التدويل والحطاب المضلل للسلطة العراقية

 

 

 

لطفي حاتم

 

مشروع التقرير السياسي المقدم إلى المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي العراقي، أحاط بالعديد من الإشكالات السياسية ـ الاقتصادية التي أفرزتها أزمة العراق السياسية، ومن هنا يتحتم القول إن التقرير كان شاملاً، وعاكساً الجهد الفكري الذي بذله العديد من الكتاب والباحثين والسياسيين بشأن الأوضاع في بلادنا. باختصار، إنه عمل جماعي يستند إلى تحليل ماركسي يواكب التغيرات الطبقية ـ الاجتماعية في التشكيلة العراقية بحيوية وموضوعية.

إن التقرير المشار إليه، رغم إيجابيته، لا يمنع الرؤية النقدية لبعض مفاصل مشروع التقرير، والتي يمكن حصرها بموضوعتين أساسيتين، الأولى منهما: أن بنية التحليل الموضوعية في التقرير السياسي لم يجر استثمار نتائجها بما يخدم ورسم سياسة جديدة تتسم بالمرونة والواقعية، الأمر الذي أدى إلى إبقاء ركائز الخط السياسي والبرنامج الاقتصادي بدون تغيرات تذكر. وثانيتهما تواصل التحام واشتباك الخط السياسي وحلقته المركزية إسقاط الدكتاتورية مع ركائز التدويل التي تحولت في مجرى الصراع الاستراتيجي على مستقبل العراق السياسي الاقتصادي إلى ركائز للستراتيجية الأمريكية.

انطلاقاً من تلك الملاحظات النقدية، تواجهنا الأسئلة التالية: كيف وُظفت ركائز التدويل في الصراع الداخلي؟ أي  هل استطاع المشروع الوطني الديمقراطي توظيف عوامل التدويل لصالح طموحات شعبنا في الديمقراطية والأمن الاجتماعي؟ و هل نجحت الدكتاتورية،من جانبها، في استثمار ركائز التدويل بما يخدم توجهاتها السياسية ـ الاقتصادية؟

إن الإجابة على التساؤلات المذكورة تتضمن آراء واجتهادات متباينة تبعاً لطبيعة المشاريع الدولية/ الإقليمية/ الوطنية المطروحة لحل أزمة العراق السياسية(1). وبقدر ما يتعلق الأمر بقراءتي لدبلوماسية السلطة العراقية، وخطابها السياسي، أرى تناولها بمحورين: يشترط الأول  تحليل خطاب السلطة ارتكازاً على تدويل الأزمة العراقية، وما يفرزه ذلك التدويل من مادة سياسية ـ فكرية لخطابها الوطني والعربي المضلل. أما الثاني فيتطلب تحديد المكونات الأساسية للدبلوماسية العراقية، وحركتها السياسية.

ولأجل إعطاء ملموسية أكبر للمحورين المشار إليهما وتزكية استنتاجاتهما نحاول ملاحقة ركائز التدويل وإفرازاتها الفكرية ـ السياسية على دبلوماسية السلطة العراقية.

 

دبلوماسية التوتر وخطاب القوة

لقد قادت العقلية الإرهابية للدكتاتورية ونهجها العسكري إلى هزيمة فكرية ـ سياسية للمشروع القومي ذي الشعارات الاندماجية وأفرزت واقعاً إقليمياً بديلاً يتبدى في العديد من المظاهر السياسية يتقدمها: القبول (العربي) بالتواجد العسكري المكثف في مياه الخليج، وما نتج عن ذلك من هيمنة عسكرية أمريكية تسعى إلى صيانة المصالح الاستراتيجية (الحيوية) للولايات المتحدة الأمريكية والدفاع عنها بدبلوماسية الردع العسكري. وثانيها القبول العربي بمشروع تسوية (سلمية) للصراع العربي ـ الإسرائيلي انطلاقاً من الإقرار بواقع اختلال التوازنات العسكرية/ الاقتصادية الإقليمية. وآخرها تخلي العديد من الأنظمة العربية عن مكتسباتها الوطنية ـ السياسية الاقتصادية تمشياً مع متطلبات المرحلة الجديدة من حركة رأس المال المدول.

لقد تلازم انهيار المشروع الإلحاقي للسلطة العراقية مع تطورات إقليمية جديدة، أهمها التحالف العسكري التركي ـ الإسرائيلي والانفتاح العربي على إيران الإسلامية، وتنامي دور الأخيرة في دعم الحقوق العربية ـ الإسلامية واستعدادها للتصدي للغطرسة الإسرائيلية، وما يعنيه ذلك من انهيار موضوعة البوابة الشرقية التي ارتكن النظام العراقي إليها في حربه ضد الجمهورية الإسلامية.

