الموقف
الملتزم وتداعيات
الغربة
د.
صبيح الجابر
أكدت
نظرية الأدب على
أن الأدب في حقيقته
ليس انعكاساً للعملية
الاجتماعية، لكنه
جوهر التاريخ بأكمله،
وخلاصته وموجزه..
وأدب الجواهري،
الذي صاحب عالم
القرن العشرين
منذ نهوضه الحضاري،
وتطلعات مجتمعاته
نحو التحرر حتى
خواتم القرن، كان
عنواناً لحركة
المجتمع العراقي
ونزوعه نحو الحرية
والتقدم، إذ اختار
هذا الشاعر العبقري
الانحياز الكامل
لأبناء بلده بقومياتهم
وأقلياتهم المختلفة،
وراح يرصد بواقعية
خلاّقة معاناتهم
وهمومهم وطموحاتهم
اليومية على أرض
الواقع المنظور،
فاتجه بالقصيدة
الكلاسية من موضوعاتها
الموروثة، المبنية
أصلاً على المسلمات
التقليدية نحو
إنسان عصره، وحركة
واقعه المتخلف
ـ آنذاك ـ وهو في
جهده هذا قد أدخل
مذهب الواقعية
في آخر تجلياتها
المتطورة إلى أدبنا
العربي الكلاسي،
متجاوزاً بذلك
رومانسية من سبقه
من شعراء العربية
في الموضوع، وفي
نسيج اللغة ومفرداتها
الأصيلة. وهو في
جهده هذا أيضاً
كان قد اقترب من
جهد الأديب الخالد
تولستوي، الذي
نمّى التقاليد
الواقعية القديمة
بطريقة أصيلة ومناسبة
لعصره، لا من ناحية
المضمون فقط، وإنما
من الناحية الفنية
كذلك، وراح ـ كبقية
الشرفاء من الأدباء
ـ يبتعد رويداً
رويداً عن الطبقة
الحاكمة، معتبراً
حياتها نموذجاً
للفراغ، والخلو
من المعنى والإنسانية،
وظلت قدرته على
عرض الوطنينْ:
وطن الملاك الإقطاعيين
ووطن الفلاحين،
هي نقطة الارتكاز
في جميع أعماله(1).
الأمر
الذي أكده الجواهري
في مذكراته حين
قال: «دخلت السياسة
ـ إن صحت هذه التسمية
ـ من أبواب أخرى،
من باب حب المشاركة
للناس، ولو كنت
مخلوقاً لغير هذا
المفهوم من السياسة،
أي أن أكون لبنةً
في عمارة الحاكمين
لعرفت طريقي إليها،
بيد أني مخلوق
لأكون هذا الذي
أنا عليه الآن»(2).
فقصيدة
الجواهري من النوع
الذي أكد عليه
هيغل، لا يمكن
أن تكون نتاج شعور
طارئ، بل هي عملٌ
أُعمل فيه الفكرُ
بتروٍّ.
لقد
أدرك الجواهري
مبكراً مسؤوليته
إزاء مجتمعه، ورسم
بدقة دوره في سياق
العمل الوطني التحرري
فنمّى مع نمو بنيته
الجسدية قصيدته
الثائرة بوجه من
اعتبرهم طغاة وجلادين
لشعوبهم، ولهذا
كان المضمون الاجتماعي
هو المسيطر الأول
في شعره. ففي ديوانه
الأول، وكذلك ديوان
(بريد الغربة)،
يظهر الشاعر ملتزماً
بقضايا مجتمعه
في الحياة والعيش
الكريم، والتزام
الجواهري لم يكن
لخط سياسي ما،
لكنه مع مَن يضع
مصلحة الناس فوق
مصلحته الشخصية،
فهو كما يقول في
مقدمة ديوانه
(بريد الغربة) «غير
ملتزم إلا بضميري،
ضميري وحده، بل
أنا ملتزم بمزاجي
الشخصي فقط مع
كل فئة شريفة عملت
وانتصرت لفئات
عديدة». وهو القائل:
|
ولقد تُمار
لتحلبَ الأغنامُ |
|
شعبٌ يُجاعُ
وتُستدرُ ضروعُه |
|
منْ فرْطِ
ما ألوى به الحكامُ |
|
وتعطّل
الدستورُ عن أحكامِهِ |
|
والهمسُ
جُرمٌ والكلامُ
حرامُ |
|
فالوعي
بغيٌ والتحررُ
سُبّةٌ |
هذه
هي إذن رؤية الجواهري
لواقعه، وواقع
عصره، وعلى أساس
هذا الفهم الواعي
والإدراك العميق
لهما كوّن وبنى
موقفه الأخلاقي
من كل ما يدور حوله
من صراعات وجدل
وطموحات وآمال
وتضحيات واستشهاد،
وكان قد اختار
الكلمة الصادقة
لتنطق بالحقيقة،
لأن قول الحقيقة
ـ كما يقول أنطوني
غرامشي ـ هو فعل
ثوري، الأمر الذي
أملاه عليه واجبه،
باعتبار أن الفنان،
إجمالاً، مسؤول
عن تقدم مجتمعه
وتأخره، لأنه مشارك
فيه، ولأنه متأثر
به ومؤثر فيه،
ولعل مسؤولية الأديب
أعظم شأناً، وأبعدُ
خطراً، لأن الأدب
وحده من دون سائر
الفنون يقوم على
مادة الألفاظ اللغوية،
أي على مدلولات
معنوية صريحة(3).
