المتنبي
على لسان الجواهري
|
فتىً لوّى
من الزمنِ العِنانا |
|
تحدى الموتَ
واختزلَ الزمانا |
|
وآلى أن
يكونَهما فكانا |
|
فتىً خبطَ
الدُنى والناسَ
طُراً |
من الوهلة
الأولى، حتى التأمل
العميق، ظللتُ،
وأنا أدرس هذه
القصيدة مذهولاً
أقول: كيف يمكن
أن يكون هذان البيتان
مطلعاً لقصيدة،
أو مدخلاً لموضوعها
مهما يكن.. مدحاً،
أو رثاء، أو تأملاً،
أو تأريخاً، أو
ما شابه ذلك، أو
حتى ما خالف ذلك..
مطلعاً لقصيدة
عدادها ثلاثةٌ
وثمانون بيتاً
(!!) إذ ليس ثمة ما يشعر
بكون هذين البيتين
مطلعاً سوى التصريع
في الأول منهما.
كيف
يكون مطلع قصيدة
طويلة كهذه مفاجئاً،
ومتفجّراً هكذا،
من أول وهلة، ومحتدماً؟!
كيف
يكون المطلع هكذا،
ولدى الشاعر عشرات
الأبيات القادمة؟!
ثم
إذا كان الشاعر
يبدأ بمثل هذا
المطلع المتفجّر،
فماذا تُراه سيفعل
في ما يلي ذلك من
أبيات..
إنني
أقول ذلك قصداً
وعمداً من أجل
ما أحسستُ به من
حميمية بين الصنوين
العظيمين: متنبِّينا
وجواهريِّنا..
إذ المطلع ينبئ
ـ قبل أي كلام ـ
بأن القائل والمقول
عنه متلاحمان حدَّ
التفجّر، وأن القائل
ينحو، منذ البدء،
نحو التماهي الخارق،
رغم إطار الإشادة
والمديح، إذ أن
كل ما يرد وصفاً
أو مديحاً للمتنبي
على لسان الجواهري،
هو وصف ومديح للجواهري
ذاته.. ولا أريد
ـ هنا ـ أن أشدّد
على هذه الوجهة،
فهي ـ إذا صحّت
ـ أمر سيكولوجي
المنشأ عند الجواهري،
مثلما هي عندي
باعتباري متذوقاً
ومحللاً، وذلك
أمر غير ملزم لأحد
سواي، وسوى النص..
نص الجواهري.
..
ونعود ثانية، وعلى
نحو من الموضوعية
النقدية، إلى ذلك
المطلع العجيب..
المطلع المفاجئ
والمتفجّر منذ
الكلمة الأولى
وكأنْ لا بيتَ
بعده، ولا كلام..
«تحدّى».. ثم «الموت»..
ثم «الزمان» وعنان
الزمان!
أيكون
ذلك خلاصة مثل
المقدمة، أو هو
«فَرْشُ الكتاب»
كما اعتاد أسلافنا
أن يقولوا، ثم
يأتي بعده التفصيل؟!
إن ذلك ممكن ووارد،
ولكنه لن يطفئ
تساؤلنا الإبداعي
حول هذا المفتتح
العجيب لقصيدة
تجاوزت الثمانين
بيتاً، إذ غالباً
ما يكون الافتتاح
لقصيدة كلاسيكية
طويلة بالغزل التقليدي،
أو بالحكمة، أو
بالوصف.. أما أن
يكون المفتتح هكذا،
وبهذا البيت، فماذا
ـ إذن ـ سيكون،
بعد هذا التفجر
الخارق والهائل،
من كلام في أكثر
من ثمانين بيتاً؟!
أقول هذا،
ومازلت لم أتطرق
إلى ثاني البيتين
في هذا المطلع:
|
وآلى أن
يكونهما فكانا |
|
فتىً خبطَ
الدُنى والناسَ
طُراً |
إن مفردات
هذا البيت الثاني
لا تقلّ خطورة
عن مفردات البيت
الأول، بل إن مضمون
هذا البيت إنما
هو تصعيد بعيد
المدى لما ورد
تمهيداً في البيت
الأول الذي اعتبرناه
تفجيراً مفاجئاً،
ندر أن يأتي في
المطالع عموماً،
فكيف يأتي هكذا
في مديح للمتنبي
الذي ندر عنده
أن يمدح بدون الغزل،
رغم أنه فوق الغزل
(فيما هو سيّد الغَزِلينَ
شعراً)؟!
