لا مثلما (مالك بن الريب):

عزيز السماوي رثى نفسه

قبل موته بأكثر من خمسة وثلاثين عاماً!

 

بلَغَني ـ بلَغَنا ـ أن الشاعر الشعبي العراقي «المُرّ» عزيز السماوي غادر عالمنا في فجاءةٍ نتوقعها.. ولكن الموت يظل مُرّاً وأليفاً، وعزيز ـ كما قلتُ ـ شاعر «مُرٌّ» وهو «أليفٌ» أيضاً.. مُرٌّ وأليف كالموتِ المُرِّ المتوقع والمفاجئ.. شاعر عاصفٌ وحرير.. محتقنٌ ورضيّ.. هاجرٌ وحنون.. صافف كالغرس.. هائجٌ مثل ثور يُذبَح.. هامسٌ دون صوت، ومجلجلٌ بأعلى الغناء في سكون الليل!

[مرةً، وفي بيتِ أهلي ـ أنا العازبُ الخائف على نفسي من طقوسي الانفرادية ـ فضحني، في البيت، والمحلة، وفي هدأةٍ عميقةٍ من الليل.. فضحني عزيزي (عزيز السماوي).. فضحني صوتُهُ المُلَعلِع من غرفتي.. صوتُه الذي يهزّ الجدران، فكيف بزجاج النوافذ وسكون الليل؟! فضحني بكلامٍ.. غناءٍ.. فصيحٍ.. جميل:

رجعوا التلامذة

يا عمّ حمزة

للجدِّ تاني!]

.. وظل صوت عزيزي (عزيز) يلعلعُ ويلعلعُ.. حتى أخذتنا الأيام والسنون، نحو المنافي.. وظل العراقُ يوغل في البعد، فيما نحن نتغلغل في العراق أكثر، ونُمتَحَنُ به أكثر، ونُطعِمُهُ لحمنا وروحنا أكثر، وهو يكبر فينا فنكبر به، ونتمناه فيعزّ علينا، فيما هو يُغْنينا بالخيال الماضي، ونحن نُغْنيه بالمستقبل الآتي.. الآتي الذي نتمنى أن نحكيه لعزيزنا (عزيز السماوي).. عزيز الذي غادرنا.. عزيز الذي، كأنما رثى نفسه قبل موته بأكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً، حين قال عام 1965:

مخنوك ما بِيَّه أسولف لِلْخَلَكْ(1)

وايامي شجرة ضيم ما بيها وَرَكْ(2)

ماي الفرح بِسكوت بحلامي مركْ(3)

رديتْ بوشالة عُمُرْ

وَك يا عُمُرْ..

والضحكة ماتت بالصّدِرْ

رديتْ مهضوم السوالف تترس سنين العُمُرْ

دمع الخواطر هالطفح.. والسّهَر هَدَّم كل كترْ(4)

صدماتْ بدروب الكبُرْ(5)

موطلفح كْليبي صَبُرْ

بعد الهجر..

لا تنتظر..!

 

مهدي محمد علي

 

(1) للناس.  (2) ورق.                        (3) مَرَق.. أي مرّ.

(4) كتر: جانب، أو ركن.                     (5) القبر.