القاص
والكاتب المسرحي
والروائي شاكر
خصباك:
أدبي
هو الشاهد الوحيد
على
اضطهاد الشيوعيين
والوطنيين!
أجرى
الحوار: كريم
جثير
القاص
والكاتب المسرحي
والروائي المعروف
شاكر خصباك.. اسم
له أهميته الكبيرة
في تاريخ وتطور
القصة العراقية،
فهو من الجيل الثالث
لرواد القصة بعد
(محمود أحمد السيد)،
جعفر الخليلي،
عبد المجيد لطفي،
شالوم درويش وذو
النون أيوب.. وشاكر
خصباك بدأ كتابة
القصة مبكراً،
فمجموعته القصصية
الأولى «صراع» صدرت
عام 1948م وقد كتب القصة
قبل ذلك التاريخ
بعدة سنوات أيام
كان طالباً في
المتوسطة، واستُقبلت
مجموعته الأولى
تلك باحتفاء كبير
من قبل النقاد
والأدباء وقتها.
يقول (علي جواد
الطاهر) في معرض
حديثه عن هذه المجموعة
«أنت تلمح الروح
القصصي جلياً في
كل مكان، وأنك
أمام قصاص في كل ما
تقرأ، إنك أمام
قصص
لها طابعها
الفني لا حكايات
على السلاطين وكيفما
اتفق، بل إنك تؤمن
أنك أمام قصاص
منذ الجملة الأولى
لأية قصة». كما كتب
المرحوم (غائب
طعمة فرمان) في
مجلة «الرسالة»
المصرية عدد 870 في
6 مارس 1950 «نراه لا
يحفل بالحوادث
والمفاجآت بل يخلق
من الحوادث الصغيرة
عملاً فنياً بإطار
من التحليل النفسي
ويخلق الجو المشوّق
الذي يدفعك إلى
الاعتراف بأن للكاتب
موهبة فنية ووعياً
في جميع الأمور
وأغلب أقاصيص شاكر
حافل بهذا النوع
من التحليل النفسي».
وشاكر خصباك،
وكما قال أيضاً
(عبد الله نيازي)
عام 1951 في جريدة «الوميض»
البغدادية، «فنان
مطبوع يعرف كيف
يستحوذ على النفوس
ويسيطر على العقول،
لقد شعرت وأنا
أقرأ قصصه أنني
عثرت على صديق
يعتز به. وعبثاً
حاولتُ فيما بعد
أن أبعد عن فكري
صورة من صوره العديدة
الرائعة».. ثم أعقب
شاكر خصباك مجموعته
ـ صراع ـ بمجموعته
القصصية الثانية
«عهد جديد» عام 1951،
ثم الثالثة «حياة
قاسية» عام 1959، بعدها
بدأ الكتابة للمسرح
حيث ظهرت له مسرحية
«بيت الزوجية» عام
1962 ومسرحية «الغرباء»
عام 1965، بعدها أصدر
روايته المهمة
والمعروفة «الحقد
الأسود» عام 1965 والتي
أعيد طبعها تحت
عنوان «السؤال»
التي تتحدث عن
إحداث شباط 1963. ثم
مسرحية «الشيء»
عام 1966 تلك المسرحية
التي تناولتها
الدراسات الأدبية
والمسرحية والتي
تتحدث عن الفترة
ذاتها. ومن المفيد
أن نذكر هنا ما
قاله عبد المجيد
لطفي عن هذه المسرحية..
«إن
هذه المسرحية عمل
وثائقي كبير لا
يلهم به إلا رجل
حساس نبيل إلى
جانب كونه أديباً
وفناناً. فلقد
ظننت قبل أن أقرأ
مسرحية «الشيء»
أننا لم نخرج ولو
بكسب جزئي للأدب
من خلال تلك المعارك
الوطنية ومن هذه
الردة المأساة.
