في حضرة رحيل
أستاذي السامرّائي
محمد حسين
الأعرجي
كنت
قد قلتُ ذات يوم
إنّني كنت محظوظاً
في دراستي الجامعية
بجامعة بغداد،
وأظنّ أنّ قولي
ما يزال في محلّه؛
فقد تلمذتُ في
دراستي على علماء
أعلام قلّما يجود
الزمانُ بأمثالهم.
فمن هؤلاء
الأعلام: الدكتور
الطاهر، والدكتور
المخزومي، والدكتور
صلاح خالص، والدكتور
إبراهيم السامرائي،
والدكتور باقر
عبد الغني، وسواهم.
وتعمّدتُ
أن أذكر هذه الكوكبة
من أساتذتي دون
سواهم؛ لأنّهم
جميعاً من خرّيجي
جامعة السوربون
الفرنسية قبل أن
تُقسَّم إلى «سوربانات»
لم يعُد لشهاداتها
من الوزن ما كان
لشهادة السوربون.
أ. د. إبراهيم
السامرائي
ومقدّمتي
هذه تحتاج إلى
تفصيلات فدعني
أفصلها فأقول:
أما أنّه
لم يعُد لشهادات
هذه «السوربانات»
من وزن فهو من حديث
الصديق المستعرب
الأستاذ ميشيل
باربو وليس من
حديثي، وما زلت
أتذكّر أنّني التقيت
به في الجزائر
ـ وكان ذلك في عام
1984 ـ فسألتُه عن وضع
جامعة السوربون،
وما آل إليه حالها
فأجاب ضاحكاً مُستهزئاً:
صرنا أمريكيّين
في عهد اشتراكيّة
ميتران.
وكان يعني
بذلك تقسيم السوربون
إلى «جامعات»، وكان
يعني بذلك تنازلها
عن شهادة دكتوراه
الدولة إلى شهادة
دكتوراه الفلسفة
الأمريكيّة (Ph.d.)، وضحكنا
من المفارقة، وانتهت
الحال.
وحمّلني
باربو في نهاية
اللقاء أن أُبلِّغ
تحياته إلى أستاذي
الجليل الدكتور
إبراهيم السامرّائي،
فوعدتُ مجاملاً
على نيّة خُلفٍ.
وقلتُ لنفسي
وأنا أعده بإبلاغ
التحيّة: أين أنا
من السامرائي،
وأين هو منّي؟
وتذكرت قول عمر
بن أبي ربيعة:
|
عَمْرَك
الله كيف يلتقيان؟ |
|
أيّها المُنكح
الثريّا سُهيلاً |
|
وسهيلٌ
إذا استهلّ يماني |
|
هي نجديّةٌ
إذا ما استهلّتْ |
وردّدتُ
القول فيما بيني
وبين نفسي لسببين
أوّلهما:
ما
كان أنهاه إلي
الدكتور الطاهر
ـ في رسالة
ـ من أنّه هو والمخزومي
قد أُحيلا على
التقاعد، وأنَّ
الدكتور السامرائي
قد طلب التقاعد
بنفسه زهداً بما
آلت إليه الجامعة
بعدهما. مما يعني
أنّني لا أستطيع
مكاتبتَه على عنوانه
في الكليّة، أو
على عنوان داره؛
لأنّني لا أعرفه.
وثانيهما
ما كان نشب بيني
وبين أستاذي السامرائي
من خلاف عزوتُه
ـ وأنا ظالمٌ ـ
لأسباب طائفية.
ولا
أعرف أيّة لعنةٍ
أصبّها على الحبيب
الدكتور غانم حمدون
الذي يكلّفني أن
أتحدّث عن نفسي،
وإن كان حديثي
عنها ـ كما أرجو
ـ تأريخاً
لا ازدهاءً.
وأقول:
كنتُ تخرّجتُ في
جامعة بغداد بمرتبة
الأول على دفعة
في شهر حزيران
سنة:1971، ثمّ حصلتُ
على شهادة الماجستير
يوم: 9/6/1973وكان رئيس
قسم اللغة العربية
يومئذٍ في كلية
الآداب من الجامعة
أستاذي العلاّمة
الدكتور مهدي المخزومي
فطلب منّي ونحن
في حمارّة القيظ
أن أتقدّم بطلب
إلى جامعة بغداد
أرجو فيه أن أُعيَّن
معيداً في كلية
الآداب، ففعلتُ
بعد مماطلة منّي
لا منه، فقد كنتُ
أبلغ من سوء الظنّ
بالجامعة أنّه
لا يمكن أن تُعيّن
من هو مثلي مبلغاً
رأيت معه في كتابة
الطلب مضيعة للوقت،
ولهاثاً وراء سراب.