كيف
إذن يكون ما كان
لمحمد مهدي الجواهري،
وهو يخاطب صنوه
المتنبي، مادحاً
بعد ما يزيد على
الألف عام؟.. كيف
يخاطبه هكذا، وبلا
مقدمات.. بل نقول
كيف يحكي عنه،
وفي قصيدة طويلة
كهذه، بلا مقدمات،
ولا غزل، ولا ما
شابه.
أليس
في ذلك مدعاة للقول
بأن (فتى الفتيان..
المتنبي) هو في
نظر صنوه الجواهري،
شاعر فوق الغزل
التقليدي:
|
أكلُّ فصيحٍ
قال شعراً مُتيّمُ! |
ألم
يقلها المتنبي؟
فهل يغفلها الجواهري،
حتى لو أغفلها
خلق الله أجمعين؟!
إن
الجواهري يفجّر
نفسه على نحو تفجير
المتنبي لروحه،
فيوقع فأسَ الإبداع
المراد في جذع
المعنى المراد.
ونمضي
مع شاعرنا.. بل نحن
ماضون مع الشاعرين:
الجواهري والمتنبي..
بل مع المتنبي
على لسان الجواهري
الذي يتابع ذلك
التفجر المقصود،
ودون مقدمات.. يتابعه
قائلاً:
|
بوادي (عَبقَرَ)
افترش الجنانا |
|
أرابَ الجنَّ
إنسٌ عبقريٌ |
إن
انتقال الجواهري
إلى هذه الصورة
ـ المعنى يأتي
امتداداً طبيعياً
ومدهشاً لما ورد
في بيتي المطلع،
ذلك أن الذي «تحدّى
الموت» والذي «اختزل
الزمانا» والذي
«لوّى» عنان الزمان،
والذي «خبطَ الدنى
والناس» والذي
قرر أن يكون الدنى
والناس، فكان له
ذلك.. إن هذا الذي
حقق كلّ ما تقدم،
لا يكون مكانه،
إذن، إلا (وادي
عبقر)، ولكنه بدلاً
من أن يكون في «رعاية»
الجن في (عبقر) صار
جنُّ ذلك الوادي
في «ريبة» منه، هو
الإنسيّ، لما له
من عجائب أدهشَتِ
الجنَّ وأدخلتْهم
في «الريبة».. فيروح
الجواهري يهزج
بما صار يلقاه
(أبو محسَّد) وينعم
به في وادي العبقرية:
|
ـ وهنّ الفاتناتُ
ـ به افتتانا |
|
تطوفُ الحورُ
زِدْنَ بما تغنّى |
وبعد
ذلك ـ وعبر سبعة
أبيات ـ نرى (حور
عبقر) قد «ضفرن جدائلاً»
و«.. ناوَحْنَ عوداً..»
و«صَفَفْنَ له
المشارب..».. و«ذوَّبْنَ
اللُغى..» إلى آخر
ما في ذلك من ترحاب
يليق بمن «أرابَ
الجِنَّ»!
ثم
يأتينا المورد
الأول من قصيدة
الجواهري عن المتنبي،
مَورداً «غير مصَرَّع»
مثلما ستأتي كل
الموارد حتى نهاية
النص.. إنه يقول
عن المتنبي قول
الشاعر المتماهي
في عبقرية الإنسي
الذي أراب الجن:
|
رهافاً،
مشرئباتٍ، حسانا |
|
دماً صاغَ
الحروفَ مجنَّحاتٍ |
إنه
مورد اعتيادي فيه
تمهيد، على الرغم
من الوقع السيئ
لكلمة «الدم» هنا!
ويستمر الجواهري
في تأسيس المورد
الذي يُعنى بالحروف
التي عالجها المتنبي،
فيمضي في القول:
|
وتحت الشمس
كنَّ له مكانا |
|
فُوَيقَ
الشمسِ كنَّ له
مداراً |
|
فيعصفُ
قاصفاً ويرِقُّ
آنا |
|
وآبَ كما
اشتهى يشتطُّ
آناً |
|
فننسى عبر
غمرتهِ هوانا |
|
وفي حاليه
يَسحَرنا هواهُ |
..
بعد هذا التغني
بمواهب (أحمد) في
اللغة وشعرها،
لا يجد الجواهري
لشاعره إلا القول:
|
فقال كلاهما:
إنّا كلانا! |
|
فتىً دوّى
مع الفلكِ المدوّي |
إنه
ـ حقاً ـ لبيت عجيب،
وإنه لأعجب خاتمة
لمورد قصير في
قصيد طويل.. وإنه
لبيت فريد في ما
هو موقَّع لصالح
أمور عديدة، رغم
كونها باسم (فتى
الفتيان.. المتنبي).
