سيبقى الشاعر

كاظم الركابي

حياً في الذاكرة

 

 

في ظهيرة يوم 28/4/2001 رنّ جرس الهاتف فسارعت بالرد على المتكلم وإذا به الصديق الشاعر (عزيز السماوي) يبكي ويقول بصوت متهدج (كاظم الركابي.. مات)!

عندها ارتسم أمامي شريط من الذكريات التي جمعتني بكاظم الركابي، بين الناصرية وبغداد.

كنت لا أريد أن أصدق هذا الخبر، رغم أنه وصلني من مصدر موثوق. تلفنت إلى الصديق (رياض النعماني) فوجدته منكسراً تماماً، فأذعنت للكارثة التي هي موت شاعر وإنسان أفنى كل حياته بحب الناس:

اضحكلي بشفاف الشمسْ.. اضحكلك ابسن منجلي

اضحكلي بشفاف الكُمَرْ.. اضحكلك ابحَز منجلي

ولو ثلموا المنجل ثلم.. السنبل يثور المنجله

ولو دفنوا السنبل دفن.. كل حبّه تحبل سنبله

وللي سِكه ابدمّه المرز.. تصبّح سنابلنه خبز

ومن تمضغ الدنيه الخبز.. دمنه يهل ابكل وجه

ودمنه وفي.. اربات الملح.. ينزرع وردَه ابكل كَلُبْ

ومنهو اليشح عن وردته انزيف الجرح..؟

من أين أبدأ بالكتابة عنك..؟ هل أبدأ بوصف قامتك الفارعة كعمود النور.. أم صوتك الفحل.. أم أحاديثك الشيقة.. أم قصائدك الرقيقة كرقة روحك.. أم عشقك العظيم للضوء والزهور ومحاربة الظلام..؟ (شمعه اترف.. وكل الظلمه ابوجه الشمعه.. اف.. اف).

هل تذكر (جمعية رعاية الفنون والآداب) في الناصرية..؟ التي ضمت خيرة الشباب الواعي والتي كنت أنت عمودها الفقري.. حيث الأماسي الأدبية التي تقام على مسرح بهو الإدارة المحلية.. وإعدادية الشطرة.. ونادي الموظفين. لقد كنت تدير تلك الأماسي بجدارة فائقة متغنياً بآخر ما يكتبه الشاعر (مظفر النواب) في الوقت الذي لا يجرؤ أي أحد في تلك الأيام العصيبة على ذكر اسم مظفر النواب.

حقاً كنت يسارياً وشجاعاً كما كان (أبو ذر الغفاري) رغم كل الممارسات الشوفينية لمحاربة الثقافة والفنون. علماً بأنك لم ترتبط بأي حزب أو تنظيم (شفت كلبي ايودي دمّه اعله اليسار.. وما يودي اعله اليمين..).

في عام 1979 أي في عنفوان حملة التبعيث السيئة الصيت.. ورغم خطورة الموقف.. كنت تزورنا في المكان الذي نختفي فيه عن أعين الجلادين علماً بأننا لم نكن طرفاً سياسياً آنذاك، ولكننا كنا نرفض أن نكون ممن يرقصون أمام الجلاد.. كالقرود.

في أيام خطوبتك لـ(أم رشا) وعند عودتك من الناصرية إلى بغداد.. شاهدتك وأنت ترقص طرباً.. فسألتك عن السبب، عندها أجبت وأنت تبتسم (خطيبتي.. من تحلف للبنات تكول.. وْداعةْ كاظم..) وفي أحد الأيام رأيتك وفي يدك صورة لرشا وكان عمرها لا يتجاوز الشهرين وقلت لي (شوف بنتي كلشي بيها امدوّر).

هل تذكر.. يا أبا (رشا) عندما كنت تلقي قصيدة (المناجل) في مدرسة إعدادية الشطرة وكان معنا الشاعر مجيد جاسم الخيون ورحيم الغالبي وفائق عبد سعدون وعدنان شلاش وعلي محسن الصفار ونعيم العصفوري. حيث توقفت في منتصف القصيدة مردداً كلمة (يا يبه.. يا يبه.. يا يبه) ونسيتَ الباقي. فصرختُ أنا من مكاني كالمذعور: «يا بو المحاجي البيض.. يلما حسبت هيجي اشوفك» وبعد أن أكملت إلقاء قصيدتك توجهت نحوي وأنت مسرور وقلت لي (ولك يمته حفظتها.. انه قاريها الك بس مره).

لقد علمتني يا (كاظم) كيف أنصب شباكي لأصطاد المفردة الجميلة الهادفة. لأصنع منها صوراً ذات دلالات إنسانية:

لولي على مسعدك ابكول الذي ايريحه

وشرّع ارموشك هله للمعتني ابجرحه

اجرحني.. يمن عتبه الك جرح المحب فرحه

والليل موش ايْحَصْد ليله.. ايْحَصِدْ صُبحَه

والحصو موش ايحَصِدْ روحَه.. ايْحَصدْ جَدْحَه

والبحر موش ايحصد روجه.. ايحَصِدْ مِلحَه

والملح.. عز ريتك يلبيدك الرحه

نم قرير العين يا أبا (رشا) لأنك عشت نظيفاً ورحلت نظيفاً. والخزي والعار لمن باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان.. وداعاً أيها العزيز الذي لا ننساه أبداً.

سامي عبد المنعم ـ ألمانيا