الشاعر والحاكم

 

 

زهير الجزائري

 

من هو الجواهري في مواجهة الحاكم؟

أهو الذي كتب اكثر من 48 قصيدة في مديح ملوك وحاكمين بينها تسع قصائد في مديح الملك فيصل الأول؟

أم هو الذي وقف وسط جمهور الوثبة ليحرضهم على تقحم رصاص الحاكمين والذي وقف أمام الحاكمين لـ«يغري الوليد بشتمهم والحاجبا» والذي عاش نصف عمره الإبداعي في المنفى بسبب موقفه من الحاكم ملكيا كان أم جمهورياً؟

إن الأمر أكثر تعقيداً من وضع الجواهري في واحدة من الخانتين: مداح الحاكمين، أم المحرض عليهم؟

 

ثقافتان متعارضتان

من الصعب تحديد الموقف، في ضوء القطيعة الحالية بين المثقف والحاكم، لأن الجواهري الذي عاش قرننا الحالي من بدايته حتى نهايته، ينتمي أيضاً لعصور أقدم، وتكونت مثله الثقافية السياسية من ثقافتين متعارضتين، فمن جهة نشأ الجواهري مع بدايات تكون الحركة القومية العربية في مرحلة الدستور العثماني والتحرك الذي شارك فيه سادة النجف لتأسيس كيان عراقي مستقل عن الإمبراطورية العثمانية. وعاش الجواهري ثورة العشرين، واصعب مراحلها حصار النجف، وتفتح على مثال أحد أبطالها محمد سعيد الحبوبي الذي جمع الحس الديني المتفتح وحس الجمال وحس الحرية، فإضافة لكونه من الفقهاء المجددين في علوم الدين كان شاعراً رقيقاً ومجدداً عرف بغزلياته الرقيقة:

كاد سري  فيك أن ينهتكا

 

يا غزال الكرخ  وا وجدي عليك

وغرامي في هواك احتنكا

 

هذه الصهباءُ والكأسُ لديك

فلذيذ  العيش أن نشتركا

 

فاعطني كأسا  وخذ كأسا إليك

وفوق كل ذلك كان الحبوبي بطلا شعبيا قاد نضالا مسلحا ضد احتلالين (العثماني والإنكليزي) واستشهد على محراب صلاته في (معركة الشعيبه). كان هذا الرجل للجواهري ما كانه غيفارا لجيل الستينات.

وبعد وفاة والده تفتح الجواهري، وهو في رعاية أخيه عبد العزيز، على مفاهيم الإصلاح الديني والحركة الدستورية (المشروطيّة) تحت تأثيرات الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده.

أي أنه عاش الثورات الثلاث التي طبعت بداية القرن: القومية العربية، وثورة العشرين التحررية والثورة الدستورية وتكونت منها مثل شبابه. ومقابل كل هذه الثورات ورث الجواهري كل تقاليد شعر المديح الكلاسيكي العربي (من زهير بن أبي سلمى والحطيئة وبشار مرورا بأبي تمام و المتنبي والبحتري) حيث كان مديح الملوك والحكام مصدر الرزق الوحيد للشاعر، ووسيلته للوصول الى الناس وكسب الشهرة والجاه. والجواهري بجانب ذلك ابن التقاليد الأدبية النجفية حيث تكون القصيدة أو المقطوعة هدية الشاعر للصديق عند زواجه، أو ولادة طفل، أو بناء بيت، ووسيلته لتوديع مسافر أو الترحيب به عائدا، وهي وسيلة العزاء إذا أصاب الآخر مكروه. والشعر هو القيمة التبادلية التي يقدمها الشاعر لرد الجميل للآخر إذا أحسن إليه. ولذلك يستغرب الجواهري حين يلام لأنه مدح ملكا (ماذا يريدوني أن افعل حين يكرمني البلد بشخص أعلى رجل فيه، بماذا يمكنني رد الجميل بغير القصيدة). ثقافتان متعارضتان تصارعتا داخل الجواهري في مجتمع لم يشهد فترة استقرار تتكامل فيها شخصيته وقيمه. وكان الجواهري نتاجا لهذا التناقض ومتناقضا بحكم تكوينه الشخصي.

