قصـة قصيرة

 

 

قيامة وليم

 

 

نعيم شريف

 

.. ولأنها سمعت الصرخة الحادة والقصيرة، الصرخة المبتورة لصوت تعرف نبرته جيداً، صوت محنتها وهو يزعق: لا..، فإن قلبها قد كُسر رتاجه بعنف وسالت منه أسرارها الحميمة على أرض انكشافها، أرض وحشتها هي.. مارغريت.

كانت قد رأت من النافذة المفتوحة والمغمورة بضوء ما بعد الظهر، السماء فارغة من طيورها في تلك اللحظة (هل فرّت الطيور فزعة هي الأخرى؟) مستندة بذراعها اليمنى على خشب الفورميكا اللامع البني، خشب ماكنة الخياطة المركونة لصق النافذة، وتذكرت أنها فشلت دوماً في ترتيب تفاصيل ما جرى، وأن تلك الذكرى البعيدة، عصية على أي سياق منطقي..، ولعلها فقط استرجعت آهته الوحيدة بوضوح (كيف سمعتها؟) آهته الواهنة الممتدة كما لو أنها صيحة إعجاب بجمال فذ هاجمه خلسة، أو لعلها شهقة المذبوح الأخيرة، وبيقين ناصع تذكرته وهو يسيل ببطء على العمود الخشبي، ولم تستطع حينها أن تتابع الانبثاقات الحمراء المرتسمة سريعاً على مساحة بدلته الكاكية، مثل أزرار قرمزية الوهج تتشكل بغتة، كما لو أنها أوسمة من يد القدر الخفية (ذلك لسرعتها ليس إلا)، ثم من قال إنه في تلك اللحظة تأوه؟ كيف يمكن سماع آهة وحيدة وسط أصوات الرصاص المنهمر على الأجساد المصلوبة، هي فقط رأت الانفراجة الواهنة لشفتيه، ومن بين ثنايا نسيانها الوثير، عثرت على الرقم الذي يحدد (بدقة) عدد الحلقات التي تمكنت من إحصائها والتي التف فيها الحبل الأبيض السميك على جسده رابطاً إياه إلى العمود الخشبي الراسخ، إنها ست حلقات، قالت، وإنها رأت كيف انحلت عصابة عينيه عندما تدلى رأسه على صدره.. كان مصلوباً ليس كأبينا المسيح يا أبي القس. ذلك أن ذراعيه مربوطتان إلى الخلف وليستا كما المصلوب مشرعتين..، وتساءلت حينها لمَ لمْ يقم من بين الأموات؟

وأين ذهب الحواريون والفريسيون وجنود الملك؟ ألم يقم يسوع من بين الأموات بعد ثلاثة أيام؟ إذن أين وليم؟.. ثم إنها أضحت قريبة جداً من الجسد المثقب، ولكن ماذا بشأن تلك الثقوب العميقة القرار في قلبها؟ كم عددها؟ باستطاعتها أن تتأكد من دقة حسابها حين تحصي عدد الثقوب في جسد المعدوم. ثلاثون.. أربعون.. خمسون.. ياه كيف يمكن لها درء لوعتها المسفوحة من هكذا رقم كبير؟ ثقوب كالفوهات تطل على ساح قلبها، ستتسرب أسرارها على أرض الإسفلت دون شك.

ـ أعينيني يا مريم العذراء.

ولكن من التي أسندتها من زميلاتها حين هوت إلى الأرض؟ عندما اندلق أكبر أسرارها مثخناً مدمى، عندما قالت بصوت ذاهل ومرعوب شعرت به يزلزلها:

ـ وليم.. فقط، وسكتت.