إنني أقول جاداً
وغير مجامل إن
مسرحية «الشيء»
إدانة صارخة ليس
لليوم ولا لغد
قريب وإنما إدانة
تلقي البرابرة
وحملة الأحقاد
أجيالاً. فلقد
ضمّت المسرحية
أكثر الوجوه الوطنية
نبلاً وبراءة وأثقف
من في البلد من
عقول ومواهب وبسالة.
ولا أعتقد إلى
هذه اللحظة أن
كاتباً كتب شيئاً
من وحي وآلام تلك
المرحلة السوداء
ما يوازي دقة وحرارة
وجمال مسرحية «الشيء»..
الشيء الذي كان
يأكل كل شيء.. بما
في ذلك الأعراض
والمواهب وجهد
التعب.. وإنني لأشعر
الآن ـ تجاه هذا
الكتاب ـ بالخجل
لأنني لم أكتب
شيئاً بهذا العمق
والحرارة.. ربما
بسبب أنني لم أمر
مروراً عميقاً
أو شخصياً بتلك
المأساة الوطنية
والأخلاقية ولم
يكن لي شرف الاعتقال
في تلك الهجمة
البربرية..».
وبعد
«الشيء» صدرت له
روايته الرائعة
«حكايات من بلدتنا»
عام 1967 و«القضية والمخذولون»
مسرحيتان عام
1992، ومسرحية «الدكتاتور»
عام 1995، ورواية «هيله»
عام 1996، «كتابات نقدية»
عام 1995، وكتابه «ذكريات
أدبية» عام 1996، وهو
كتاب سيرة وضع
بأسلوب مشوّق ويحمل
بين ثناياه رؤية
نقدية متميزة وبغاية
الأهمية، فلم يكتفِ
خصباك بسرد سيرته
الأدبية فقط إنما
أرّخ ومن خلال
هذه السيرة لمرحلة
مهمة من مراحل
الأدب العربي خاصة
تلك الفترة التي
كان فيها خصباك
في مصر وقد ربطته
علاقات وثيقة مع
أهم أدبائها مثل
محمود تيمور، نجيب
محفوظ، عبد الحميد
جودة السحار، نعمان
عاشور، أحمد عباس
صالح، يوسف الشاروني،
والكاتب اليمني
علي أحمد باكثير
وغيرهم.. وشاكر
خصباك مازال يواصل
الكتابة وقد صدر
له في السنوات
الأخيرة عدد كبير
من الأعمال آخرها
روايته «أوراق
رئيس» عام 2000.
وقد
أمدّ الله في عمره
حتى الآن وكاد
يفقد حياته في
أحداث عام 1963، يوم
تم اعتقاله هو
والمخزومي وخالد
الجادر وعودة شاطي
وعدد آخر وفي سيارة
واحدة، ويذكر هذه
الحادثة في مقاله
(ذكريات عن مهدي
المخزومي) المنشور
في (الثقافة الجديدة)
العدد 289 تموز/ آب
1999 حيث يقول: «في طريقنا
إلى مديرية الأمن
العامة كدنا نفقد
حياتنا، فما أن
اجتازت سيارتنا
جسر الشهداء حتى
أوقفتها ثلة من
الضباط، وتساءلوا
من نكون؟ فأجابهم
المسؤول عن السيارة
أننا شيوعيون ـ
وكان بصحبتنا في
السيارة عدد من
الحرس القومي،
فطلبوا من رئيس
حرسنا أن ينزلنا
من السيارة لينفذوا
فينا حكم الإعدام
طبقاً للبيان رقم
13. لكنه أجابهم بحزم
أن لديه أمر بتسليمنا
إلى مديرية الأمن
العامة وأننا أمانة
بين يديه.. واشتد
الجدل بينه وبين
الضباط وشهر كل
منهم سلاحه في
وجه الآخر ونحن
نتفرج على الجدل
وكأن الأمر لا
يعنينا! وأخيراً
تراجع الضباط وسمحوا
لسيارتنا بمواصلة
طريقها، وهكذا
أنقذنا من الموت
بأعجوبة..».