لقد وفرت ركائز التدويل التي أفرزتها غزوة النظام الخائبة للكويت فرصة جديدة لإعادة الروح في بعض مفاصل خطابه السياسي ولكن بصيغة قطرية، حيث وظفت الدبلوماسية العراقية تناقضات السياسة الدولية، وتضارب المصالح الإقليمية في لغتها السياسية.

لتقدير مشروعية هذه الاستنتاجات نتوقف عند بعض المفاصل الأساسية التي تعتمدها العقلية الحاكمة في خصوماتها الداخلية/ الإقليمية/ الدولية والتي يتصدرها:

 

أولاً: الحماية الدولية لكردستان العراق

رغم أن الحماية الدولية قد جاءت رداً على وحشية النظام وهمجيته إزاء الشعب الكردي، عزف النظام العراقي والقوى الشوفينية المتعاطفة مع سياساته  على مخاطر تقسيم العراق، وحاول جاهداً وضع المطالبة القومية للشعب الكردي الداعية إلى بناء الدولة العراقية على أساس الموازنة القومية بإطارات انفصالية. وبهذا المنحى، ساهمت ازدواجية معايير السياسة الدولية بشأن الحقوق القومية خاصة في تركيا والموقف الأمريكي من المطالبة الفلسطينية بالحماية الدولية في مد السلطة الدكتاتورية بموضوعة جديدة تحاول توظيفها في خطابها السياسي من خلال التركيز على ميزة الانفصال والتقسيم. وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن الحماية الدولية لكردستان العراق ساهمت، في أحد جوانبها، بتجميد الصراع مع الدكتاتورية انطلاقاً من السياسة الدولية الرامية إلى عزل النضال الوطني ـ الديمقراطي عن النضال القومي، وهذا ما يتماشى في الظروف التاريخية الملموسة مع سياسة السلطة العراقية الهادفة إلى إضعاف الكفاح الوطني المناهض لنهجها الإرهابي.

 

ثانياً: الحصار الاقتصادي والوصاية المالية

بات شائعاً أن الحصار الاقتصادي يشكل الركيزة الأساسية في التدويل ورغم اتساع المطالبة الوطنية/ الدولية بضرورة الإسراع في رفعه عن كاهل الشعب العراقي لما أفرزه من نتائج كارثية على المكونات الطبقية للتشكيلة العراقية، وما نتج عن ذلك من تحول الدكتاتورية إلى سلطة عشائرية متخلية عن التزاماتها (الوطنية) إلا أنها ـ السلطة ـ تراهن على استمرار الحصار والوصاية المالية لصالح توجهاتها الداخلية لغرض استكمال العديد من الأهداف منها (1) العمل على استكمال بناء قاعدتها السياسية بهدف تحويلها إلى طبقة اجتماعية مهيمنة على الحياة الاقتصادية من خلال حصر الثروة الوطنية في أيديها استناداً إلا استحواذها على ملكية الدولة وانفرادها بعمليات التجارة والتهريب. (2) مواصلة تفتيت مكونات القوى الاجتماعية في التشكيلة العراقية الحاملة للمشروع الوطني ـ الديمقراطي انطلاقاً من تشديد التبعية الاقتصادية (البطاقة التموينية) والتملص من الوظائف الاقتصادية ـ الخدمية للدولة بهدف خصخصة تلك الوظائف وما يعنيه ذلك من تعميق إفقار الشرائح الشعبية وتهميشها. (3) تمهيد الأجواء السياسية ـ الاجتماعية لغرض مواصلة احتكار السلطة عبر بناء الأسس الضامنة لتحول شكل احتكار السلطة من (الشرعية الانقلابية) إلى (الشرعية الوراثية). (4) محاولة حل أزمة البلاد السياسية/ القومية بصورة تدريجية اعتماداً على تطور الترابطات السياسية/ الاقتصادية بين المركز/ الإقليم وما يشترطه ذلك من تنازلات سياسية متبادلة.

 

ثالثاً: تقسيم الأجواء الوطنية

أدى استمرار تقسيم الأجواء الوطنية للدولة العراقية وتواصل العربدة الأمريكية المتمثلة بالقصف الجوي وخرق الأجواء الوطنية والإصرار على التشبث بسياسة التفتيش الرامية إلى نزع أسلحة الدمار الشامل وما تمثله تلك العناصر من قضايا خلافية في المحيط الإقليمي والأسرة الدولية أدى بالدبلوماسية العراقية إلى توظيف تلك العوامل وتطويرها إلى حافة التصادم واستغلالها لصالح الإبقاء على سياسة العسكرة الداخلية وإدامة التوترات الإقليمية.