وقد كان أمام الجواهري في امتداده للماضي مثالان: المعري والمتنبي. ينظر إلى المعري كمثال للشاعر الذي رفع نفسه عن الدنيا وشهواتها ومنافعها العاجلة وأنكر الملوك والأمراء وزهد في التقرب إليهم والدنو منهم:

وذهنه ورفوف  تحمل الكتبا

 

على الحصير  وكوز الماء يرفده

ورغم امتداح الجواهري وتعظيمه للمعري كمثال أخلاقي، إلا ان مثاله الحقيقي هو المتنبي:

بين المتنبي والجواهري ثلاثة عشر قرنا، والجواهري يكبر المتنبي بحوالي الأربعين عاما، ولكن عناصر التقارب بينهما مدهشة:

كلاهما عراقي ومن مدينة واحدة (الجواهري من النجف والمتنبي من الكوفة التي تبعد خمسة أميال فقط عنها وتقع المدينتان على ذات الحدبة من الأرض التي توصل الصحراء الممتدة الى نجد بالرقعة الزراعية الخصبة التي تجاور الفرات). وربما كان الموقع بين طبيعتين متعارضتين (صحراء نجد وبساتين الفرات) وراء المزاج الحاد المتقلب والمتطرف الذي يجمع الإثنين.

 الفقر باعتباره رذيلة وليس فضيلة طارد الاثنين فوالد المتنبي كان سقاء في الكوفة لم يرد له أي ذكر في قصائد المتنبي رغم آن أعداء المتنبي هجوه به:

عاش حينا يبيع في الكوفة الماء وحينا  يبيع  ماء المحيا

مثل المتنبي نشأ الجواهري في بيت يزداد فقرا (حيث وصل الأمر بنا ان نبيع أثاث بيتنا تباعا: السجاد، الثريا، السرجة... وبقينا على الحصيرة كما كنا قبل ذلك)، وعاش والد الجواهري ومات معتمدا على معونات يقدمها أحد أصدقائه. وتزداد وطأة الفقر كذل في المجتمع الملائي النجفي الذي تلعب فيه المظاهر والوجاهة دورا في رسم الشخصية على المستوى الاجتماعي.. من هنا جاءت كراهية الأغنياء والحاكمين ومن هنا أيضا تأتي الرغبة في التقرب منهم للحصول على الثروة والجاه.

كلاهما تغرب عن بيئته بسبب اعتقاده، فقد تغرب المتنبي بسبب اعتقاداته القرمطية، وبقي قرمطيا في داخله رغم تقربه من الحكام والملوك وبقي الجواهري قريبا من اليسار رغم تقربه من الملوك والحكام والإقطاعيين. ومع ذلك عاش أكثر من نصف حياته الإبداعية منفيا عن وطنه بسبب موقفه من طبقة الحاكمين.

والأهم من ذ لك هو أن السلطة كانت شاغل الاثنين.. وهنا بالتحديد يستذكر الجواهري المتنبي في موقفين، كلاهما يتعلق بعلاقته مع الملك فيصل: (ويا للعجب فكم من مرة يعيد التاريخ نفسه، فلقد خلقت مثل المتنبي العظيم أمامي وأنا في موقفي هذا). وعنصر التشابه يكمن في سعي الاثنين للمشاركة في السلطة من خلال الحاكم (سيف الدولة وفيصل الأول).

 

الشاعر والملك

عناصر التشابه بين الموقفين هنا بالذات ليست وليدة الصدفة أو (الأقدار) كما يعتقد الجواهري، إنما ترتبط بسياق تاريخي في علاقة الشاعر بالحاكم. ولنتذكر أن نشأة الشعر، منذ بدايات الحياة الجاهلية ارتبطت بتقاليد الكهانة والسحر حيث ينشد الشاعر أو يستنشد الاله لنصرة القبيلة في حروبها ويمتدح سادتها وفرسانها ويتوعد الأعداء بالهزيمة والسبي ويرثي قتلى القبيلة متوعدا بالثار لهم. لذلك كان الشاعر هو اللسان الجمعي لقبيلته حيث يسود الاعتقاد بقدرة الكلمة على التحول إلى فعل وحقيقة ملموسة. ولطموح الشاعر في الحكم امتداد تأريخي، فلنتذكر أن حاكم القبيلة لم يكن بالضرورة أقوى رجل فيها، بل الأكثر حكمة وقدرة على حل الإشكاليات بالإقناع، أي بسلطة كلمته الروحية على أفراد القبيلة.. ومن هنا تبدأ علاقة الشاعر بالحاكم، فهو مثل ساحر القبيلة أو كاهنها إما نديم الملك أو خصمه، حيث تتكامل أو تتعارض السلطة الأدواتية للحاكم والسلطة الروحية لكلمة الشاعر. وطوال العصر الجاهلي كانت بلاطات الغساسنة والمناذرة تموج بالشعراء، الذين يتوافدون من كل القبائل لتقديم ولاء المديح للملوك، وحرص الملوك على إحاطة أنفسهم بخيرة الشعراء وتنافسوا في إغداق المنح والهدايا عليهم حتى أصبح مديح الملوك في أواخر العصر الجاهلي حرفة خالصة على يد الأعشى والنابغة الذبياني الذي تجول في طول الجزيرة وعرضها ولم يترك ملكا إلا ومدحه. وقد احتاج الشاعر إلى الحاكم كمصدر رزق يعتاش منه على شعره حيث كرس زهير قصائده لمديح الحارث بن عوف وهَرِم بن سنان والحطيئة لعلقمة بن زلالة والبزِّرقان بن بدر والوليد والأخطل ليزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان وجرير للحجاج والفرزدق لسليمان بن عبد الملك وأبو نواس للأمين والبحتري للمتوكل...

