب عدم التلاقي أو توحيد الخطاب السياسي واضحة ومعروفة لجميع الأطراف فمن الضروري إزالة الحساسيات والـ(أنا) وتجاوز مشاكل أخرى كثيرة ومعيقة للتآلف بين فصائل المعارضة وخاصة القومية والدينية، وإيجاد القواسم المشتركة مع مراعاة مكونات الفصائل الأخرى وعدم الإملاء عليها وتحاشي استفزاز مشاعرها.

وختاماً، أطرح على المؤتمر بعض الاقتراحات سبق وأن طرحتها في رسالة خاصة سابقة وهي تبديل شعار (يا عمال العالم اتحدوا) بـ(يا جماهير الشعب توحدي) وشرحت في رسالتي تلك الأسباب الموجبة لطرح الشعار المذكور، ولضيق المجال هنا والذي حدد مسبقاً لاعتبارات نشرية ليس بوسعي إعادة الشرح. والاقتراح الآخر هو إحلال شعار الجمهورية العراقية المحبوب والمقبول لدى الشعب لأنه يرمز إلى تاريخ العراق الحضاري القديم وأضيفت إليه عناصر أخرى تعبر عن مكونات الشعب وعن طبقاته الاجتماعية لاسيما العمال والفلاحين(*). وأعتقد جازماً بأن تبني هذين الشعارين يقرب الجماهير من الحزب، والحزب من الجماهير الكادحة.

إن جماهير شعبنا العراقي المسحوقة هي القاعدة الأساسية والثابتة لنضال الحزب الوطني، وهي صاحبة المصلحة الأساسية في الخلاص من النظام الفاشي والتواقة إلى حياة ديمقراطية فاعلة كمفهوم وممارسة.

كنت أود الإسهاب في طرح قضايا أخرى ساخنة إلا أن ظروف النشر تحد من استعراض أو مناقشة تفاصيل أخرى، وما علي إلا الالتزام.

أرجو لكم مخلصاً النجاح التام في مؤتمركم الوطني السابع وانبثاق قيادة شابة تتفاعل مع المستجدات، وأملنا كبير في أنكم بصدد نقلة نوعية جذرية للنضال الوطني من أجل الخلاص وانتشال الشعب من الكوارث الحالية والقادمة، ومن أجل الديمقراطية الحقة وحياة آمنة، كي ينعقد مؤتمركم الثامن في بغداد.

 

(*) بدلاً عن الشعار الحالي (المطرقة والمنجل).