واحتفاءً
بكتابنا المبدع
الكبير المخضرم
شاكر خصباك، الذي
يقيم، ومنذ أكثر
من عشر سنوات،
في اليمن، كان
معه هذا الحوار:
● الدكتور
شاكر خصباك، قبل
«صراع» مجموعتك
القصصية الأولى..
كانت البدايات
ومحاولاتك الأولى
لنشر قصصك في الصحف
والمجلات.. تلك
البدايات التي
ارتبطت بأسماء
مهمة رعت موهبتك،
فهل لك أن تحدثنا
عن هذه البدايات؟
□
بدأت بنشر قصصي
منذ عام 1945 وكنت ماأزال
تلميذاً في المتوسطة
واتسع نطاق النشر
حينما انتقلت إلى
«الثانوية» وأنا
أدين بالشكر لمجلة
«الهاتف» النجفية
التي كان يصدرها
المرحوم جعفر الخليلي،
وهو نفسه كاتب
قصة، لذلك كانت
المجلة تهتم اهتماماً
خاصاً بالقصة.
وقد نشرت قصصي
الأولى على صفحاتها.
وفي تلك المرحلة
لقيت رعاية كريمة
وبالغة من المرحوم
الدكتور علي جواد
الطاهر الذي كان
قد عيّن مدرساً
للغة العربية في
إحدى مدارس الحلة
الثانوية، وكلانا
من أبناء الحلة
أباً عن جدّ. وكان
متأثراً تأثراً
شديداً بخالي أستاذه
في دار المعلمين
العالية الدكتور
محمد مهدي البصير،
ولعل ذلك كان دافعه
للاهتمام بأدبي
في البداية، واستمر
اهتمامه هذا إلى
النهاية. كذلك
لقيت رعاية واهتماماً
في بداياتي من
الأديب المرحوم
عبد المجيد لطفي
وكان من قصاصي
تلك المرحلة المرموقين،
وقد توثقت صلتنا
فيما بعد وهو الذي
كتب مقدمة كتابي
«صراع».. ولا أنسى
أيضاً تشجيع الأديب
المصري الكبير
محمود تيمور رائد
القصة العربية
والذي تأثرتُ بقصصه
بدرجة عظيمة في
تلك المرحلة من
حياتي الأدبية
حتى أنني أهديت
إليه باكورة إنتاجي
الأدبي وهي مجموعة
«صراع». وهناك كتاب
آخرون تأثرت بهم
في تلك المرحلة
من أدباء الغرب
وعلى رأسهم القصصي
الفرنسي جي دي
موباسان.
● مجموعتك
القصصية الأولى
(صراع) الصادرة
في عام 1948 في مصر أثارت
ضجة في الأوساط
الأدبية وقتها.
وكتب عنها المرحوم
غائب طعمة فرمان
مقالاً ذكر فيه
بأن (صراع) «نصر جديد
للقصة العراقية»،
كما كان غائب من
أشد المدافعين
عن هذه المجموعة
عندما هاجمها فؤاد
الونداوي وهو الوحيد
الذي هاجمها. فما
أهمية (صراع) بالنسبة
لك وما موقعها
بالنسبة للقصة
العراقية؟
□ أولاً، لم
يكن الأمر بالنسبة
لـ(صراع) كما صورته،
فكل ما في الأمر
أنها استقبلت من
قبل النقاد استقبالاً
طيباً. وما أبداه
المرحوم غائب من
حماسة لها، وكذلك
ما أبداه المرحوم
الدكتور علي جواد
الطاهر من حماسة
أشد لها، وكذلك
المرحوم عبد المجيد
لطفي، ربما كان
وراء تلك الحماسة
عاطفة الصداقة
أو التشجيع. فلا
تنس أن عمري حين
صدورها لم يكن
يتجاوز الثامنة
عشرة، وكنت قد
كتبت قصصها ما
بين السادسة عشرة
والثامنة عشرة
من عمري، ولا شك
أنها كانت تمثل
في حينها خطوة
متقدمة بالنسبة
للقصة العراقية.