ومقابل ذلك كان خروج الشاعر عن الملك مثيرا للغضب بسبب تأثيره على ولاء القبيلة لحاكمها. وكان هجاء الشعراء لسادة قبائلهم شائعا كما المديح، مثل هجاء حصن ابن حذيفه وزراره بن عدس وعبد الله بن حذيفه بسبب ظلم الحاكم أو مكافأته للشاعر. ورغم الحرص على الفصل بين سحر الشعر ودعوة النبي محمد إلى الإسلام (انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين)، رغم ذلك فقد اعترف الإسلام منذ بداياته بأهمية الشعر ومفعوله حتى إن النبي قال لحسان بن ثابت حين طلب منه هجاء القرشيين (لشعرك أشد عليهم من النبل). وستختلف وتتزايد أهمية الشاعر خلال العصر الإسلامي. ففي بدايته كان الصحابة في أول الأمر أمراء وعلماء يملكون سلطة الأدوات وسلطة المعرفة كونهم يشرعون الحكم ويحكمون بالشرع، ثم حصل خلاف حول الحكم فاستبد الأمراء بالأمر وبالسلطة وتمسك العلماء بالعقيدة. الفقهاء انتموا إلى الرعية وراحوا يستقطبون الجمهور والرعية بواسطة الكلمة ضد استبداد الحاكم، وظهر المثقف كمشرع ومعترض ومبشر بمشروع لكشف الحقيقة، شجاع ومثير فتن. وقد استمر الصراع بين المثقف والحاكم لكون كل واحد منهما يملك جزء ا من سلطة على المجموع، فالحاكم يملك وسائل الإرغام المادية لفرض سلطته على رعيته، مقابل ذلك يملك المثقف السلطة الروحية للكلمة التي قد تبرر مشروعية الحاكم أو تنقضها أمام المجموع. لذلك ازدادت أهمية الشاعر كمداح ومسوق للحاكم في مواجهة خصومه و بين رعيته لأن وسائل الإرغام المادية لا تكفي لفرض سلطته على المجموع ولابد من وجود داعية مؤثر يبرر هذه السلطة. والشعر، الذي هو ديوان العرب، مؤثر على العامة اكثر من فقه الفقيه والفيلسوف الذي يتجه بكلمته إلى النخبة. وقد عرف الشاعر مفعول هذه السلطة (سلطة الكلمة)، فاللقاء المباشر مع الجمهور يجعل الشاعر اكثر تحسسا لسلطة كلمته على المجموع بما تملكه القصيدة من وزن وتفعيلة ومجازات مؤثرة على الجمهور المستمع، واعترافا بالشعر تزايدت لقاءات الشعراء بالناس وببعضهم في المهرجانات الدورية التي تعقد في أسواق مثل عكاظ والمربد. ولكن الشاعر الذي لا يمتلك أدوات القهر التي تتيح له إزاحة الحاكم بالكلمة وحدها سيطمح إلى الشراكة. وترينا سيرة المتنبي الذي بدا قرمطياً معارضاً للحكم كيف انتقل في النهاية إلى محاولة التأثير من خلال مشاركة الحاكم وبمنحة منه لتوليه مقاطعة، وكيف بدا ساعيا لإصلاح المجتمع ثم انتهى ساعيا لصلاح حاله من خلال الحاكم.