استناداً إلى الموضوعات المثارة يواجهنا السؤال التالي: هل إن السلطة العراقية ورغم ضجيجها الإعلامي تبارك التدويل بهدف مساعدتها على الاستمرار في الحكم رغم انهيار شرعيتها الوطنية وأساليبها القمعية؟ بمعنى آخر هل يؤدي تفكيك مساند تدويل الأزمة العراقية إلى تفجير أزمة النظام السياسية؟ الإجابة على التساؤل المذكور تنطلق من تحليل مواقع ومكانة القوى الاجتماعية في التشكيلة العراقية المتنازعة على مستقبل العراق السياسي. بكلام آخر تحليل سياسة السلطة العشائرية وتحديد دبلوماسيتها الساعية إلى الإفلات من استحقاقات سياستها الحربية أولاً وقدرة المشروع الوطني الديمقراطي على تنمية الأنشطة السياسية الرامية إلى إنضاج العوامل الداخلية للتغيير الديمقراطي.

 

المكونات الأساسية لدبلوماسية النظام

يتحتم القول إن دبلوماسية النظام العراقي تتحرك ضمن هامش محدود من المناورة السياسية. ويعود ذلك إلى أن المحركات الدافعة لتلك الدبلوماسية تنطلق من عقلية سياسية خاوية ترفض منطق المواكبة والتجاوب مع تطورات العصر وروح التجديد. وبهذا المعنى فإن تلك العقلية الظلامية تسعى إلى تجاوز أزمتها السياسية وغياب شرعيتها الوطنية من خلال الاستمرار في تكريس سياسة التوتر الإقليمية ورفض كل التوجهات العربية الساعية إلى جر النظام إلى الإقرار بنبذ العنف في حل الخلافات الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة.

إن محاولة السلطة العراقية تجاوز أزمتها السياسية الداخلية والعربية تستند إلى توجهات فكرية سياسية تتمثل بالتالي:

 

أولاً: توظيف المشاعر القومية

أدت ازدواجية معايير السياسة الدولية، واختلال التوازنات الإقليمية إلى تأجيج المشاعر القومية وما رافقها من دعوات إلى تفعيل التضامن العربي، ومواجهة السياسة الأمريكية المنحازة إلى إسرائيل والتي عملت الدبلوماسية العراقية على استثمارها باتجاه إحياء المشروع القومي وخطابه السياسي الشوفيني المرتكز على مفردات العسكرة وقرع طبول الحرب. وهنا لابد من الإشارة إلى أن دبلوماسية النظام ارتكزت في مساعيها تلك على عجلتين؛ الأولى منهما محاولة ربط القضية الفلسطينية بالمسألة العراقية انطلاقاً من أوجه التشابه في الأساليب الأمريكية ـ الإسرائيلية المعتمدة في معالجة الأزمة العراقية والقضية الفلسطينية، حصار اقتصادي وقصف وتخريب البنية التحتية و ازدواجية في التعامل مع القضايا القومية. أما الثانية فتتمثل بالدعوة إلى تشديد الترابطات الاقتصادية مع المراكز العربية المؤثرة في الشأن العربي ـ الإقليمي، مصر ـ سوريا ـ بهدف مد وتحويل تلك الترابطات إلى اصطفافات سياسية.

خلاصة القول، إن الدبلوماسية العراقية تحاول توظيف ازدواجية معايير السياسة الدولية لغرض إحياء مشروعها القومي ذي الأغطية العسكرية بهدف إيجاد مشروعية عربية لنظامها الإرهابي تعويضاً عن غياب وانهيار شرعيتها الوطنية.

 

ثانياً: دبلوماسية التوتر والأزمات

تنطلق الدبلوماسية العراقية من نهج التوتر وخطاب القوة والتي تحاول من خلاله تجيير المشاعر القومية باتجاه (البطولة) والتصدي الفارغ للعدوان. وهنا يلاحظ أن اللغة السائدة في الخطاب السياسي للسلطة العراقية مشحونة بالتهديد والعنف والدعوة إلى التمرد والعصيان موزعة على محورين: الأول  ضد الجوار الإقليمي، مستهدفاً أمن الكويت واستقرارها الاجتماعي من جانب، ونسف المبادرات السلمية الإيرانية للتطبيع وافتعال الأزمات السياسية مع الجارة الإسلامية من جانب آخر. والآخر يسعى إلى تأجيج المشاعر العراقية ضد العدو الخارجي بهدف الاستمرار في إرهاق المواطن العراقي وتشديد وتيرة العسكرة والإبقاء على سياسة الطوارئ.

