ولد
شاعرنا كما يعرف
أغلبُ الناس في
مدينة النجف الأشرف
في يوم 26/ تموز/1899،
والنجف كما يعرف
أغلبُ الناس أيضاً
مركز خطيرٌ من
مراكز دراسة العلوم
الدينيّة، وعلوم
العربية من نحو،
وبلاغة، وصرف،
وأدب، وما إلى
ذلك.
ولم يكن
هذا المركز من
المراكز الحديثة،
وإنّما هو يعود
إلى القرن الخامس
الهجري يوم اتَّخذ
الإمامُ أبو جعفر
الطوسي المتوفّى
سنة: 460هـ من هذه المدينة
مقرّاً له، فانتقل
معه طائفةٌ من
طلابّه إليها هاربين
من جور السلاجقة
المذهبيّ في بغداد.
وإذاً،
هي مركز قديم من
مراكز العِلم قُدِّر
له أن تتعاقب عليه
القرون، وهو يحتفظ
بمكانته العلميّة
فلم يتزحزح عنها
إلاّ لماماً.
ومن هنا
لم يكن غريباً
على النجف أن ينبغ
فيها شعراء كثيرون
تكفَّل كتاب «شعراء
الغري» للأستاذ
علي الخاقاني بسرد
بعضٍ من أسمائهم،
وأخبارهم، وبسردِ
طائفة من أشعارهم.
وكان من
بين الذين نبغوا
فيها شاعرنا: محمد
مهدي الجواهريّ،
ولكنّه لم يكن
وحده من بين أفراد
أسرته شاعراً؛
فقد كان أبوه الشيخ
عبد الحسين شاعراً،
وكان أخوه الأكبر:
الشيخ عبد العزيز
شاعراً أيضاً،
وكان أخوه الآخر
الذي لم يبرح النجف
حتى وفاته، أعني:
عبد الهادي شاعراً
مثل أبيه، وأخويْه،
حتى لكأنّ الشعرَ
من جِبِلَّة أهل
هذا البيت، ومن
طبيعة تكوينهم.
ولكن لم
يبلغ أحدٌ من أهل
بيت محمد مهدي
موهبتَه الشعرية،
ولم ينصرف أحدٌ
منهم انصرافه إلى
الشعر. وليس قليل
الدلالة أن يقع
ديوانه في طبعته
البغدادية التي
توّلتها وزارة
الإعلام العراقية
في سبعة أجزاء
قوامها ما يناهز
ألفين وخمسمائة
صفحة، هذا عدا
الفهارس، وعدا
شعره الذي لم يُنشر
فيها. وليس قليلها
أيضاً أن يُقال:
الجواهري فلا ينصرف
الذهن إلاّ إليه
شاعراً دون أحد
من أهله الأقربين.
ومن هنا
يستطيع أيُّ أحدٍ
أن يقول: إنّ الجواهري
عينٌ ثجّاجة ثَرَّةٌ
من الشعر.
ولكن متى
تفجَّرت هذه العيْنُ
أوّل ما تفجَّرت؟
لا أدري.
وأقول: لا
أدري على الرغم
من أن قصائد ديوانه
قد رُتِّبت ترتيباً
زمنيّاً، فكانت
أقدمَ قصيدة في
هذا الترتيب هي
قصيدتُه: «العزم
وأبناؤه»، التي
نُشرت في جريدة
«الاستقلال» البغدادية
يوم: 26/1/1921. ولكن من طبيعة
الأشياء أن نتصوّر
أنّ الشاعر كان
قد نظم قبلها عشرات
القصائد، والمقطَّعات،
ولم ينشر شيئاً
منها، إمّا لضَعفِها(1)،
وإمّا تريّثاً
منه أن يقول ما
هو أجود، أو تهيّباً
من شيوخ الشعر
في النجف. وإلاّ
فمن غير المعقول
أن يبدأ الشاعر
قول الشعر أوّل
ما يقوله بمثل
هذا النَّفس الطويل،
وبمثل هذه المتانة؛
لأنّ مثل هذا النفس،
وتلك المتانة ليسا
من شأن المبتدئين.
