الأصل والقناع

 

 

سعدي يوسف

 

منذ البداية، أي منذ عرفاني جراهام غرين، الروائي البريطاني البارز، اعتبرتُ نفسي من المعجبين به، أتابع إصداراته، وأتتبع رحلاته، وأحاول أن ألمس نبضه الداخلي، مستغرقاً كل مؤلفاته، على غزارتها. إنها لصداقةُ عمرٍ.

متواترٌ القولُ بأن غرين أعاد تشكيل رموز مسيحية عدة، خدمةً لوسائله الفنية، ولغاياته الفنية أيضاً، مبتدئين من «القوة والمجد» وغير منتهين بـ«الأميركي الهادئ» أو «رجلُنا في هافانا» حيث بإمكاننا أن نلحظ الخيط الدقيق من التأويلات المسيحية التي تعيّن مكان كل فرد ومكانته، حسب قربه أو بُعده من هذا المفهوم المعطى أو ذاك.

*

وباعتبار غرين فناناً عظيماً، نراه قد حقق نجاحاً مرموقاً في إخفاء التمذهب المسيحي تحت طبقاتٍ عدةٍ من البناء الفني، وتصلح رواية «صخرة برايتن» أنموذجاً في الإخفاء، بالرغم من كونها رواية مبكرة.

لكن ذلك التمذهب المسيحي يبدو، أحياناً، صارخاً جداً على الإخفاء تحت أي نوع من الستار. تكفيك نباهةٌ محدودة كي يتكشّف لك، فجأةً، أساسُ البناء، إن كنت من قراء غرين.

*

في إحدى جولاتي شبه اليومية، بين دكاكين أهل الخير، بحثاً عن قرص مُدمج أو كتاب، عثرت على رواية قصيرة للكاتب السويدي الحائز على جائزة نوبل، بار لاغركفيست، نُشرت للمرة الأولى في المملكة المتحدة، العام 1952، تحت عنوان BARABBAS (وهو بَرْأبّا ذاتُه الوارد ذكره في الأناجيل باعتباره الشخص الذي صُلب السيد المسيح بدلاً منه).

وفي جولة أخرى، أتيحت لي فرصة لاقتناء ما رأيتُها روايةً قصيرة مجهولة لجراهام غرين. عنوان الرواية «الرجل العاشر»، وقد صدرت العام 1986 في طبعة لكتاب الجيب. في المقدمة، كتب غرين قائلاً الآتي:

«في 1948، آن كنت أكتبُ (الرجل الثالث)، بدوتُ كمن نسي تماماً قصة اسمها (الرجل العاشر) كانت تتكّ مثل قنبلة موقوتة، في مكانٍ ما، بين أضابير مترو ـ جولدوين ـ ماير، بأميركا». وأضاف غرين: «وجدت تلك القصة المنسية جديرة بالقراءة حقاً ـ بل أنا أفضّلها، لأسبابٍ عدة، على (الرجل الثالث)..».

*

يفتح بار لاغركفيست، بوابته، وسيعةً، بوابة النار ـ الجنة: «الجميع يعلم كيف عُلِّقوا، هناك، على الصلبان، ومن كانوا مجتمعين وقوفاً حوله: مريم أمه، ومريم المجدلية، وفيرونيكا، وسمعان القيرواني الذي حمل الصليب، ويوسف الرامةِ الذي كفّنه. لكن على مبعدةٍ يسيرة أسفل السفح، أو بالحريّ إلى جنب، كان يقف رجلٌ مثبّت العينين على المحتضر في الوسط، يراقب النزع من اللحظة الأولى حتى الأخيرة. كان اسمه بَرْأبّا. هذا الكتاب عنه».

*

في إنجيل متّى (الفصل السابع والعشرين من 15 إلى 23) ورد الآتي: «وكان للوالي عادةٌ أن يطلق للجمع في العيد أسيراً من أرادوا * وكان عنده حينئذ أسيرٌ مشهور يدعى برأبا * ففيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطس من تريدون أن أطلقه لكم أبرأبا أم يسوع الذي يقال له المسيح * لأنه كان يعلم أنهم إنما أسلموه حسداً * وبينما كان جالساً على كرسيه أرسلتْ امرأته إليه قائلة إياك وذاك الصِدّيق فإني قد توجّعتُ اليوم كثيراً من أجله في الحلم * ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ أقنعوا الجموع بطلب برأبّا وإهلاك يسوع * فأجاب الوالي وقال لهم من تريدون أن أطلقه لكم من الاثنين. فقالوا برأبا * فقال لهم بيلاطس فماذا أصنع بيسوع الذي يقال له المسيح * فقالوا كلهم ليُصلب. فقال لهم الوالي فأيَّ شرٍ صنع. فازدادوا صياحاً وقالوا ليصلبْ».

*

تدور أحداث «الرجل العاشر» في معسكر اعتقال بفرنسا المحتلة، أيام الحرب العالمية الثانية.

