ضرورة التحليل الطبقي

 

 

نزار خالد

 

يعقد الشيوعيون العراقيون مؤتمرهم السابع ويأمل الوطنيون جميعاً أن يؤدي هذا الحدث التاريخي الى نقلة نوعيه نحو الأمام في مسيرته ومسيرة الحركة الوطنية العراقية ككل ومسبقاً أبدي تفاؤلي التام وأملي وثقتي العميقة بالنجاح مبدياً بعضاً من الملاحظات والمقترحات على ضوء المشاريع المطروحة شاكراً إتاحة الفرصة للمساهمة:

1 ـ يبدو من الملح التأكيد ضمن الوثائق على ضرورة اعتماد التحليل الطبقي لطبيعة السلطة وجذرها الاجتماعي ويظهر النقص واضحاً، في هذا الشأن في جميع الفقرات التي كرست لمعالجة خصائص السلطة الظاهرية (دكتاتورية.. فاشية.. طائفية.. الخ) دون التركيز على هويتها الطبقية وهو الشيء الأهم والأكثر علمية ودقة لتحديد ستراتيج الحزب وتكتيكاته. ويظهر هذا القصور، مثلاً، في الخلط بين إزالة الحصار الاقتصادي وإسقاط الديكتاتورية فالأول شعار مرحلي يساهم عند تحقيقه في إضعاف السلطة، لكنه لا يؤدي بالضرورة الى إسقاطها وهو الهدف الستراتيجي الذي تحتمه طبيعة السلطة الطبقية. ويسري ذلك على قضايا أخرى ليست قليلة الأهمية.

إن الابتعاد عن التحليل الطبقي لطبيعة السلطة، اية سلطة، هو نهج يتعارض مع النهج الشيوعي المتمسك به من قبل الحزب دائما ويؤدي الى التشويش والارتباك ونرى رديف ذلك في العديد من التحليلات العامة، منها مثلاً ما جاء في الفقرة التاسعة من مشروع التقرير حول العقوبات الاقتصادية وتعميم أهدافها الإمبريالية بما يوحي وكأن النظام العراقي هو ضحية له على غرار الدول الأخرى كليبيا وإيران وكوبا.

ومن الأمثلة البارزة والتي تتطلب إعادة النظر الجدية هو ما جاء في نهاية الفقرة 15 التي تلغي التمايز الطبقي والمراتب الاجتماعية وتضع التعاسة والشقاء على الكل بالتساوي!

هناك أمثلة أخرى، ولكن الشيء الرئيسي هو الاهتمام الكبير والرائع الذي يستعرض فيه مشروع التقرير لسياسات السلطة في جميع المجالات ويشخصها بدقة متناهية وتفصيلية دون ان يكون هناك قدر مماثل من الاهتمام لتحديد المحتوى الاجتماعي والطبقي للسلطة، كما ورد في الفقرة 30.

وعلى ضوء ذلك اقترح تطوير ما جاء في الفقرة 29 عن تشخيص المؤتمر السادس للحزب بالصورة التي تعكس واقعها بالصورة التالية:

«إن السلطة القائمة هي سلطة تمثل فئات وشرائح اجتماعية طفيلية ذات قاعدة ضيقة معادية لمصالح غالبية ابناء الشعب من العمال والفلاحين والفئات الوسطى والرأسماليين الوطنين مما يضطرها الى استقاء قوتها الرئيسية من خارج هذه الطبقات المتضررة من حكمها واعتماد القمع والإرهاب وغيرها من الأوصاف الحقيقية الواردة عنها كسلطة دكتاتورية وفاشية وعشائرية و.. الخ، كل ذلك وسيلة لقمع مقاومة غالبية الشعب وإخضاعها واستغلالها خلافاً لمصالح الشعب والوطن مما يؤدي الى تشويه تركيبته الاجتماعية لصالح العناصر والفئات الطفيلية ويجعلها سلطة ضعيفة تستقي قوة لها من خارج القوى الوطنية معرضة الاستقلال الوطني للخطر والانتهاك وهو ما نلمسه في الواقع المعاش وفي سلوك السلطة وسياستها».

وأرى أن يحتل تحليل طبيعة السلطة الطبقية الصدارة في معالجة الوضع على الصعيد الداخلي، أي في المقدمة (فقرة أ) يتبعه ويليه الحديث عن خصائصها وأساليبها وأزماتها وأسبابها والقوى المدعوة والمؤهلة للتغيير والمدعوة للإتلاف وغيرها بما فيها سياسته الخارجية.

«تعلمنا اللينينية أن المسألة الأساسية في كل ثورة تكمن في الجواب على السؤال التالي: ما هي الطبقة أو الطبقات التي في الحكم في مرحلة تاريخية معينة ؟ ما هي الطبقة أو الطبقات التي يجب إزالتها من الحكم ؟ ما هي الطبقة أو الطبقات التي يجب أن تتولى الحكم. فمسألة الحكم هي المسألة الأساسية في ثورتنا وفي كل ثورة.

فمن هم الذين يحكمون العراق ويفرضون على الشعب بمختلف قومياته دكتاتوريتهم التي تكبل حريته وتطوره وتقدمه؟» (ص 9 من كراس «رد على أفكار قومية تصفوية» أصدره الحزب الشيوعي العراقي عام 1957 لمعالجة الأفكار التحريفية اليمينية التي تتجاهل التحليل الطبقي لطبيعة السلطة أو الأحزاب السياسية).

