المسرح
العراقي
المعقول..
واللامعقول!!؟
علي
فوزي*
يحتفل
العالم سنوياً
في 27 آذار باليوم
العالمي للمسرح.
وقد جرت العادة
أن يكلف فنان أو
أديب أو عالِم،
تختاره منظمة اليونسكو
التابعة للأمم
المتحدة التي ترعى
هذا التقليد الجميل
سنوياً، ليقوم
بتوجيه رسالة تحية
وبكل حرية، لكل
العاملين في المسرح
في كافة أنحاء
العالم، حيث تتم
قراءتها من قبل
فنان مسرحي في
كل بلد وفي احتفال
عام يكرم فيه العديد
من المبدعين في
ذلك البلد من العاملين
في الحقل المسرحي،
فيما تفتح أبواب
المسارح للجمهور
مجاناً في ذلك
اليوم، في طقس
مسرحي جميل وشفاف
يتبادل فيه الجميع
التهاني بهذا اليوم
المعرفي، مثمنين
دور وأهمية المسرح
وكل حلقاته من
العاملين وصولاً
للجمهور المسرحي
العاشق لكل فن
جميل. ونذكر باعتزاز
أن مبدعنا العربي،
الكاتب المسرحي
الراحل (سعد الله
ونوس) كان من بين
هؤلاء الذين وجهوا
تلك الرسالة، اعترافاً
من العالم بالمبدع
العربي، الملتزم
بقضايا شعبه وأمته
والإنسانية جمعاء.
ونحن
هنا في منافينا
الواسعة، سعة الأفق
والروح الخلاقة،
المتفجرة بالإبداع،
نتذكر وطننا ومبدعينا
في الداخل، المتواصل
مع الخارج، والعكس
صحيح أيضاً، نتذكر
كيف استطعنا كمسرحيين
ملتزمين بالقيم
والأخلاق والتراث
العراقي العظيم،
وبعد النكسة الدموية
في (8) شباط الأسود
عام 1963 والذي من ضمن
قرارات زمرته الفاشية
وبعد قرارهم الدموي
البشع رقم (13) المعروف،
أنهم أصدروا قرارهم
رقم (14) الذي ألغى
كافة الفرق المسرحية
ومصادرة أموالها
ونهب مقراتها واعتقال
وتعذيب أعضائها،
فكانت صفوة منهم
رهن ذلك الاعتقال
الوحشي والنفسي
الذي كشف عداءهم
لكل ما هو جميل
وكل ما هو ثقافي
وإبداعي في وطننا.
بعد
تلك النكسة الرهيبة،
وحين مُنحنا هامشاً
بسيطاً من الحرية
عام 1964، استطعنا
أن نؤسس وبكل مثابرة
وبدعم كل القوى
السياسية ورواد
حركتنا المسرحية،
أن نؤسس فرقنا
الأهلية والمركز
العراقي للمسرح
الذي مد أشعته
البنفسجية نحو
المركز العالمي
للمسرح، ليصبح
عضواً فاعلاً فيه
وكذلك مع المراكز
العربية للمسرح.
وهنا أذكر بكل
تقدير وللتاريخ
دور الفنان والموثّق
المسرحي الراحل
الزميل (أحمد فياض
المفرجي) في تأسيس
(المركز العراقي
للمسرح)، والذي
مُثِّلت فيه كل
فرقة أهلية بمندوب
للتنسيق، وقد أُتبع
بالمؤسسة العامة
للسينما والمسرح
وأصبح قسماً مستقلاً
له كيانه المعنوي
داخلها، وحيث لعب
زميلنا المفرجي
الراحل الدور الكبير
في توثيق تاريخ
حركتنا المسرحية
وإصدار نشرة عن
المركز ثم طورها
إلى ما يشبه «المجلة»
لنشر المعرفة المسرحية
وأخبار ونشاطات
الإنتاج المسرحي
ويوميات العمل
والتجربة، كما
أنه قام بنشر عدة
كتب عن تاريخ المسرح
العراقي والعاملين
فيه، وكراسات عن
روادنا الأوائل
وتاريخهم ونشاطهم
وعملهم المسرحي
والأكاديمي، هذا
إضافة للتهيئة
سنوياً لليوم العالمي
للمسرح في العراق
وكل ما يتعلق بالإنتاج
والعروض والتكريم
وبتنسيق مع كل
الفرق المسرحية
والفرقة القومية،
رغم تدخلات بعض
السلطويين المشاكسة
والمعارضة لهذا
الرافد الهام للحركة
المسرحية العراقية
الأصيلة، ولحين
تسلط الزمرة الصدامية
على الحكم عام
1968 ومجيء ممثلهم
(الصحاف) ليصبح
المسؤول الأول
عن الإذاعة والتلفزيون،
ثم ليمد سيطرته
على السينما والمسرح،
فيصبح المدير العام،
ليبدأ بمحاربة
كل الأنشطة الفنية،
خاصة المسرحية
منها، وليفصل ويُبعد
ويُهين رواد حركتنا
الفنية وبأساليبه
القذرة التي تربّى
عليها في (أوكار)
زمرته الصدامية،
بل وليحارب حتى
بعضاً من البعثيين
المسرحيين الذين
رفضوا سلوكه وأساليبه
اللاأخلاقية وعنجهيته
المفرطة والتعالي
بلا حق على الآخرين
لأنهم أثقف منه.