ولما
كانت قصيدة الجواهري
تنطلق من تفاعلات
الواقع وصراعاته،
فإنها لا تعتمدُ
أصلاً على إعادة
صياغة الحدث أو
الفعل الثوري أو
المشهد النضالي
لاستدرار عواطف
المتلقي وإلهاب
حماسته، وتأجيج
مشاعره الثورية،
بل هي تخلق شحنةً
تفتح الرؤى والمدارك
والوعي بالواقع
المعاش، وما يمكن
أن يتمخض عنه لاحقاً،
أو أنها تدفع باتجاه
خلق وابتكار أفعال
وأحداث جديدة تعجل
بعملية التطور
والتقدم خطوات
سريعة نحو الأمام.
والجواهري
يؤكد هذا في مذكراته،
ويقول: «كيف لا يكون
هذا والمتحكمون
عبر التاريخ يخشون
الكلمة والموقف
ويخشون الحقائق
والمواجهة، ويخافون
من الجرأة الأدبية
والصراحة وانتماء
الملهمين إلى طبقات
الشعب»(4).
إن
مثل هذه المواقف
الراسخة والانحياز
التام إلى الواقع
والواقعية الاجتماعية
والسياسية، عادة
ما تكلف أصحابها
غالياً، والجواهري
كان قد هوّن من
محنته ومصيبته
وراح يستعيد ما
كابده المتنبي،
وهو القائل «حتى
المتنبي كابد ما
كابدت، وتحمل ما
تحملت، وتهجر ما
تهجرت، وشرد بمثل
ما شردت، ولكنه
مع هذا كله فقد
كان يقرّب يومه
الأخير بنفسه،
وكأنه يريد أن
يختزل كل مرارات
الحياة التي ذقتها
بعده بأكثر من
أيامه بثلاثين
يوماً. ومع هذا
فلا أدري لماذا
يذبح المتنبي رمز
القومية العربية،
وقبل هذا رمز البلد
الأول الذي أنجبه
وملأ به الدنيا
وشغل به الناس؟
لماذا يذبح في
وطنه وعلى مبعدة
أميال من بيته
(من بيتي أيضاً)
وأهله في العراق؟»(5).
قال
تعالى: «ولو أنا
كتبنا عليهم أن
اقتلوا أنفسكم
أو اخرجوا من دياركم
ما فعلوه إلا قليل
منهم».
ظاهر
الابتعاد والتغرب
عن الديار ليست
جديدة على الإنسان
العربي، فقد عاش
أجدادنا القدماء
بين حل وترحال
لملاحقة أسباب
العيش أو للابتعاد
عن الصراعات القبلية
والخلافات التي
كانت ظاهرة مألوفة،
وخاصة في عصر الجاهلية،
تلك الصراعات التي
عُرفت بأيام العرب
أو وقائع العرب،
التي ـ غالباً
ـ ما تدوم طويلاً،
ويذهب بسببها الكثير
من أبناء القبائل
وفرسانها.
هذا
الترحال وما يخلفه
من معاناة وحنين
ترك آثاراً واضحة
في نفسية الإنسان
العربي انعكست
بوضوح في أشعار
ذلك العصر، وأضحت
عنصراً أساسياً
في بناء القصيدة
الجاهلية أطلق
عليه بالمقدمات
الطليلية التي
لا تخلو منها قصيدة
من قصائد الشعراء،
باعتبارها تعبيراً
عن معاناة غربة
المكان، وحنيناً
إلى الديار الدارسة.