وكان
يزيد من سوء ظنّي
أنّ الجامعة قد
قدّمت في حفل التخرّج
بعد أن أنهينا
مرحلة البكالوريوس
اسم زميلي ناجي
صبري الحديثي
(وزير الدولة للشؤون
الخارجية الآن)
على اسمي زوراً،
فزعمت أنّه هو
الأوّل على الدفعة
لا أنا.
ومع
هذا فقد عُيّنتُ
معيداً في كليّة
الآداب، ووافاني
كتاب التعيين يوم
25/4/1973.
وكان
الدكتور السامرّائي
قد عُيِّن رئيساً
لقسم اللغة العربية
خلفاً للمخزومي
قبل أيّام من ذلك
التأريخ.
وجئتُ
إلى الدكتور السامرائي،
وأنا في سكر الشباب،
ليسجّل مباشرتي
الوظيفةَ كما تُسجَّل
مباشرة أيِّ موظَّف
في الدولة العراقية؛
فهالني منه أن
أخذ الكتاب ووضعه
في دُرج مكتبه
فسألتُه عن تصرّفه
ما معناه؟ فقال
لي:
انتظر.
وانتظرتُ
ستّة أشهر دون
جدوى، وقلّبتُ
الأمرَ على وجوهِه
فلم أجد سبباً
معقولاً لتصرّفه.
وزاد
من غرابة الأمر
عندي أنّ اللذين
عُيّنا اثنان أحدهما
متخصِّصٌ في اللغة
هو الزميل محمد
حسين آل ياسين،
والثاني متخصِّصٌ
في الأدب وهو كاتب
هذه السطور. وإذ
اتفّق أن يكون
آل ياسين، وأنا
شيعيين خيِّل لي
أنّ وجه الغرابة
قد كشف عن نفسه؛
فبدأتُ أُشهّر
بطائفيّة السامرائي
ما شاءت لي ظنوني،
فكان من تشهيري
أن تكدّرت علاقتُه
بالجواهري، وبالطاهر،
وبالمخزومي، وصلاح
خالص وبكلّ من
بلغت مسامعَه تلك
المسألة.
ودخلتُ
ذات يوم إلى اتّحاد
الأدباء فوجدتُ
الفقيد الدكتور
هاشم الطعّان على
مائدةٍ استدعاني
إليها ـ والسامرائي
هو من أشرف على
رسالة الطعّان
في الماجستير ـ
فنعى عليَّ ما
أقول بحق السامرائي؛
فلم أرتدع، فسارّني
أن الدكتور السامرّائي
كان قد ادّخر هذين
المنصبين من مناصب
التعيين ـ وهما
في الحق منصبان
لا ثالث لهما ـ
في الآداب له،
ولصديقي الفقيد
الدكتور عبد اللطيف
الراوي.
ولم
يكن ليقنعني كلُّ
هذا إلاّ مجاملة
ورياءً، فالذي
يستطيع أن يحصل
على منصبين يستطيع
أن يحصل على ثالث،
ثم لماذا أكون
أنا لا سواي كبشاً
في عيد أضحى العزيزين
الراوي، والطعّان؟
وظلّ
في قلبي ضِغنٌ
على أستاذي أبي
أريج السامرائي،
وكان كأنّه يعلم
بهذا الضِّغن،
ولكنّنا إذ تساوينا
في الحال فلم يعد
هو رئيسي، ولا
أنا مرؤوسه فوجئت
بخُلق عراقي أصيل
هو خلق الدكتور
السامرّائي.
وكانت
الأخبار تقول:
إنّ السامرّائي
في اليمن، وإنّه
يدرِّس في جامعة
صنعاء وأدويتُه
إلى جَنبه، وكانت
هذه الأخبار مبعث
راحة لي؛ إذ وجد
الرجل ضالّته في
أن يُشيع علمه،
وأن يجد ما يسدّ
به حاجته.
ولكن
بقي ضِغن التلميذ
على أستاذه كما
هو، لم يتغيّر.
وإن كان قد لطّفت
منه سنون الغربة،
والعمل في جامعة
الجزائر.
