نحو
أممية جديدة في
الفن
د. محمد صادق
رحيم
لدي وجوه
عديدة، أنا موجود
إذن
بصور عديدة
ليس لدي
سوى وجه واحد يريك
ما يمكن
أن يصير إليه
جسمي هذا،
حينئذ أنا
غير موجود. (الفنان والكاتب
المكسيكي غليرمو
سانتاماريا)
إذا كانت
نظريات علم الجمال
والنقاشات النقدية
في الفن لا تعبر
تعبيراً مباشراً
عن الهوية النرجسية
للأوربيين، فهم
يعتبرونها مازالت
قاصرة عن الإحاطة
بتعقيدات وغرابة
التطبيقات في الفن
المعاصر.
هذه هي أيضاً
نظرة الغرب إلى
فنوننا، فهي نظرة
تجهل تاريخنا الفني
المعاصر، وخصوبة
مقدراتنا على الإبداع
والتفوق. فإن ما
يدعى التعددية
الثقافية Multiculturalism الذي
تفسره سلطات الفن
والمعلقون الغربيون
كنوع من المحلية
في الأسلوب، أو
فنون قومية خاصة
بأقليات موجودة
في الغرب. بينما
يراه كثير من الفنانين
أممية جديدة في
الفن، قائمة على
عالمية انتقاله
وتبادل أفكاره
وأساليبه التطبيقية
المختلفة.
إن أفكار
وابتكارات الفرد
ونظرته إلى العالم
في الغرب، خاضعة
بصورة متعاظمة
لسيطرة التكنولوجيا
ومؤسسات الإعلام
والدعاية التجارية
وغيرها من الشركات
الكبرى، تلك المؤسسات
والشركات التي
وضعت تفسيراتها
هي للرموز والوقائع،
ووجهت المعلومات
حسبما تشاء وترضى.
وهكذا وقع الناس
في فخ ثقافي منصوب
بدراية وإحكام،
لأنهم باتوا متلقين
سلبيين لأفكار
ومعلومات لم تثبت
دراسات موضوعية
صحتها. والفن خير
مثال على هذا الفخ.
فمفاهيمه أمست
سلعة مختزلة المعاني
إلى حد التفاهة.
والأدهى من ذلك
هو أن بوسع شركات
الدعاية، بل حتى
مؤسسات الدولة
أحياناً، من خلال
سيطرتها على وسائل
النشر، أن تسرق
وتشوه النتاج الثقافي
والفني. فالمعرفة
أو المفاهيم الناتجة
عن نشر نوع معين
من الفن تتحول
إلى أنصاب مسلّمٍ
بها قبل أن تجري
مناقشتها واختبارها
بدقة لأجل استيعابها
وتطبيقها وتطويرها.
لقد نالت
التعددية الثقافية
حظها من ذلك الفخ،
فهي غارقة في الوعود
بعالم جديد جريء
تعمّه ثقافات متناغمة
مؤتلفة في بوتقة
فخمة واحدة. فتشوهت
هذه التعددية بتلك
الوعود بالذات.
فضيق الأفق في
تفسير التعددية
والإيهام بأنها
واقع معاش ينبعان
من رغبة العقل
الغربي في إنشاء
عالم خال من التناقضات،
يسوده فكر الغرب
السائد ويقدّمه
وفق قيم خاصة وطروحات
برجوازية، دون
حساب لمعارف الشعوب
الأخرى وهموم الإنسانية
ككل. ثم إن التعددية
الثقافية (كما
فهمت ومورست في
المؤسسات الغربية)
هي استجابة للضغط
الذي فرضته شعوب
العالم على الغرب
في فترة ما بعد
الاستعمار من أجل
الإقرار باختلاف
تواريخ الشعوب،
وتأثيرات الحداثة
التي تميزت بانتقال
الثقافات عبر الأرض
من الغرب السائد
وإليه وكذلك داخل
مدنه الكبرى المتعددة
القوميات.
إن الفهم
الغربي السائد
للتعددية الثقافية
يعكس ضيق الأفق
في تفسيرها، فالاستئثار
في مناقشة التعددية
يسعى لاحتواء العلاقة
المعقدة بين ثقافات
الكرة الأرضية
المختلفة، فيضفي
عليها انسجاماً
موهوماً. ويؤكد
ظاهرة الحلف الثقافي
بين السيد والعبد
الاستعمارية البالية.
فكأن أهمية أية
تعددية ثقافية
تكمن في مدى علاقتها
بهذا المحور.
أفليست
هذه الترجمة للتعددية
محاولات غربية
للتكفير عن الذنوب.
فبالرغم من تزايد
التبادل بين المؤسسات
الثقافية والنتاجات
الفنية مع الشعوب
التي كانت مستعبدة
ومعزولة، لم يؤد
هذا التزايد إلى
تغيير المواجهة
القديمة بين الغرب
وباقي الشعوب أو
زعزعة هيمنته الثقافية
التي تبرر وتديم
الوضع القائم.