تُضاف
إلى هذه الغربة
غربة أخرى هي غربة
الروح أو غربة
الذات أو الغربة
الداخلية، التي
قال عنها أبو حيان
التوحيدي: «أغرب
الغرباء من صار
غريباً في وطنه،
وأبعد البعداء
من كان بعيداً
في محل قربه».
غير
أن شعراء الجاهلية،
وخصوصاً شعراء
المعلقات، لم يبلغوا
من الألم والحسرة
بسبب غربتهم المكانية
ما بلغه الشعراء
الآخرون في العصور
اللاحقة، حتى طرفة
بن العبد، صاحب
المعلقة الثانية
لم يترجم هذه المعاناة
بأسفاره رغم ما
عاناه من حرمان
وتشرد كانت نتيجته
الموت على يد ملك
الحيرة، الذي جاء
إليه لاجئاً من
بطش القبيلة وقوانينها
وعاداتها وتقاليدها.
وهكذا
نجد أن غربة طرفة
بن العبد وتشرده،
ومن ثم مقتله،
جاءت نتيجة اختياره
لأسلوب حياته الخاصة،
أو كما يراها البعض
كانت نتيجة طبيعية
لتمرده على عقلية
قومه وتفكيرهم،
وعدم التزامه بما
تتطلبه التقاليد
القبلية وعرف البادية
وقوانينها الموروثة
التي فرضت عليه
وعلى أجيال عديدة
من قبله ومن بعده
دون أن يكون له
أو لهم رأي فيها
أو في وضعها.
وقد
ترك لنا طرفة أطلالَ
حبيبته (خولة) بعد
أن رواها بدموع
غربته وبعاده:
|
ظللت بها
أبكي وأبكي إلى
الغد |
|
لخولة أطلالٌ
ببرقة ثهمد |
|
يقولون:
لا تهلك أسىً وتجلّدِ |
|
وقوفاً
بها صحبي عليّ
مطيهم |
لكن
الغربة الحقيقية
ـ كما يبدو ـ كانت
قد ولدت في العصر
الجاهلي على أيدي
الشعراء الصعاليك،
حيث مثلت حركتهم
في ذلك العصر ثورة
وتمرداً على تقاليد
القبيلة وقوانينها
وأعرافها، ومن
خلال هيامهم في
البيد غالباً ما
يتذكرون أوطانهم
ويحنون إليها.
فالشنفرى
في (لامية العرب)
نجده حكيماً وفيلسوفاً،
يفلسف الهروب من
العذاب، ومن ظلم
القبيلة، ويبحث
عن سعادته في أرض
الله الواسعة بعد
أن اتخذ من البيداء
ملاذاً ومهرباً
من ظلم المجتمع
وسلطان القبيلة
التي نبذته وحكمت
عليه بقوانينها
الجائرة، فهو يقول:
|
وفيها لمن
خاف القِلى مُتعزَّلُ |
|
وفي الأرض
منأىً للكريم
عن الأذى |
|
سرى راغباً
أو راهباً وهو
يعقلُ |
|
لعمرك ما
في الأرض ضيقٌ
على امرئٍ |
وفي
العصر الأموي،
ربما كان مالك
بن الريب هو خيرَ
مَن جسّد لنا هذه
المعاناة في قصيدته
التي قالها وهو
ينازع الموت متوحداً
مع غربة أشد عليه
من قساوة الموت
نفسه، وما لهذه
القصيدة من أثر
مدوٍ فقد ظل صوتُها
مسموعاً منذ العصر
الأموي وحتى يومنا
هذا، وحتماً سيظل
خالداً كذلك في
عصور أخرى لاحقة،
فهو القائل:
|
بجنب الغضى
أزجي القِلاصَ
النواجيا |
|
ألا ليت
شعري هل أبيتنّ
ليلةً |
|
وليت الغضى
ماشى الركابَ
لياليا |
|
فليتَ الغضى
لم يقطع الرِكبُ
عرضَه |
ويمضي قائلاً:
|
يدَ الدهرِ
معروفاً بأن لا
تدانيا |
|
غريبٌ بعيدُ
الدار ثاوٍ بقفرةٍ |
وحين انحاز
الكميت بن زيد
صاحب ديوان الهاشميات
إلى جانب بني هاشم
بشعره وبأفكاره،
تعرض إلى محاربة
شرسة من قبل السلطة
وصلت إلى حد إهراق
دمه طعناً بالسيوف
أيام مروان بن
محمد. وما جرى للكميت
جرى لغيره من شعراء
الفكر والموقف،
كالبحتري، والقاضي
الجرجاني، وصفي
الدين الحلي، والحلاج،
ومحي الدين بن
عربي، وغيرهم من
شعراء الموقف والمبدأ
والفكر.