حينها لم تفق طيلة الطريق، تجهل تماماً كيف حملت؟ كيف ناءت زميلاتها بثقل جسدها، بيد أن برودة الهواء على جسر الجمهورية وفوق تحدب الجسر تماماً أيقظتها، ولعلها وهي تكتشف عالم فضيحتها، وسط نظرات المواساة والشفقة، ظلت تراقب الطيران الهادئ للنوارس البيضاء في فضاء لوعتها تلك، الطيران الساكن أو المرفرف للطيور المتجهة نحو صفحة النهر المتلألئة بملايين المرايا الملتمعة بأشعة الشمس، مرايا كالسكاكين المشرعة النصول مثبتة على بساط الفضة المتموج ذاك، المرايا الحادة النهايات، كما لو كانت حراباً تتوعد، ستنكفئ الطيور المخترقة الصدور نحو الأسفل، بعد أن تصيح لمرة واحدة فقط، ستتمزق الأجساد البيضاء البريئة وتغطي صفحة دجلة، بدمائها وجثثها، كانت قد صاحت:

ـ ستمزقها الحراب يا يسوع.

محاولة أن تفتح نافذة السيارة، أحاطت بها الأكف الرقيقة مهدئة، وحين سكنت عاصفة قلبها، رأت الذراعين القادرتين لجندي يمسك بقضبان سجن كما لو كانت حزمة أعواد يزيحها بقوة من أمامه ومن خلفه فتتسع المسافة ما بين رجليه.

إلا أن السيارة انزلقت مخلفة وراءها نصب الحرية، فداهمها شعور بالخذلان.

ـ لماذا لم يسمعها ابن الرب إذن؟ كيف لم يستجب لصوت قلبها الجريح الخاشع المتضرع، عندما سمعت الاسم بصدمة المباغت.. وليم روفائيل متي.

لحظتها وبكل ضراعة قلبها قالت:

ـ كذّب يقيني يا ابن الرب.. كذّبي يقيني يا مريم الطاهرة يا قديسة..

وفكّرت أن الرشاشات السريعة الإطلاق وحدها التي (أمّنت على يقيني يا أبي القس) وساحة معسكر الإعدام بأشجار اليوكالبتوس التي تحيط بها، وتلة التراب الجرداء بآثار الرصاص النائم في أعماقها ثم الأعمدة المثبتة بقوة ورسوخ أمامها.. أقول:

ـ كلها هزمت مجد الإنسان.. كانوا قد جعلوا من جسد وليم مزقاً يا أبي.

ـ إن روحك تنزف يا ابنتي.

ـ وقلبي أيضاً يا أبي.

فمن أين أتتها برودة الروح تلك؟ وكيف تبلّد قلبها في حضرة الأسيان، «.. ولكن وليم استمع إلي جيداً.. أنا لم أقل إنني لا أريد الزواج، قلت لتنتهي الحرب فقط، عندها تصوّر كم سيكون احتفالنا كبيراً وبهيجاً، سنذهب للبصرة عند خالتي تيريزا، إنها تحبني كثيراً ونقيم عندهم أياماً، سنركب (فلكة) في شط العرب.. آه، أنت لا تسمعني يا وليم.. وليم ما بك، ولمَ كل هذا الحزن على وجهك؟

ـ ذلك أن الحرب لا تنتهي يا مرغريت، لا تنتهي، وبقدر تعلق الأمر بي فإني سئمت أن أحارب بلا قناعة ولا هدف، سئمت أن أحارب نيابة عن الآخرين.. في نهاية الأمر هي ليست حربي وكما أعلم فإنها ليست حربك أيضاً يا مارغريت.. ليست حربك يا مارغريت.. حربك يا مارغريت.. يا مارغريت.. غريت..».

أصابع الذكرى القاسية خشنة وعاتية، تمسك بجماع قلبها وتسحبه إلى الأسفل.. بقوة. فتند عنها آهة المتألم وتقول:

ـ رفقاً يا وليم أتوسل إليك.

ـ لماذا إذن يطاردها؟ ماذا بوسعها أن تفعل بثقوب جسده الكثيرة؟ ولماذا صار بهذه القسوة عندما فتح الباب الخشبية بصمت؟

ويدخل الصالة عليه غبار حرب غامضة، تسيل من ثقوب جسده الكثيرة الدماء لها شخيب وشهقة آدمية، ولا يكلمها، هي المباغتة بدخوله غرفة نومها، المدركة عبر الضوء الرمادي لبداية الفجر، أنه وليم، فتقول له:

ـ اجلس يا وليم، اجلس يا حبيبي.