وهو ما نأمل أن يحدده التقرير والمؤتمر بوضوح ويطور ويغني التشخيصات السابقة مع التأكيد عليها أيضاً كخصائص وأشكال وأساليب مستجدة في ظروف مختلفة.

 

2 ـ عند استعراض الوضع الدولي يجري إبراز قضية سقوط النظام السوفيتي وفشله في استكمال بناء الاشتراكية وإعطاءه دوراً أكبر تأثيراً من واقعه في تطورات الوضع في الظرف الراهن. لقد مر عقد من الزمن على ذلك الحدث انعقد خلالها مؤتمران للحزب وتمت معالجة المواضيع العملية في حينها. والناس في تلك الدول منشغلة بالنظام البديل وتعاني من مآسيه. وهي مهمتها الملحة والآنية وتحتاج الى إجابات على مشاكل لا تقبل التأجيل لحين استكمال جميع التقييمات النظرية الضرورية التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين وإمكانيات واسعة وقد أنجزت الأحزاب الشيوعية الشقيقة وأصدرت دراسات عميقة ساعدتها على مواصلة مسيرتها ودفعها لمواصلة هجومها على قلاع الرأسمالية. لقد كانت نكسة مؤقتة واصبح واضحاً عجز الرأسمالية عن تقديم حل إنساني بديل وأخذت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والقوى التقدمية تعاود الهجوم منذ زمن ليس بالقصير واستطاعت تحقيق مكاسب كبيرة خلال الفترة الماضية. منها، على سبيل المثال لا الحصر، عودة الاشتراكيين الى الحكم في تشيلي وإزالة النظام العنصري في جنوب أفريقيا. وبات يحكمها نظام معادٍ للإمبريالية. ويمارس الاشتراكيون الحكم بالتحالف مع الشيوعيين والوطنيين الآخرين في المغرب منذ اكثر من ثلاث سنوات. وسقطت دكتاتورية سوهارتو في إندونيسيا. وقي الدول الرأسمالية المتطورة أصبح الشيوعيون لأول مرة منذ نصف قرن وتحديداً بعد انهيار الحكم السوفيتي يشاركون في حكم فرنسا وإيطاليا [سابقا] ويتزايد نفوذهم وتأثيرهم في مسيرة القوى الاشتراكية والتقدمية الحاكمة في 13 دولة أوربية غربية. واسقط المحافظون في بريطانيا, ويستعيد أو يتناوب الشيوعيون الحكم في البلدان التي حكموها سابقاً، آخرها جمهورية مولدافيا، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي تبرهن أن زمام المبادرة الآن ليس في يد القوى المعادية وأنها في حالة تراجع مستمر. وأسقطت الحياة نظرية «القطب الواحد» في الصراع العالمي بين القوى الاشتراكية والرأسمالية. فنرى ميلاً دائماً لصالح الأولى. وإن سقوط النظام السوفيتي لم يلغ ذلك الصراع أو جعله أحادي الاستقطاب، وما هو إلا انتكاسة مؤقتة تكون مفيدة ومجدية فقط، نعم فقط، عند تشخيص أسبابها الحقيقية دون استهانة ولكن دون مبالغة أو «نواح» متواصل كما قامت به ندوة «انهيار التجربة.. الخ» عقدها حشع في آب من العام الماضي مع الأسف الشديد. وهو ما نأمل من المؤتمر أن يعالج آثارها السلبية ويخطئ الكثير من أفكارها المشوشة والضارة ويؤكد عدم جدوى أو ضرورة انعقادها أصلاً، بتلك الصورة والتوقيت، أي بعد عقد من الزمن! وفي كردستان الحبيبة حيث يشارك الشيوعيون بالملموس وبصورة فعالة ومؤثرة في تطوير الحكم فيها وترسيخه بالتعاون والتنسيق مع كل القوى الوطنية والقومية والتقدمية، وبنهجهم الملموس والفاعل يبرهنون، عن إدراك عميق للنظرية الماركسية وتطبيقاتها الناجحة وفقاً للظروف الحسية، على أهمية دورهم في «الدفّة» وضرورته وجدواه. وأن يكون التقرير الرئيسي اكثر وضوحاً وابتعاداً عن تلك الأفكار والمنطلقات، بل يدينها.

 

3 ـ يشير مشروع التقرير ( فقرة 2) بصواب تام الى الازمة الشاملة التي تخيم على المجتمع وحياته، ولكنه يجد صعوبة في التكهن باحتمالات تطوره المنفلت اتجاهاً ونتائج. إن هذا الواقع يضاعف من مسؤولية الشيوعيين في تحديد ابرز واهم التطورات المحتملة. وهي ليست بالمهمة السهلة طبعاً ولكن انعقاد المؤتمر هو فرصة جيدة لإنجاز تلك المهمة وتسليط الأضواء على جميع الاحتمالات ورسم الخطط المناسبة في مواجهتها رغم أن توازن القوى قد يفرض حلولاً تسكينية للازمة وقد علمتنا الحياة أن لكل أزمة نهاية ولكن للناس وقواها السياسية إمكانية حاسمة في التأثير عليها وفي تقرير نتائجها. ويتزايد أو يتقلص ذلك التأثير تبعاً لاستعداداتها ومستوى إدراكها ووعيها لطبيعة السلطة والقوى المتصارعة محلياً وإقليمياً ودولياً.