عصر أحد الأيام، يدخل ضابطٌ ألماني شاب، الزنزانة، ويأمر المعتقلين الفرنسيين (كانوا ثلاثين) أن يختاروا من بينهم، ثلاثة، كي يُعدَموا صبيحة اليوم التالي، رمياً بالرصاص، بعد أن قُتل مرافق الحاكم العسكري الألماني، في هجومٍ لرجال المقاومة.

وبعد هذا الأمر، غادر الضابط الزنزانة.

اقترح أحد المعتقلين مبدأ التطوع: أن يتطوع ثلاثةٌ لينفّذَ فيهم الأمر. كان الاقتراح مستحيل التحقيق.

أخيراً، اتفق المعتقلون على إجراء قرعة. هكذا سحبوا قصاصات ورقٍ، وتبيّن بعد السحب، أن ثلاثةً منهم سوف يعدمون، وهم: شافيل المحامي الثري، ولونوتر، وفوازان. سيتم الإعدام رمياً بالرصاص، صبيحة اليوم التالي، في الساعة السابعة بالضبط، كما ذكر الضابط الألماني الشاب.

المحامي الغني تفتّق ذهنه عن فكرة عجيبة: سوف يتنازل عن كل ثروته وممتلكاته وعقاراته للشخص الذي يقبل بأن يُعدَم بدلاً منه..

هل سيتقدم أحد؟

جانفيه، الشاب الفقير، قبِل. كان مُعدَماً. أمه وأختُه في قاع الدنيا، مسحوقتان. إنه سيموت من أجلهما. سيضحي بحياته. قال جانفيه ساخراً: سوف أموت غنياً!

هكذا حرر المحامي وثيقة التنازل، ووقّع عليها شهودٌ من بين المعتقلين. (لنتذكر اسم الملك من بين أسماء المسيح).

في الساعة السابعة بالضبط، من صبيحة اليوم التالي، أُعدِم الشاب جانفيه، مع لونوتر وفوازان. (لنتذكّر أن المسيح صُلب مع اثنين كان يتوسطهما).

*

بعد التحرير، أُطلق المعتقلون جميعاً، وبينهم شافيل المحامي الذي لم يعد غنياً، بينما سكنت أخت جانفيه وأمه، مسكناً كان من ممتلكات شافيل المتنازَل عنها.

وجد شافيل نفسه في وضعٍ لا يُطاق. سرتْ حكاية شرائه حياته بموت جانفيه، سرياناً بطيئاً بين الناس. صار الناس يتهامسون عليه، ويشيرون إليه، أنّى ذهب. لقد دفع سجينٌ شاب فقير حياته، وعاش هو..

عل أي حال؛ في الصفحات الأخيرة من رواية غرين، يُقتل شافيل بالرصاص، حين كان ساعة القرية تعلن السابعة صباحاً.

إنها ساعة ممرّ الرماد، والجدار العاري، ساعة مقتل الآخر.

*

لا حاجة بنا، إلى تقصّي أثر بَرأبّا، ومتابعة مسيرته، فنحن نعرف مصيره، من البداية المريرة حتى النهاية المريرة. لكني أريد أن أقتطف من الصفحة الأخيرة لرواية الكاتب السويدي بار لاغركفيست:

«وهكذا، اقتيدوا كي يُصلبوا. كانوا مغلولين اثنين اثنين، ولأن عددهم لم يكن شِفعياً، جاء برأبّا في آخر الموكب، غير مغلولٍ إلى أحد. حدث الأمر هكذا؛ مجرد مصادفة. وبهذه الطريقة عُلِّق، الأبعدَ، في صف الصلبان.

التمّ حشدٌ كبير، ومرّ وقتٌ طويل قبل أن ينتهي الأمر. لكن المصلوبين ظلوا طوال الوقت يتكلمون مع بعضهم، مواسين، آملين.

مع برأبّا لم يتكلم أحد.

آن هبط المساء، كان المتفرجون عادوا إلى منازلهم، متعبين من الوقوف، أكثر، هناك. ثم إن المصلوبين، حينها، كانوا أسلموا الأرواح، جميعاً.

باراباس وحده، ظل معلَّقاً هناك، وحيداً، لم يمت بعدُ. عندما أحسّ بدنوّ الموت، هذا الذي كان دائماً يخشاه، قال في الظلام، كأنه يخاطبه: إليكَ أُسلمُ روحي.

ثم لفظ أنفاسه الأخيرة».

*

سوف تتجمع أطراف المعادلة.

بل لقد تجمّعت، فجأةً:

شافيل = برأبّا.

جانفيه = المسيح.

الضابط الألماني = بيلاطس.

*

منذ القرن الأول، حتى القرن العشرين..

هل تغيّر شيء؟

أعني هل تغيّر شيءٌ في الرموز الأولى؟

جراهام غرين يقول صراحةً في «الرجل العاشر»:

لم يتغير شيء..

 

London 18.06.2001

 

 

*    كتب المقال، أساساً، باللغة الإنجليزية.

** رواية «برأبّا» سوف تصدر عن دار المدى قريباً في سلسلة «نوبل».