..
ترى كيف يكون دويُّ
الفتى؟ ثم كيف
يكون هذا الدويّ
موازياً لدويّ
الفلَك، أو متناغماً
معه؟.. إنهما يتماهيان:
دوي المتنبي مع
دوي الفلَك (الكون)،
حتى يقولا كلاهما:
«إنّا كلانا»! إنه
التصعيد المثالي
والمدهش الذي يكاد
أن يُخرجَ هذا
البيت من مضمار
المديح، ليضعه
في مضمار ظاهرة
طبيعية أو تكاد،
رغم أنها في منتهى
الخيال، ونحن هنا
لا نملك إلا «الدهشة
الموافِقة» إزاء
تعبير لغوي غير
مسبوق، بل هو نتيجُ
خيالٍ خارق، استخدم
أبسط صياغة للجملة
الاسمية: «إنا كلانا»
التي هي صحيحة
لغوياً، غير أنها
مخالفة، على نحو
خارق، للمنطق وطبيعة
الأشياء والأحياء..
فكيف ـ إذن ـ نتعقّب
هذا البيت الطائر
حتى لانهاية الخيال،
والمستقرَّ حدَّ
وضوح الجملة الاسمية
النموذجية (مبتدأ
وخبر).
إن هذا
البيت ليضعنا في
محنة نرضاها بنشوة
لانهائية، وحيرة
محبَّبة، بين عظمة
المتنبي الذي استحقّ
هذا الوصف، وعظمة
الجواهري الذي
اجترح هذا التعبير..
إن هذا البيت الشعري
العربيَّ لآيةٌ
أشدُّ وقعاً في
نفسي من الخسوف
والكسوف، لأن كلا
الأخيرين ظاهرة
طبيعية، بينما
الحال مع بيت الجواهري
هذا هو كونه ظاهرة
خيالية خارقة،
تمظهرت من خلال
الصيغة اللغوية
الأبسط، والنحوية
الأيسر، ولكن كيف
تحمّلت حروف المباني
وحروف المعاني
في هذا البيت ما
تحمل من كل ما تقدّم
من دهشتنا؟!
ترى أيّ زند
قدحه الجواهري
فجاء هذا التعبير؟!
وأيةُ
مخيلة طرقَتْهُ،
أو طرقَها.. أم أنهما
(المخيلة والجواهري)
قد تطارقا، فتماهيا،
فكان هذا المنجز
المدهش.. هذا التعبير
الموطَّأ له بالقول:
|
فتىً دوّى
مع الفلَكِ المدوّي |
وتلك توطئة
مدهشة بحد ذاتها،
ولا يباريها، ولا
يبزّها سوى:
|
فقال كلاهما:
إنّا كلانا! |
* * *
يحسُنُ
بنا ـ الآن ـ أن
نشير إلى «ظاهرة»
معروفة في شعر
المتنبي، ألا وهي
فخر المتنبي، متى
مدح ممدوحاً مهما
يكن، وعلى رأس
ممدوحيه (سيف الدولة)
الذي هو ما هو في
تجربة المتنبي
وتاريخ العرب والمسلمين،
ولكن الجواهري،
في هذا النص، يجترح
خطوة غير معلنة،
ولكنها محسوسة،
فتكون كل أبياته
مدحاً للمتنبي،
فيما تتضمن معظمها
فخراً بالنفس،
ولكنه ـ وكما أحسسته
ـ فخر خفيٌ، ودودٌ،
وفيه فيض من محبة:
|
بأنّ فتى
بني الدنيا فتانا |
|
فيا ابن
«الرافدين» ونِعمَ
فخرٌ |
المتنبي
هو ابن الرافدين،
مثلما هو الجواهري..
وكلاهما مفخرة
لنا ـ نحن أبناء
العربية ـ تالِداً
وطارِفاً.. إن حرارة
المدح هنا، من
حرارة الفخر عند
الجواهري، والعكس
صحيح، إذ حرارة
الفخر، أججت عمق
المحبة التي يحسها
إزاء سلفه العظيم،
بل يمكننا القول
إن الجواهري الذي
يقول روحه من خلال
المتنبي، إنما
يقولها للمشتَرَك
الذي بينهما.. المشترَك
الذي تعمّق بعد
إرهاصات ألف عام
من الانتصار والاندحار،
فكان المشترك أعمق
بألف عام، حصة
المتنبي منه محفوظة
بما بلغته حوادثه
المعاصرة وبلاغته
المعبّرة. أما
حصة الجواهري فهي
باهظة بما جرى
بعد أبي الطيب،
وبما رآه الجواهري،
ساكن القرن العشرين
طولاً وعرضاً.