وكانت تختلف عن
النمط الذي كان
يكتبه قصاصو مرحلة
الأربعينات من
أمثال جعفر الخليلي
وعبد المجيد لطفي
وذو النون أيوب.
ولم يكن قد صدر
من مجموعات قصصية
تخرج على هذا النمط
سوى مجموعة قصصية
لعبد الملك نوري
بعنوان (رسل الإنسانية)
ولم تمثل شيئاً
جديداً، ومن هنا
جاءت أهمية مجموعة
(صراع). فإذن كانت
هي بنت وقتها فحسب،
هذا كل ما في الأمر.
□
أنا لا أؤمن بفكر
الأجيال، أنا أومن
بالتواصل. وإذا
كنت منذ بدأت كتابة
القصة أؤمن بروح
التجديد، ومجموعة
(صراع) تحمل فعلاً
تجديداً واضحاً
في أساليبها عما
كان مألوفاً في
القصة العراقية
يومذاك، فأنا ماأزال
حتى اليوم أؤمن
بالتجديد، ولم
أتنكر له يوماً،
ولكن ليس نوع التجديد
الذي يفهمه البعض
على أنه الخروج
على المألوف، حتى
ولو بلغ حدّ الإيهام،
وأعتقد أن آخر
رواية صدرت لي
عام 2000 وهي رواية
(أوراق رئيس) وقبلها
(موت نذير العدل)
و(الخاطئة) هي مصداق
لقولي هذا، ولن
تجد أية رواية
من رواياتي مكتوبة
بنفس الأسلوب،
ولذلك فإنني أرفض
أن أصنّف ضمن جيل
معين من كتاب الأدب
القصصي في العراق.
□
لا أفضّل رواية
على أخرى، فكلهم
أبنائي (ولنستعير
هذه العبارة من
الكاتب المسرحي
آرثر ميلر)، والأب
لا يفرّق في حبه
بين أبنائه.
● يطلق عليك
الكاتب القصصي
والروائي المخضرم
لتواصلك مع الكتابة
حتى الآن دون توقف..
ولولا محاولاتك
المستمرة في التجديد
لما واصلت حتى
الآن ولما كتبتَ
رواياتك الأخيرة
ومنها (هيله)، (الهوية)،
(امرأة ضائعة)،
(الطائر)، (قصة حب)،
(موت نذير العدل)،
(الخاطئة) وأخيراً
رواية (أوراق رئيس)
التي تعدّ واحدة
من أهم الروايات
التي كتبت عن الدكتاتورية،
فماذا يعني لك
التوقف عن الكتابة؟
وما أهميتها بالنسبة
لك..
□
التوقف عن الكتابة
يعني لي الموت،
وأشكر الله الذي
مدّ في عمري وأتاح
لي بذلك فرصة الكتابة،
فقد كان ينبغي
لي أن أموت في شباط
عام 1963 في حركة البعث،
وكان ثمة شعرة
تفصل بين حياتي
وموتي، مع مفكرين
آخرين أجلاء، وكان
جسر الشهداء سيكون
شاهداً على موت
كوكبة عظيمة من
مفكري العراق،
ولكن الله أراد
لي ولهم الحياة
فوصلنا بسلام إلى
معتقل رقم (1). أما
أهمية الكتابة
بالنسبة لي.. فأنا
أحب دائما أن أكون
شاهد عصري.