يمكن القول تلخيصاً إن دبلوماسية النظام الدكتاتوري ترتكز على وسائل العنف الداخلي وسياسة التوتر الخارجي بهدف إدارة أزمة البلاد السياسية ـ الاجتماعية، رافضة بعناد دبلوماسية التطبيع ونبذ سياسة العسكرة والتوتر التي من شأنها فتح الأبواب أمام استحقاقات وطنية يتلخص مضمونها بسؤال وطني ـ شعبي كبير: علامَ هذا الكم الهائل من الخراب والدمار؟ ولمصلحة من؟ ومن هو المسؤول؟. ومن هنا فإن الإجابة على تلك الأسئلة (الحارقة) تشترط وضع السلطة العراقية ورموزها ونهجها أمام المساءلة التاريخية والمحاسبة الوطنية.

انطلاقاً من الرؤية المشار إليها يواجهنا السؤال التالي: من هي القوى المستفيدة من تدويل الأزمة العراقية؟ ومن هي القوى المتضررة من تأجيل حل أزمة البلاد السياسية؟

إذا وضعنا هذه الأسئلة في إطار الصراع الاستراتيجي بين القوى المتنازعة على مستقبل العراق السياسي، نجد أن القوى الراغبة في الإبقاء على ركائز تدويل الأزمة العراقية تتمثل بقوتين أساسيتين، أولاهما: النظام العراقي الذي يحاول بناء شرعيته (القومية) بالدرجة الأولى من خلال التهرب من مسؤوليته الإقليمية والوطنية بإثارة الحروب والمنازعات وما نتج عنها من تراجعات خطيرة في الأمن الإقليمي وانقسامه إلى محاور عسكرية، فضلاً عن التملص من الاستحقاقات الوطنية المتمثلة بالديمقراطية والأمن الاقتصادي ـ الاجتماعي. وبهذا المعنى فإن النظام العراقي يسعى إلى مقاومة السياسة الأمريكية بخطاب شكلي يتحدد مضمونه بإدامة لغة الحرب والتوتر أملاً في الحصول على مكاسب إقليمية تمهد الطريق لفك عزلته السياسية وإعادة إدماجه في الأسرة الدولية. والقوة الثانية هي الولايات المتحدة الأمريكية واستراتيجيتها الرامية إلى استكمال بناء هيمنتها العسكرية ـ الاقتصادية على منطقة الشرق الأوسط استناداً إلى مصالحها (الحيوية) في الخليج العربي. وهذا الأمر  يشترط:

*        الإبقاء على ركائز تدويل الأزمة العراقي بهدف إبقاء العراق معزولاً عن منظومة الأمن الإقليمي الرافض للهيمنة الأجنبية، والاستمرار في محاصرة الدول (الراعية للإرهاب).

*        الاستمرار في دعم المحاور العسكرية وخاصة التحالف التركي ـ الإسرائيلي عبر تغذية التفوق العسكري الإسرائيلي وترسيخ اختلال التوازنات الإقليمية وصولاً إلى إرغام  بعض المراكز الإقليمية سوريا ـ إيران على الإذعان لشروط الهيمنة الأمريكية.

 

انطلاقاً من بنية التحليل ونتائجه الفكرية ـ السياسية نتوصل إلى بعض الاستنتاجات التي أراها ضرورية:

أولاً: يفضي استمرار تدويل الأزمة العراقية إلى تعميق وتخريب مستلزمات العمل الوطني ـ الديمقراطي المعارض وذلك من خلال استمرار تهميش قواه الاجتماعية الحاملة للمشروع والمناهضة للدكتاتورية، وما يشترطه ذلك من إعادة إنتاج الآليات الاقتصادية ـ السياسية الضامنة لمواصلة احتكار السلطة السياسية وما يعنيه من استمرار أزمة البلاد السياسية.

ثانياً: يشكل الإبقاء على ركائز تدويل الأزمة العراقية عاملاً أساسياً من عوامل تفجير الأمن الإقليمي وما ينتج عن ذلك من اصطفافات إقليمية ومحاور عسكرية الأمر الذي يبقي منطقة الخليج والشرق الأوسط في دوامة التسلح وترسيخ الهيمنة الأمريكية.

ثالثاً: تأسيساً على الموضوعتين المشار إليهما، فإن إنضاج مستلزمات التغيير في التشكيلة الوطنية يشترط العمل على تفكيك ركائز تدويل الأزمة العراقية مما سيساعد على تفجير أزمة البلاد السياسية وحلها لصالح الديمقراطية والأمن الإقليمي.

 

حزيران/ ‏2001

 

 

 

(1) انظر معالجتي لموضوعة التدويل في عددي (النهج) 24 و26، وكذلك (رسالة العراق) عدد حزيران 2001، و(طريق الشعب) عدد كانون الثاني 2001.