وفي
العصر الحديث كان
الشاعر محمود سامي
البارودي أول شاعر
يتعرض للنفي خارج
وطنه في بداية
العصر الحديث،
أي في عام 1882. ثم بعد
ذلك يتعرض شعراء
فلسطين للتشرد
والاغتراب عام
1948.
مثلما
خرج عظماء الأدب
الروسي في القرن
التاسع عشر من
(معطف غوغول)، خرج
رواد القصيدة الكلاسية
الجديدة في العراق
من بين صفوف علماء
الدين ومفكري وأدباء
العراق وشعرائه
إبان عصر النهضة
في أواخر القرن
التاسع عشر، وبعد
تأثيرات أفكار
جمال الدين الأفغاني
ورفاعة الطهداوي
ومحمد عبده. وكان
في مقدمة هؤلاء
الشعراء، محمد
سعيد الحبوبي،
ومحمد مهدي البصير،
وأحمد الصافي النجفي،
والزهاوي والرصافي
والكاظمي والشبيبي،
ثم الجواهري الذي
كان أصغرهم سناً
كما يبدو. هؤلاء
مثلوا مرحلة أدبية
واحدة تكاد تكون
متقاربة الأبعاد
الزمنية، وعملوا
على تسخير أشعارهم
لخدمة قضيتين أساسيتين،
هما: القضية السياسية،
والقضية الاجتماعية،
وهما قضيتان حداثيتان
ـ إذا ما نظرنا
إليهما اليوم بمنظور
مطلع القرن العشرين
ـ تجاوز بهما شعراء
العراق مرحلة الرومانسية
الأوربية التي
امتدت تأثيراتها
إلى شعرنا العربي
في ذلك الوقت.
غير
أن اهتمام شعراء
هذه المرحلة بقضيتي
السياسة والمجتمع
العراقي لم يترك
لهم متسعاً من
التأمل والتأني
للارتقاء بالقصيدة
الكلاسية إلى مستوى
الإبداع الراقي
القيم، المنطوي
على عناصر التجديد
التي تمس البنية
النسيجية للقصيدة،
مثلما مسّ هذا
الاهتمام البنية
الموضوعية، وحرك
ذلك الواقع الراكد
في جميع مستوياته
السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية
والدينية والأدبية.
فالرصافي
الذي كان شاهداً
على عصرين: العثماني
والملكي، ورغم
العطاء الزاخر
الذي تميز به شعره،
إلا أنه لم ينعم
بالراحة ولم يهنأ
بالسعادة، فقد
عاش فقيراً ومات
وحيداً. إلا أنه
ربما كان أوفر
حظاً من صنويه
الكاظمي والجواهري،
لأنه مات ودفن
في وطنه. أما الكاظمي
فقد مات فقيراً
في القاهرة، والجواهري
اختار مقبرة (الغرباء)
في دمشق.
والجواهري،
الذي نشرت له جريدة
(العراق) في مطلع
العشرينات أول
قصيدة (الشاعر
المقبور) وعمره
ثمانية عشر عاماً،
كانت تحيطه دائرتان
من شعراء الكلاسية
الجديدة:
الدائرة
الأولى: نشأ وترعرع
بين شعرائها (الأحياء)،
الزهاوي والرصافي
والكاظمي والشبيبي.
والدائرة
الثانية: دائرة
الجيل الذي يتقدمه
هو كشاعر كلاسي
ناشئ، يصحبه فيها
علي الشرقي، وأحمد
الصافي النجفي،
والحبوبي، ومحمد
صالح بحر العلوم،
وغيرهم الكثير
من شعراء هذا الجيل،
الذين كانت لهم
عطاءات إبداعية
ثرة، وكانت لهم
مواقفهم المبدئية
الجريئة إزاء الأحداث
والمتغيرات المحيطة
بهم، حيث كانت
مثل هذه المواقف
والوقفات الوطنية
سبباً رئيسياً
في تشريد ونفي
وحرمان الكثير
منهم.
وبالرغم من بساطة النموذج الاجتماعي والسياسي الذي قدمه الشاعر النجفي، فإنه لم يس