وانتقل
أبو أريج على غير
إرادة منه من جامعة
صنعاء إلى الأردن،
ففوجيء التلميذ
ذات يوم برسالة
منه تقول:
«مجمع
اللغة العربية
الأردني
ص.
ب: 13268
عمّان
ـ الأردن
أخي...
الأعرجي
تحية
طيبة وبعد،
فقد
لقيتُك بعد سنين
طويلة في مجلة
«المدى»، وما أظنّك
استوفيت ما كان
لك مع أبي فرات
رحمه الله(1).
ولقيتك
ثانية في مجلة
«العرب» في تعقيباتك
المفيدة(2)،
وفي شِعر كان فيه
ألم.
وأقول:
لعلّك أنت وكثير[اً]
من أصحابنا العراقيين
في الغرب أسعد
حالاً منا في بلدان
الأشقّاء(3). ألا تعلم
أنّي لا أحصل على
الإقامة السنويّة
إلاّ بالشفاعات
الكثيرة، وبذل
المال، وأنا لا
أملك أيَّ عمل،
وقد قلتُ فيما
قلتُ:
|
ورَوِيتَ
من «وادي العقيقِ» |
|
إنْ كنتَ
في «بلدٍ شقيق» |
|
فلأنتَ
أضيعُ من تكونُ
وأنت في «البلد
الشقيق» |
||
أخي
محمد حسين، لقد
سُعِدتُ بلقائك
عن بعد،
مع
الشكر.
إبراهيم
السامرّائي
15/2/1999»
وفوجئت
بالرسالة مفاجأتين
أولاهما ـ وهي
هيّنة ـ أن كيف
اهتدى أبو أريج
إلى عنواني؟ وثانيتهما
أنّني لم أكتف
بما سردتُ من أمري،
وأمره؛ وإنّما
زدت على ذلك أن
نشرت مقالة في
مجلة مجمع اللغة
العربية بدمشق
في الجزء الأول
من المجلد السادس
والستين عام: 1990 تحت
عنوان: «الآلة والأداة
للرصافي ومستدرك
السامرائي» وقع
في اثنتين وعشرين
صفحة. أقول نشرتُ
مقالةً
خلاصتها أنّني
أتّهمه بالعجلة
فيما استدرك على
الشاعر معروف الرصافي
في معجمه: «الآلة
والأداة»، وزبدتُها
أنَّ الرصافيّ
نفسه كان قد ذكر
الموادَّ التي
استدركها عليه
أستاذي السامرّائي
فما معنى استدراكها؟
ومقالةٌ
كهذه تُنشر في
مجلّة علمية متخصّصة
من شأنها أن تغضب
السامرّائي، وأن
تُغضب سواه إذا
كان مقصوداً بها.
ولكنّه لم يكن
من عامّة المثقّفين،
وإنّما كان أبو
أريج عالماً، وعالماً
جليلاً، ينشد الحقيقة
قبل أن ينشد سواها.
وكان أبو
أريج يحنو على
تلاميذه حنوّ الأب
على ولده.
ومن
هذا الحنوّ أن
لم يكن في تعامله
مع طلاّب علمه
أستاذاً، وإنّما
كان أخاً كبيراً
يحنو على إخوته
الصغار، أو أباً
غير مُتسلّط يرعى
أولادَه.
ومن
هنا لم يكن من الغريب
علينا أن يدعونا
الأستاذ الدكتور
السامرّائي، ونحن
في المرحلة التحضيرية
للحصول على شهادة
الماجستير: 1971ـ1972، إلى بيته
مرَّة بعد مَرَّةٍ يُجاذبنا
أطراف الحديث،
ويُعلّمنا التواضع.
ولم
تكن أحاديثه في
البيت لتقتصر على
العِلم، وإنّما
كان فيها شيءٌ
كثيرٌ من الشؤون
الثقافية العامّة،
وشؤون البلد على
الرغم أن بيننا
ـ وكنّا عشرة طلاب
ـ بعثيّين عُتاة.
وكان
إذ يتحدّث يُحسن
التلميح دون التصريح.
وكانت
الغصة التي تحوك
في صدره تحوك حين
يتحدّث عن المجمع
العلمي العراقي،
فقد كان يرى ـ وهو
مُصيبٌ مُهتَضمٌ
ـ أنّه أحقّ بعضوية
المجمع من طائفةٍ
من أعضائه، ولكنه
لم يكن يُصرِّح
بهذا، فإن صرَّح
فلا أكثر من لازمته
التي لم تفارقه
يوماً ما:
ـ
إي، نعم ايَه. ثم
يُردف اللازمة
بقوله:
ما
دخلت السياسة في
شيء من العِلم
إلاّ أفسدتْه.