● ولماذا الجغرافية؟
أعني إذا كنت قد
عرفت ومنذ البداية
ميولك إلى الأدب
وانحيازك إليه،
لماذا درستَ الجغرافية؟
□
«مكره أخاك لا بطل»
فوزارة المعارف
هي التي فرضت عليّ
دراسة الجغرافية
حيث اختارتني عضواً
في البعثة العلمية
إلى مصر لعام 1947 ـ
1948، وكنت قد حققت
تفوقاً في درس
الجغرافية، بالذات
في الامتحان الوزاري
(البكالوريا) وبعد
أن درست الجغرافية
دراسة أكاديمية
أدركت أنها ليست
بعيدة عن ميدان
الأدب، فمحور الأدب
هو (الإنسان) ومحوري
الجغرافيا هما
(الأرض) و(الإنسان)
فليس هناك إذن
تناقض بين الجغرافية
والأدب فأحببت
الجغرافية كما
أحببت الأدب من
قبل.
● وبعد كل هذه
السنين، ما هو
الأقرب إلى نفسك
الأدب أم الجغرافية،
خاصة وأن البعض
يطلق عليك «شيخ
الجغرافيين العرب»..
من جانب آخر وصلت
أعمالك الأدبية
إلى (24) عملاً ما بين
مجموعة قصصية ورواية
ومسرحية؟
□
ووصلت أعمالي الجغرافية
إلى عشرين عملاً
ما بين تأليف وترجمة،
وليس للجغرافية
«شيخ» بل «شيوخ» ربما
كنت أحدهم بسبب
سني.. وأجيبك باختصار
على سؤالك بالمثل
القائل «ما الحب
إلا للحبيب الأول».
□
أنا لا أجد أي فارق
بين هذه الأنواع
الثلاثة من الأدب
القصصي، فأنا في
الحقيقة أكتب المسرح
للقراءة بالدرجة
الأولى، وعلى المخرجين
أن يكيّفوا كتاباتي
للمسرح بما يتقنونه
من فن المسرح،
ورواياتي في الحقيقة
ليست روايات بالمعنى
الصحيح، فهي ما
يمكن أن يطلق عليه
اسم «قصة طويلة»
Long Story أو رواية
قصيرة ولذلك لا
أجد تبايناً في
ميادين كتابتي.
● مسرحيتك
(الدكتاتور) الصادرة
عام 1996 في اليمن،
واحدة من أهم المسرحيات
التي كتبت في العشر
سنوات الأخيرة..
إلا أن القليل
استطاع الاطلاع
عليها وعرف قيمتها،
فبمَ تعلل ذلك؟
□
ربما السبب يعود
إلى ضيق نطاق النشر
في اليمن، وأنت
تعرف ظروفه، أو
ربما لأن مسرحياتي
كلها تعالج قضايا
خطيرة لا يوافق
عليها الحاكمون
في كل الدول العربية،
أمثال مسرحية
(الشيء)، (القضية)
و(الغرباء) وكل
مسرحياتي القصيرة
ذات الفصل الواحد.
● عندما نقرأ
نصاً مسرحياً لشاكر
خصباك نعرفه له
دون حاجة للعودة
إلى اسمه، فهناك
خصوصية تميز نصوصه
المسرحية، فأعماك
المسرحية تتدخل
فيها الصفة القصصية
كونك قاصاً وخاصة
في بناء الشخصيات
وصياغة الحوار
والعكس صحيح. أيضاً
نجد الكثير من
قصصيك ورواياتك
تعتمد في بعض مشاهدها
البناء الدرامي
القريب من فن المسرح.