بفرح العاشقة المدلّهة، عندها يشير بخجل إلى جراحه النازفة وإلى ملاءة السرير البيضاء النظيفة، فتدرك أن ضربة عاتية القسوة لا تنبو أبداً من يد تختبئ في الغيب، أصابتها أعلى صدرها، وتسرع في القول:

ـ فداك يا حبيبي، اجلس، اجلس.

وتقول له:

ـ إن فراشي في الليل يمسي كصحراء موحشة ومخيفة.

ثم تنتبه إلى أن الدماء تسيل باندفاع من ثقب في خاصرته اليسرى، فتصيح مرتاعة:

ـ وليم.. ذاك الثقب يشخب كثيراً.

وهي تحدث بجزع نحو البقع الحمراء الكبيرة المنتشرة على قماش الملاءة، وتبصره وهو مرتبك النظرات تستيقظ في عينيه حيرة قديمة، تعرفها، ثم ينهض خجلاً وبصمت يسير نحو الباب، فترعبها الفتحات الكبيرة السوداء في ظهره، تريد أن تصرخ:

ـ وليم.. تلك الفتحات السوداء في..

بيد أنها تراه يختفي، يتلاشى في سديم له رائحة البارود والدم والغبار، وتتساءل عن عذاب روحه الهائمة، لابد أنها تجوب شوارع بغداد في الليل والناس نيام، روحه المشغوفة بالأمكنة العتيقة، بروائحها وأصواتها، والحياة السرية في ثناياها، روحه التي تطأ الدروب برفق تسحل وراءها ـ دون صوت ـ قدميها المحشورتين بجزمتيها السوداوين الثقيلتين المغبرّتين، مخلفة وراءها خيط دمائها النحيل المسفوح على طول شارع الرشيد، خيط دمائها المتعرج، مارة بجامع الخلفاء، ممعنة النظر بجدرانه المحفورة الآجر وقبّته الفريدة، منسابة بإصرار حتى التشكل الرمادي المشرع لنصب الحرية، النصب المفروش في الفضاء كأنه التعويض الصخري والرسمي عن حلم قديم مفارق، حلم عصي على التحقق وغامض الهيئة، روحه التي تطوف على رؤوس الباعة الليليين، باعة الشواء في ساحة الطيران، المرفرفة، مراوح الخوص بأيديهم على جمر مناقلهم الحديدية، وهم محاطون بصفائح الدهن الفارغة، بانتظار زبائنهم من جنود الحروب، الباعة الذين يهجسون رائحة غريبة لدم محرم أن يراق، دم آدمي وبارود وغبار، رائحة تخاتل وعيهم ويهجسونها ولا يرونها، ترافق عبور روحه الهائمة، رائحة هجينة مشبوهة الامتزاج، تجعل رؤوسهم تطرق حزينة، تتأمل الرعاة العازفين لخرافهم، خراف الرب، بناياتهم القصبية، مرسومين ومسجونين سجناً أبدياً على صفائح الدهن الفارغة، روحه المعذبة وهي ترفرف بلوعة حول الصليب الحديدي الحاد الزوايا المطروق عليه ابن الرب، صليب كاتدرائية الأرمن، روحه المصدودة ببرودة المعدن، المعدن الذي تخثرت عليه بقايا يسوع، بقاياه التي من طول صلبها صارت حديدية، ها هي تجوب أزقة البتاويين، تداهمها روائح البول المنبعث من زواياها المعتمة، البول المتيبس كبقايا ملحية تخبر عن أناس مروا من هنا وتركوا أثراً ما ورحلوا، روحه الباحثة عن الشرفة المشغولة بقضبان حديدية على شكل أغصان مورقة، الشرفة الغارقة في ظلمة خفيفة لبيت البستاني العجوز.. روفائيل متي.. ستلج من فتحة الباب الخشبية كما لو كانت ريحاً طيباً مفتقداً، ولكنها هي روح وليم.