فستبقى التعددية
مشوهة بغياب حوار
متكافئ بين المركز
وأطرافه والتخلي
عن احتكار تفسير
معاني النتاجات
الفنية. فالغرب
لم يتوقف عن محاولات
وضع نفسه في مركز
موضوعية المعرفة.
إن الغاية
من دراسة مختلف
الثقافات تكمن
أولاً في فهم الهوية
والمنحى السياسي
والمضمون الاقتصادي
الاجتماعي للنتاجات
الثقافية عموماً.
لكن أساليب الدراسة
التي مورست، في
علوم الأجناس وعلم
الاجتماع مثلاً،
أخفقت في التقييم
الدقيق والخصوصية
في النقد الجمالي
وتأثيراته ودور
التاريخ في تطور
الفنون، والعلاقة
بين الفن وجمهوره،
وطبيعة الفن كتعبير
عن رؤيا فردية
وخبرة جماعية معاً،
تتجاوز تعريفه
التبسيطي (باعتباره
ظاهرة ثقافية فقط).
في المقابل،
فإن الإصرار والإلحاح
على التقوقع في
أقلية ثقافية،
والانطلاق من خلفية
عنصرية، مصحوباً
بعناد الجماعات
القومانية وتعاليها،
قد انحدر بالنتاجات
الثقافية للأقليات
إلى اختزال الفن
وتحويله إلى رموز
لهوية الأقلية
تلك. ومن الطريف
أن أصحاب تلك النتاجات
عابوا على النقاد
والفنانين الغربيين
تقوقعهم هم أيضاً
في رؤية الشخصية
الإبداعية والتفرد
القائم في الفن
الغربي. وبهذا
يقع الفنان في
مطب يحوّل دوره
من مبدع مثقف إلى
مقدم ساذج لهوية
قومية أو محلية
لا غير، شاطباً
ذلك العمل الفني
المعقد الذي يجسد
الفنان شخصاً وموهبة،
ولاغياً القوانين
العامة والظروف
المشتركة التي
تحكمنا، ومن حقنا
جميعاً أن ننتج
ونعبّر تحت ظلها.
ثمة خطأ
وخطر في تحول الفنان
الحقيقي إلى فنان
أقلية. فكأنه بذلك
يتآمر على موهبته
لأجل إيجاد أسلوب
أو مدرسة أقلية
ينتمي إليها. نحن
بحاجة إلى أفق
آخر فيه تطبيقات
للجماليات، وموضوعها
المفضل الفن، تحمل
هدفاً رفيع الانفتاح،
يختبر نتاجات العالم
كله ويحذف أسماءها
ليتسنى له الإحاطة
الدقيقة بها وتحويله
إلى أممية ثقافية
في الفن.
في المقابل،
فإن من الخطأ المغالاة
في ذلك بإضفاء
طابع الإطلاق والإبداع
الخارق على هذه
الأممية في الثقافة
والفن، لأنها تغيّب
الاختلاف في أذواق
جمهور الفن الواحد
المتعدد القوميات،
في العلاقات المتبادلة
بين هذه القوميات.
فالاختلاف كان
نتيجة وضع الحواجز
بينها. فثمة تغير
وتداعيات تطرأ
على معاني الفن
عندما يعبر تلك
الحواجز. وعليه
فإن نقد ما هو محلي،
أو وطني، لتأهيله
كي يعبر الحواجز،
ويؤثر ويتأثر بالثقافات
الأخرى، هو سبيل
أفضل نحو أممية
الثقافة والفن.
من الصعب
التفكير في الأممية
في الفن دون الإشارة
إلى أن النزعة
القومانية أداة
تستخدمها سلطة
قومانية لتبرير
إرهابها وانغلاقها.
إن من مصلحة
السلطة ونفوذ المنتفعين
اقتصادياً فيها
أن تصنع مجتمعاً
متجانساً إيديولوجياً،
مواطنوه متحدون
في التلقي المذعِن،
وقد خضعت مخاوفهم
ورغباتهم للسيطرة.
فبهرجة
الأساطير القومانية،
في الفن مثلاً،
هي وسيلة للسيطرة
والتحكم. فهي تخدم
التعالي بالهوية
من خلال المبالغة
في تفخيم التاريخ
والقيم المشتركة.
فيتورط الفن في
التحول إلى نتاج
لرموز ومعان مصطنعة
وضعت له. ويتحول
إلى جزء من عملية
الاستثمار الاقتصادي
والثقافي الذي
تقوم به الدولة
القومية لاستغلال
الثقافة القومية
لمصالحها. إن هذا
التاريخ القومي
يعكس رغبة النخبة
المتسلطة في هوية
قومية متميزة.