فإلى أي حد انتفع
مسرحك من كونك
قاصاً أو قصصك
من كونك مسرحياً؟
□
للإجابة على هذا
السؤال أقول إنني
بدأت أساساً ككاتب
قصة لا ككاتب مسرحية،
وبدأت كتابة القصة
مبكراً، ولم أكن
في تلك المرحلة
قد شاهدت المسرح،
فقد تربيتُ في
مدينة صغيرة هي
مدينة (الحلة) وكما
تعلم فالمسرح عندنا
لم يكن له في تلك
المرحلة المبكرة
وجود حتى في بغداد
العاصمة، ولم يكن
المسرح يعرف في
العراق إلا على
خشبات المسارح
الصغيرة التي كانت
تقام في المدارس
وهو مسرح بدائي
بطبيعة الحال،
ولم يعرف العراق
المسرح الحقيقي
إلا بنشوء معهد
الفنون الجميلة
بداية الأربعينات
في بغداد على يد
المرحوم (حقي الشبلي)
ورغم ذلك فحال
المسرح لدينا في
العراق كان مختلفاً
عما هو في مصر ولبنان
وسوريا وإن أصبح
في العقود الأخيرة
أكثر تطوراً، وإذا
ما نظرنا إلى المسرح
فإنه ومنذ مطلع
القرن العشرين
وربما منذ نهاية
القرن التاسع عشر
ظهر نشاط مسرحي
في لبنان وسوريا
ومصر على أيدي
مسرحيين معروفين
من أمثال (مارون
النقاش، والقباني،
ويعقوب صنوع) وهم
معروفون لكل المعنيين
بتاريخ المسرح
والحركات المسرحية،
وإن كان ذلك النشاط
قد تعرض لفترات
ازدهار وخمول حسب
الظروف وأريد أن
أؤكد هنا أن مصر
بالذات شهدت منذ
العقد الثاني من
القرن الماضي والعقد
الثالث على نحو
الخصوص نشاطاً
مسرحياً مزدهراً
كان على رأسه جورج
أبيض ويوسف وهبي
وعزيز عيد وعبد
الرحمن رشدي، فليس
غريباً أن يبرز
كتاب مسرحيون مرموقون
في مصر مثلاً،
فقد تربى البعض
منهم في حضن المسرح.
فكاتب مسرحي مثل
توفيق الحكيم قد
تربى في حضن المسرح
بمعنى هذه الكلمة
ومنذ كان في مقتبل
عمره ومارس الكتابة
المسرحية للفرق
التمثيلية وهو
في العشرين من
عمره. أما في حالة
المسرح العراقي
فلا يمكن أن يدعي
أي كاتب مسرحي
عراقي أنه تربى
في حضن المسرح،
ولهذا يمكنني القول
إن مسرحي هو الذي
استفاد من كوني
قاصاً وليس العكس،
وطبعاً انعكس ذلك
على اهتمامي ببناء
الشخصية والحوار
الحي الدقيق الذي
يعبر عن الشخصية
تعبيراً داخلياً
وخارجياً والحقيقة
إن اهتمامي بالمسرح
قد حدث لا نتيجة
لقراءاتي بل نتيجة
لاحتكاكي العملي
بالمسرح أثناء
دراستي في أوروبا
وعلى نحو التدقيق
في إنجلترا، فمسارح
لندن ماتزال تمثل
أرقى المسارح في
العالم، ولا تدانيها
إلا مسارح فرنسا،
وأنت تعلم بالطبع
أن التراث المسرحي
الإنجليزي يعود
لقرون عديدة وقد
أدمنتُ مشاهدة
المسرح أثناء دراستي
في إنجلترا وانتفعت
من ذلك كثيراً
وهكذا ترى أن أول
مسرحية لي هي مسرحية
(بيت الزوجية) قد
ظهرت عام 1962 وكنت
قد نلتُ شهادة
الدكتوراه وعدت
إلى بغداد لأكون
أستاذاً في جامعة
بغداد منذ عام
1958 أي أن هذه المسرحية
قد ظهرت بعد عودتي
من لندن بأربع
سنوات. وهكذا ترى
أن مسرحي هو الذي
انتفع من كوني
قاصاً وليس العكس.
● تشيخوف كاتب قصصي أثّر في كتاب القصة العرب كثيراً، ولا يخفي شاكر خصباك وهو يذكر ذلك في كتابه (ذكريات أدبية) تأثره بهذا الكاتب العظيم، وتشيخوف ليس كاتب قصة فحسب إنما هو من أعلام المسرح العالمي الكبار أيضاً، فهل اتجاه شاكر خصباك إلى المسرح بعد أن كتب القصة جاء بتأثير من تشيخوف أيضاً، أم أنه وجد في المسر