ورغم
ذلك، كانت فترة
الستينات ونهاية
السبعينات، سنوات
نهوض وإبداع مسرحي
متنوع ومتميز وعلى
كل الصعد والفرق
العاملة، سجلته
حركتنا المسرحية
العراقية، نشاطاً
وأعمالاً متواصلة،
وبما في ذلك المشاركات
في مهرجانات المسرح
العربي.
لقد
نشطت الفرق المسرحية
الأهلية ذات التاريخ
الأصيل، بشكل ملفت
للنظر رغم الرقابة
الأمنية (للعصابة)
الحاكمة عبر أجهزتها
القمعية المختلفة
وعبر مندوبهم
(صحاف الفضائح)
حيث قاموا بتخطيط
(سري) لتشويه وتحجيم
وتجميد ذلك النشاط
الإبداعي، حتى
بلغ ذروته في اغتصاب
(صدامهم) السلطة
عام 1979، بعد حرب متنوعة
ومدروسة ومتعددة
الاتجاهات ضد القوى
السياسية الوطنية
والتي استطاعت
ورغم (خراب البصرة)
أن تُوجه فنانيها
ومبدعيها للهجرة
خارج الوطن بشكل
مؤقت حفاظاً على
الإبداع، إلا أن
الطوفان الصدامي
القمعي والإرهابي
لم يدع لها خياراً
غير العمل السري
وثم هجرتها هي
أيضاً!. ومنذ ذلك
التاريخ الأسود
وحتى اليوم، ازدادت
هجرة مبدعينا بحيث
أننا نستطيع القول
الآن إن هناك ما
يقرب من الألف
فنان مسرحي وسينمائي
وتشكيلي وموسيقي
يعيشون في المنافي
العالمية، ناهيك
عن الأدباء، بعيداً
عن الوطن الذي
أحبوه وعشقوا حركته
الفنية بكل اختصاصاتها،
يعانون بقسوة ويصمدون
باعتزاز أمام صعوبات
المنفى القاسية،
إلا أنهم استطاعوا،
ورغم المنافي،
أن يواصلوا عملهم
الفني وخاصة الفن
المسرحي الخلاق.
فأسسوا الفرق المسرحية
العراقية والتجمعات
في بلدان اللجوء
العربية والأوربية،
(أكثر من عشرين
فرقة وتجمع) وتفاعلوا
مع مسارح بلدان
اللجوء ليقدم بعضهم
مسرحياته بلغة
البلد الذي يعيش
فيه ويعمل مع فنانيه
بكل جد وإخلاص
وإبداع، وليحقق
بعضهم الفوز في
مجال اختصاصه المسرحي
ويحصل وبجدارة
على جوائز عربية
وأوربية، بل أصبح
بعض مخرجينا المسرحيين
علامة مميزة في
المسرح العربي
أمثال المبدع
(جواد الأسدي) على
سبيل المثال.
ويسأل
سائل ماذا حل بمسرحنا
في الوطن؟! فنقول:
المسرح لا يزدهر
إلا في فضاء الحرية..
فهل في وطننا حرية؟!!
واختصاراً للجواب
نذكر لكم هنا قسماً
مما قاله بعض من
فنانينا الصامدين
والصامتين بكرامة
داخل الوطن المبتلى
أو ممن غادر لاحقاً،
ولكم أن تقدروا
النتائج الكارثية
التي حلت بمسرح
الشعب والوطن،
وبعضهم من المحسوبين
على النظام:
*
الفنان الرائد،
أستاذنا الكبير
والجليل جعفر السعدي،
أحد أعمدة حركتنا
المسرحية العراقية
ومسيرتها الإبداعية
الريادية منذ الأربعينات
يتبرأ من مسرح
السلطة الغاشمة
اليوم حيث صرح
مؤخراً وبالحرف
الواحد: «لا علاقة
لي بمسرح اليوم،
وأنا أرفض أن أشاهده»!
*
أما الناقد المسرحي
المعروف (حسب الله
يحيى) فصرح لمجلة
النظام (ألف باء)
مؤخراً هذا العام
حيث قال: «نبهنا
إلى ما يمكن أن
يقود الاستسهال
والعابر على خشبة
المسرح من مضار
جسيمة، وحصل ما
حصل بحيث غدت أكثر
من عشر قاعات للمسرح
تقدم عروضها على
نحو مستهلك، لا
يرمي إلى أبسط
قواعد المشاهدة
الممتعة والمفيدة
وبات من السهل
إنتاج عرض مسرحي
خلال يومين لا
ثالث لهما»!!