وكانت
للسامرّائي طريقة
في التدريس لا
يكاد يبرحها؛ فقد
تلمذت له في مرحلتين
دراسيّتين هما
مرحلتا البكالوريوس،
والماجستير، فما
رأيتها اختلفت.
وتلمذتُ
له في أكثر من مادّة
دراسية فما رأيتها
قد اختلفت أيضاً؛
ممّا جعلني أظنّ
ظنّاً يقرب من
اليقين أنّها طريقةٌ
ارتضاها لنفسه،
وأنّه لمس نجاحها.
ولمسنا
نحن تلاميذَه انتفاعنا
بها.
وكان
غاية ما يريده
من طريقته ـ فيما
أحسب ـ أمران،
أوّلهما: ألاّ
يتسرّب المللُ
إلى نفس الطالب،
وثانيهما استثارة
فكر الطلبة، والإصغاء
إلى ما يبديه هذا
الطالب، أو ذاك،
أو تلك من رأي.
فأمّا
دفع الملل عن نفس
الطالب فكان يكون
أنّ أبا أريج لا
يتحدّث في المحاضرة
الواحدة أكثر من
نصف ساعة يفتح
بعدها الباب للطلبة
يُعلّقون، ويقولون؛
فإن أعجبته ملاحظةٌ
من ملاحظاتهم ـ
وكان من عادته
ألاّ يجلس على
منصة المحاضرة،
وإنّما يذرع غرفة
المحاضرة جيئةً
وذَهاباً ـ أقول:
فإن أعجبته ملاحظةٌ
من ملاحظاتهم وقف
أمام صاحب الملاحظة
وجهاً لوجه مُنحنياً
ليقول له:
ـ
إي، نعمْ، ايْه،
أنت (وقد يستعمل
أحياناً: (هذا) بدل:
(أنت) رجلٌ فاضل،
إي نعمْ ايْه.
ثمّ
يُفيض في فضل ما
ذكره الطالب أو
الطالبة فتكون
هذه الإفاضة حاشيةً
قيّمةً على المحاضرة.
وتكون كأنّها إطارٌ
جميلٌ للوحةٍ رائعة
تشتبك فيها الظلال
والألوان ويُصافح
فيها ابنُ جنّي
جماعة براغ، وأبو
علي الفارسيّ دي
سوسير.
وأشهد
أنّنا ونحن نواجه
السامرّائي أوّل
مرَّة كنّا نظنُّ
فيه الكسلَ، ولكنّنا
بعد إذ ألِفنا
أسلوبه أدركنا
ما نحنُ فيه من
نعمة.
ومن
هذه الطريقة التي
اختطَّها أبو أريج
لنفسه في التدريس
أنّه لم يكن يُعنى
بورقة امتحان طلبته
النابهين كثيراً؛
لسبب يسيرٍ هو
أنّه يكون قد قدَّر
لهم مستوياتهم
العلميَّة في الامتحان
من يوم قال لهذا
أو ذاك منهم:
ـ
إي، نعم، ايْه،
أنت رجلٌ فاضلٌ،
ومن يوم أن كرَّرها
مرَّتين أو ثلاثاً.
والسامرّائي
فنّان، ولعلّ كثيراً
من الناس لا يعرفون
أنّ «الأبوذية»
العراقية تحتل
من نفسه مكاناً
خاصّاً، وإنّه
ليطرب للصوت الرخيم
كما تطرب الإبل
لصوت الحادي.
ولعلّ كثيراً
من الناس لا يعرفون
أيضاً أنّه كان
هو نفسه من ذوي
الأصوات الرخيمة
حين يُدندن بيتاً
من «الأبوذيّة»
مع نفسه. أمّا زملاؤه
في باريس فيحدّثونك
عمّا أمتع به ليالي
غربتهم بهذا الصوت
الرخيم، وعمّا
أثار به أشواقهم.
وقد
كنتُ سمعتُ هذا
من أستاذيَّ الجليليْن:
الطاهر، وصلاح
خالص.
وندَّ منّي ذات يوم سؤال له لا يكاد يكون سؤالاً إلاّ من بعيدٍ بعيد، فالتفّ على السؤال وبدأ يُحدّثني عن فرحه حين يزور