فهي تعتبر كل تجمع
مستقل ناشزاً عن
هذه الهوية، والمخالفين
في الرأي والمعترضين
والمختلفين ثقافياً
خطراً جسيماً على
تسلط هذه النخبة.
قد تبدو هذه الفكرة
بالية غير أن لها
ثقلاً مازال في
سياسة مروجي الفن
وإدارات المتاحف
والسلطات الثقافية
في كثير من البلدان،
لاسيما العراق.
إن هذا يملي
علينا أن نبذل
ما نستطيع من جهد
في التصدي للمعايير
الفلسفية التي
تتناول تاريخية
الفن لتسبغ المشروعية
على سياسة السلطة
وتبرر ما يجري
في قنوات الإنتاج
الثقافي. ولابد،
من جانب آخر، أن
نتصدى للمعايير
التي تفرض على
الفنان النسيان
التاريخي والإيمان
بالحتمية الثقافية،
ذلك لأن التأثر
والتأثير لا يسيران
في خط بياني موحد.
فالنسيان التاريخي
والحتمية الثقافية
تلغيان الإخصاب
الناتج عما سبق
من تلاقح الثقافات
المختلفة مما أعطى
الفن روحاً متجددة،
وبدون ذلك سيبقى
النفاق الثقافي
والتمييز على أساس
العنصر والدم قائماً.
من المشاكل
الكبيرة التي تواجه
معارض الفن الدولية
اليوم هي استمرار
المهيمنين عليها
في تبويبهم وتقييمهم
للفنون على أساس
إعادتها إلى أصولها
المحلية أو الوطنية.
وهذا التمييز ذو
هدف سياسي واقتصادي
غالباً. إن التبادل
الثقافي الحقيقي
بين الشعوب لا
يمكن أن يتحقق
ويزدهر دون أن
تتخلى الجهات المهيمنة
في الغرب بصدق
عن احتكارها لتقييم
العمل الفني والمستوى
التقني واختيار
النتاجات الفنية
لأجل عرضها. إن
المركز والمحيط،
أو الغرب والآخرين،
يجب أن يشتركا
بتكافؤ في التقييم.
كذلك لابد من تطوير
المعايير المحلية
والنقد الثقافية
عندنا بحيث يتم
تقييم الفن وترجمته
بدون الاعتماد
فقط على المعايير
السائدة في الغرب.
إن هذه الصيحة
نابعة من فهم أكاديمي
وموقع مستقل إيديولوجياً
وحزبياً. قد تكون
ذرائعية لكن فيها
مسحة شعرية أيضاً،
وهذا سيساعدنا
على اكتشاف الإضافات
المتميزة والإبداعية
عندنا إضافة إلى
معرفة النقاط التي
يبدأ منها الحوار
الجدي في أعمالنا.
الأممية
الجديدة في الفن
مفتوحة للترجمات
المختلفة من قبل
الآخرين، وبذلك
نبعدها عن الانغلاق
بأقلية، ونعوض
بها عن عبارة الأسلوبية
النقية. فعلينا
إعادة فهم التناقضات
والاختلافات بين
ثقافات الأمم ليقودنا
هذا التجديد في
تحركنا نحو التحولات
الثقافية المتميزة،
والمختلفة عن أحكام
التقدم والتطور
المتمركزة أوربياً.
عندما
يكون الفن الوطني
إنسانياً وعقلانياً،
فإنه يعزز إيمان
الفنان بالروح
المتحررة عند انطلاق
مخيلته الذي يؤدي
إلى رجع فريد في
جماله. فأممية
الفن هي مشروع
مثقف لأجل التغيير
لا لأجل الأصولية
الميتة. فالأممية
يجب أن تعيش بين
أضلع الفنان كجزء
من حياته، وتسلك
طرقاً وتقيم اتصالات
على طول خطوط جغرافية
ليس لها علاقة
مهمة بالحدود الجغرافية
القطرية لأي بلد.
|
دقائق
ثقيلة ولحظة
تبصُّر: فالفن
هناك! في
الفضاء حيث التحرر من
أي شيء يسخر
من عناوينك هل
من فرق الزمن
قيد وأنت
العبد الذي يجرّه اكسر
القيد اكسر القضبان اسمع حول
العالم يضحك
الفن (الفنانة
ايفرلين نيقوديمس،
كليمنجارو ـ تنزانيا) |
نحن
وراء قضبان
الزمن أنت
تصيح! هز
القضبان الزمن
قفص وحول
القفص كلاب
تنبح الزمن
ممر طويل باب
بعد باب لوحاتها
تحمل اسمك السيرة،
قفاز من حديد انتظر
داخل أوراق مظاريف
بطوابع لا
وسائد حرير |
|
|
|
لندن
2001