*
ممثلة السلطة
(سعدية الزيدي)
ومهرجته وشاعرته
بمسيرات «البيعة»
المقيتة تقول اليوم
لصحفهم نفسها عن
مسرح اليوم في
العراق: «الفن أصبح
تجارة وليس رسالة
إنسانية وغادرت
المسرح لأنه يعيش
أزمة خانقة».
*
أما الفنان (وجدي
العاني) من رواد
الجيل الثالث المسرحي،
فيقول: «إن هذه المسارح
التي يقال عنها
إنها تجارية، لا
تقدم في كثير من
الأحيان سوى ما
يفسد الذوق ويحول
المتعة الراقية
للذهن والوجدان
إلى متعة فجة تتعامل
مع أحط الغرائز
وتلغي العقل والإحساس»!
*
وتصف المسرح الآن،
فنانة شابة غادرت
الوطن مؤخراً فتقول:
«لقد وصلته يد التخريب
ممثلة بالمسرح
التجاري الرخيص
ودخول ما يسمى
بالغجريات في معظم
الأعمال التجارية،
وهكذا عشنا ظهور
أسماء كثيرة مثل
«ملايين وغزلان
وأخريات.. ويمه
نِتَلْني الأوتي»!
*
أما الفنان كريم
عواد، من رواد
الجيل الثالث المسرحي
أيضاً والمحسوب
على البعثيين أنفسهم،
فيقول: «المسرح
العراقي اليوم
أشبه بملاهي بغداد
الفاضحة، وأنا
ليس لي علاقة بهكذا
مسرح»!!
*
مدير الفرقة القومية،
أي فرقة النظام
يقول: «المسرح الحالي
هو تلوث ثقافي»!
*
مدير المسارح
(صادق علي شاهين)
أي مدير مسارح
النظام نفسه، وهو
فنان إذاعي بارز
سابقاً يقول: «نعم
يوجد إسفاف في
المسرح ولم أجد
ضوابط فيه»!
*
الفنان (غازي الكناني)
المهاجر مؤخراً
إلى عمان يقول:
«إن الدكتاتورية
تكرس إبداع الفنان
لخدمة حروبه المفتعلة،
مما أدى إلى تدهور
الحركة الفنية
والمسرحية الجادة
خاصة، ومنح قيادتها
إلى تجار (الخردة)
لأنها مرتبطة به
كلياً»!
*
الممثلة (سهام
السبتي) زوجة (الحاج
راضي) في مسلسل
(تحت موس الحلاقة)
المعروف سابقاً
والمهاجرة إلى
عمان أيضاً تقول:
«ضياع المفاهيم
واختلاطها في ظل
نظام أمي مع سيادة
المسرح التجاري
الهابط هو سمة
المرحلة هناك»!!
*
وأخيراً يقول الرائد
المسرحي (يوسف
العاني) الفنان
الكبير ـ سابقاً
ـ ومندوب النظام
الدائم في المهرجانات
المسرحية والسينمائية،
العربية والعالمية
ـ حالياً ـ ومع
الأسف الشديد:
«رواد المسرح اليوم/
الجمهور/ هم أنفسهم
رواد الملاهي،
يأتي ثملاً لكي
يمتع نفسه برقصة
مثيرة لجسد يتلوى
على المسرح!!».. وهذه
مهزلة المهازل!!
فهل
من مزيد؟!
هذه
النماذج القليلة،
لكنها الفاضحة
لمسرح ملوث في
العراق/ عراق صدام
ونظامه «العقربي»
السام، وليس للمسرح
العراقي ذي الأصالة
والتجريب الإبداعي
والتوعية والمتعة
الحقيقية التي
تتلبس أرواح جمهورنا
العاشق لكل ما
هو جميل وأصيل،
مسرح كان ملتصقاً
بالشعب وهمومه
وتطلعاته وآماله،
وها هو اليوم يقع
فريسة سهلة بأيدي
أجهزة القمع والمخابرات
والأمن والرقص
السادي المقصود،
والتلميحات اللاأخلاقية
والبعيدة عن أخلاقيات
مسرحنا وشعبنا
الطيب ووطننا العريق
وقيمه ومثله وتراثه..
ومع
هذا.. فنحن نعاند
وبإصرار الأمل
القادم، نصابر
ونصبر، نكابر بعزة
وكرامة وكبرياء
من أجل مسرح إبداعي
عراقي أصيل، لن
ولن يتحقق مادامت
سلطة العقارب والثعابين
السامة تنفث فحيحها
المقيت والحاقد
والقاتل لكل ما
هو جميل وأصيل
في وادي الرافدين.
نعم نحن نعاند
الزمن الصعب نحو
زمن أجمل وأروع
لوطننا ولشعبنا
الطيب، مع تحياتنا
لكل الرواد المسرحيين
والشباب ذوي الإبداعات
المتواصلة من جيل
إلى جيل.