ستهب هبوباً حميماً أو تسير سيراً رفيقاً، تطأ الرواق ذاته المرصوف بالكاشي الأصفر المتآكل، سترى الأيقونة الكبيرة على الجدار، المسيح المصلوب ناحل الجسد عارياً، تثبته المسامير الكبيرة المطروقة في راحتيه، يروّعها الألم الفادح في عينيه فتهمس كروح متعاطف وشفوق:

ـ إنه عذاب يليق بنبي.

لكنها تنظر إلى صدره المرتفع قليلاً مثل شيء يوشك على الانفجار، فتبدو أضلاعه تحت جلده الأبيض الشاحب في مساحة الضوء الساقطة على الأيقونة شبيهة بقضبان قفص يحبس طائر الروح عن الخروج والعروج، عروج الروح لأبيها، وبانتباهة المخذول، تفزّ روح وليم الآن، تشير إلى الفتحات في البلدة الكاكية، وإلى الدماء التي لا تريد النفاد، كأنما قدرها أن تكون أبدية النزف وتقول بعتاب:

ـ أيلي لمَ تخلّيت عني؟؟

فيأتيها صوت الأيقونة، صوت المعلم وابن الرب، صوت حزين يقول:

ـ عذابي هو عذابك يا وليم، عذابي هو عذابك.. ليس لنا خلاص.. ليس لنا خلاص.. ليس لنا خلاص.

فتجفل الروح هاربة تجر وراءها دماءها وهي تعوي..

ـ هل كانت الروح تعوي؟ فكيف يكون ذلك يا ماغي؟

وحرب من هذه التي شطرتها نصفين، تركت واحداً منهما مصلوباً على ساحة الإسفلت، ولماذا كمنت لها بمكر السعلاة وهيئتها، السعلاة بشعرها الأسود الطويل الذي يغطي جسدها البشع الطيات وأنيابها البارزة المعقوفة، اختطفته، ونزلت به هناك في قاع جحيمها.

ـ وكيف تكون قيامة الجسد يا ربي؟ لو أني ألقاك يا يسوع كما لقيتك مرثا حين قالت لك يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام.

عندها صرخت أنت (بصوت عظيم لعازر: هلم خارجاً، فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطتان ووجهه ملفوف بمنديل).

والآن أريد معجزتك بكل حرارة يا يسوع المخلص.

ها هو يجيئها الآن، زائرها الليلي، زائرها الخجول الصموت دوماً، ببدلته الكاكية المثقَّبة ودمائه النازفة من منافذ جسمه الكثيرة، ستعد مارغريت ليلتها (ليلة الوحيدة)، وستشعل شمعة، وعلى هدي ضوئها النحيل، وحتى لا يخجل وليم الحبيب من جراحه، فإنها ستنضو عنه بدلته المغبرة الملوثة، آه هي الآن تفك أزرارها ناظرة نحو العينين الشهلاوين القلقتين الحزينتين، وتصيح برقة:

ـ آه ما أثقلها.

عندها ستمسح جراحه كلها، سيغدو الجسد الأبيض نظيفاً، عليها الآن أن تخلع عنها غلالتها الخضراء، ثم ها هي بحركة سريعة تطلق شعرها الأشقر الطويل من إساره، تطلقه مطوِّحة بشريط القماش الأخضر الذي كان يطوّقه، تقترب من الجسد الحبيب، تمهّل وليم تمهّل، وتضحك، وفي ضوء الشمعة الواهن (شمعة الوحيدة)، سيتعانقان كما لو أنهما لم ينشطرا يوماً ما، سيدوران عاريين في وحدة مضفورة دافئة وحميمة.

سيدوران ويدور معهما لهب الشمعة النحيل، وخزانة الثياب تدور، وجدران الغرفة تدور ونافذتها وسريرها وسجادة بلاطها وستائرها وصورها و.. و.. و..

 

دمشق 8/3/‏2001‏