وبمقدار حاجة المتنبي لسيف الدولة احتاج سيف الدولة إلى المتنبي. كان يأخذ شاعره معه إلى معاركه ضد الروم كمحرض ووصاف لصولاته الجهادية:

سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه

 

سحاب من العقبان يزحف تحتها

واحتاجه لهجاء خصومه في العراق ومصر وقد تكاثروا بتكاثر الصراعات الداخلية في الإمبراطورية الإسلامية في القرن الرابع، واحتاجه لامتداحه كحاكم حازم في مواجهة الرعية البدوية المتمردة على سلطانه، كما احتاجه نديما في جلسات اللهو والترف في أوقات السلم النادرة، واحتاجه معزيا بسلسلة الكوارث التي حلت به ومنها رحيل شقيقته:

فكيف ليل فتى الفتيان في حلب

 

أرى العراق طويل الليل مذ نعيت

خلال السنوات التسع التي عاشها المتنبي في كنف سيف الدولة انقطع له كليا فلم يقل شعرا لسواه من الأمراء و ولم ينظم عن أي موضوع آخر خلافا لسابقيه ومجايليه من الشعراء المادحين. كان سيف الدولة، أميرا أو مجاهدا أو إنسانا، هو موضوعه الوحيد. كتب له اكثر من ثمانين قصيدة ومقطوعة من اجمل الشعر تشكل بمجموعها سجلا لعلاقة الأمير بالشاعر.

 

عقدة السلطة

وكما هو الأمر مع المتنبي نشأ الجواهري منذ طفولته وسط عقدة السلطة وإحساس والده بالضيم الشديد لأنه لم يصبح زعيم الأسرة الجواهرية، ومنذ بدايات شبابه بدأ طموح الجواهري للمشاركة السياسية في الدولة الحديثة. ولم يكن هذا طموح الجواهري وحده، فقد كان الحصول على منصب كبير بالدولة حلما راود الكثير من مثقفي ذلك العهد. وفي مذكراته (ذاكرة عراقية الجزء الثاني ص31) يصف روفائيل بطي طموحات الجيل الذي نشأ بعد ثورة العشرين والذي تعلم في المدارس العلمانية: «الصفة البارزة على هذا الجيش وان أكثرهم من المتعلمين قد تلقفتهم دوائر الدولة حالما تخرجوا من مدارسهم، وذلك لكون الدولة في طور النشوء تحتاج إلى جماعات من الموظفين وانعدام الأعمال الحرة والمؤسسات الاقتصادية». وكان هذا المنصب هو الطعم الذي يقدمه السياسيون المحترفون لجذب المتعلمين الى الأحزاب كما كان طعم السلطة والاحتلال للتخفيف من غلواء المثقفين المعارضين. ورغم الفتاوى التي أصدرها علماء النجف بتحريم العمل في الحكومة، فإن جيلاً من المثقفين الشيعة،الذين تفتح وعيهم على حركة الإصلاح الدينية (المشروطية) والذين ضاقوا بالجو الديني المغلق في النجف، سعوا للحصول على فرصة للمشاركة السياسية في بغداد. ولكن طموح هذا الجيل يصطدم بالريبة الطائفية التي يقابلهم بها المركز. وكان المثقفون الشيعة يقارنون حصتهم في السلطة بحصة الأكراد الذين يشكلون 17 بالمائة من السكان ويشغلون 22 بالمائة من المناصب الحكومية العليا، في حين أن الشيعة الذين يمثلون أكثرية السكان يحتلون 15 بالمئة فقط من هذه المناصب: حنا بطاطو). وكان الملك فيصل الأول يواجه ازدواجية حادة في موقفه من الشيعة، وبالتحديد علماء الدين في النجف. فهو يحتاج لإسنادهم في الصراع بين الأسرة الهاشمية وآل سعود. ومن جهة أخرى يريد كسر سلطتهم على العشائر. وقد أراد حل هذه الازدواجية بحجز عدد من المناصب للشيعة. ولكن هذه المناصب شكلية، فمجلس الأعيان الذي حجزت رئاسته للشيعة كان شكليا لأن أعضاءه ورئاسته يعينون من قبل الحكومة ويحل المجلس بحل الوزارة، ومنصب وزير التعليم حجز للشيعة كمدخل لكسر هيبة المدارس الدينية في النجف ولجذب الجيل الجديد من الشيعة إلى مدارس الدولة العلمانية، ولكن هذا المنصب كان شكليا لأن منصب مدير التربية العام الذي يشغله القومي السني ساطع الحصري هو الذي يتحكم بالمناهج التربوية وتعيين المعلمين. وقد كان الجواهري ضحية الصدام الطائفي داخل هذه الوزارة حين رفض ساطع الحصري طلبه للتعيين كمدرس ثانوية بسبب كونه شيعي. وقد شكل هذا الرفض عقدة لازمت الجواهري الهارب من طائفته الشيعية والرافض للفتاوى التي تحرم العمل في الحكومة، وقد لازمت هذه العقدة الجواهري حتى آ