*
* *
..
ويتابع الجواهري
سيرة روح المتنبي،
عبر سيرة روح الجواهري
الحاصلة بعد أكثر
من ألف عام، فيقول
وكأنه يخاطب نفسه
بالخشوع ذاته،
وهو يخاطب أبا
الطيب:
|
به نفسٌ
مع المحنِ امتحانا |
|
حَبَتْكَ
النفسُ أعظمَ
ما تحلّتْ |
|
يَمُدُّ
لكل مائدةٍ خُوانا |
|
وذقتَ الطعمَ
من نكباتِ دهرٍ |
|
بكُنهِ
حياةِ من طلبَ
الأمانا |
|
وجهّلكَ
المخافةَ فرطٌ
علمٍ |
|
مع النوب:
التمرّسَ والمَرانا |
|
وأعطَتْكَ
الرجولةُ خَصْلتَيْها |
|
من الغمراتِ
أفظعَ عنفوانا |
|
فكنتَ إذا
انبرى لكَ عنفوانٌ |
إنه
(الجواهري) يفصّل
في روح المتنبي
وتجربته ومعاناته
تفصيلاً واجباً،
تفصيلاً ينطبق
على روح أبي فرات
الجواهري، وتجربته
ومعاناته انطباقاً
مؤثراً، حتى يختم
المورد ببيت يجعل
الطودين يعتنقان:
|
لأنّكَ
كنتَ وحدَكَ مَعْمَعانا |
|
وكنتَ كِفاءَ
معمعةٍ طحونٍ |
هذا
ما كان من أمر المتنبي،
وهو الذي كان من
شأن الجواهري،
وربما كانت حصة
الجواهري من ذلك
مضاعفة وأشد مرارة،
لأنه عاش مقدار
عمرين من عمر المتنبي،
وكان الجواهري
بحد ذاته معمعاناً
منذ عشرينات هذا
القرن العشرين..
منذ خرج من (النجف)
كمن يخرج من الكوفة
«الحمراء»، كوفة
المتنبي.. الكوفة
التي ورثها الجواهري
من المتنبي، كما
لم يرثها أيُّ
شاعر فراتي المشرب
غيره. صحيح أن الجواهري
نجفي، ولكن خروجه
من النجف كان مثل
خروج المتنبي من
الكوفة، فكلاهما
غادر مكانه، وهو
في عهد الفتوة،
وكلاهما لم يعد
إلى مكانه، لأنه
مطلوب حيث تكون
المعمعات. ومثلما
كان المتنبي لا
يمدح إلا عن قناعة،
كان الجواهري كذلك،
مهما يكن رأينا
حول تلك القناعة،
أو حول أولئك الممدوحين..
إن الجواهري، عندي،
كوفيُّ المزاج،
كوفي الشعر، كوفي
الثورة، إذ لا
اعتراض على من
يقرنه ـ أو يقارنه
ـ بالمتنبي الكوفي
مزاجاً وثورة وإبداعاً.
.. ويتابع الجواهري
نشوته في مخاطبة
أبي الطيب، مثل
نشوةِ مَنْ يحدّث
نفسه:
|
فجلّى غامضٌ
منها وبانا |
|
أسَلتَ
الروحَ في كَلِمٍ
مَواتٍ |
|
وكم غاوٍ
ألحّ به فخانا |
|
وطاوعَكَ
العَصيُّ من المعاني |
ولا
شك أن أبا فرات،
وهو يقول الشطر
الأخير، كانت تلحّ
عليه صورٌ من منافسيه
غير الجديرين بمنافسته،
بل هم كأولئك الحساد
الذين كان يضيق
بهم أبو الطيب
حين قال:
|
ويسهرُ
القومُ جرّاها
ويختصمُ |
|
أنام ملءَ
جفوني عن شواردها |
والأكثر
إيجاعاً من أولئك
هم الزعانف، أدعياء
الشعر الذين شكا
منهم أبو الطيب
قائلاً:
|
ضعيفٌ يقاويني،
قصيرٌ يُطاولُ |
|
أفي كل يومٍ
تحت ضِبْني شُوَيعِرٌ |
|
وقلبي بصمتي
ضاحكٌ منه هازلُ |
|
لساني بنطقي
صامتٌ عنه عادلٌ |