وإذ بدا
لشاعرنا أنّه قادرٌ
على قول الشعر
لم تكن بيئةٌ مثل
بيئة النجف تسمح
له أن ينصرف إلى
ما ينصرف إليه
الشعراء المبتدئون
في العادة من حبِّ
المرأة، والتغزّل
بها.
وأين يرى
مَن راهق الحلم
في أواسط العقد
الثاني من القرن
العشرين المرأةَ
في النجف ؟ وكيف
يراها لكي يعشقها
أو يتغزّل بها؟
إنّ المرأة
النجفيّة لم تكن
تتلفّع يومئذٍ
بعباءة سوداء مُحكَمة
النسج واحدة، وإنّما
بعباءتين من صوف
خيفة أن تشفّ العباءةُ
الواحدة عن تقاطيع
جسدها.
وإنّها
رهينة بيتها لا
تكاد تبرحُه إلاّ
لضرورة قاهرة،
فإن ألجأتها الضرورة
إلى مبارحة بيتها،
ولمحت في الطريق
من بعيد رجلاً
بركت كما تبرك
الناقة على الأرض
خيفة أن يُخمِّن
مواضع الفتنة في
جسدها، أو أن يعرف
طبيعة قوامها.
ومن هنا
لم يكن الجواهري
مبالغاً في شيء
حين قال: «حتى السابعة
والعشرين من عمري
لم يكن للمرأة،
ولا لشهوة من الشهوات
معها وجودٌ في
قصائدي»(2).
ومن هنا
أيضاً لم يكن غريباً
لا عليه ولا على
شعراء النجف بمن
فيهم الفقيه السيد
محمد سعيد الحبّوبي
أنّهم حين يتغزّلون
لا يتغزلون بالمرأة،
وإنّما بالغلمان
من نحو قول الحبّوبي:
|
كاد سرّي
فيك أن ينهتكا |
|
يا غزالَ
الكرخِ وا وجدي
عليك |
|
وغرامي
في هواك احتنكا |
|
هذه الصهباءُ
والكأسُ لديْك |
|
فلذيذُ
العيش أن نشتركا |
|
فاسقني
كأساً وخُذ كأساً
إليك |
|
واسقني
واشربْ، أو اشرب
واسقني |
|
أَترعْ
الأقداحَ راحاً
قرقَفا |
|
من دمِ الكرمِ
وماءِ المُزُنِ(3) |
|
ولَماك
العذبُ أحلى مرشفا |
ومن نحو قول
الجواهري من مُقطّعة
في مستدركات ديوانه(4):
|
يوماً إلى
الرشأ الأغنِّ
محمّد؟ |
|
من مبلِغٌ
عنّي رسالةَ مُوجَدِ |
فإذا
استبان هذا قلنا:
إنّ بيئة الجواهري
لم تكن تسمح له
ـ وهو شابٌّ ـ أن
يعيش في تجربة
حُبٍّ فينصرف إلى
تصويرها كما يفعل
المبتدئون من الشعراء،
ولم تكن هذه البيئة
تسمح له أيضاً
أن يتغنّى بالخمر،
أو أن يصفها وهو
ما يزال مُعمّماً
شابّاً يمكن أن
تلحقه تهمة مقارفتها
إذا تغنّى بها،
هذا فضلاً عن أنّه
لم يكن قد قارب
الخمر؛ فقد قاربها
أوّل ما قاربها
في عام: 1927(5)، فلم
التغنّي بها إذاً،
ولم الحديث عن
شربها في مجتمع
مُغلق؟
أمّا
أن الحبوبي قد
تغنّى بها، فذلك
شأن آخر؛ فقد كان
يعصمه من أن تُظنّ
به الظنون كونه
فقيهاً مُجتهداً
عابداً، ولم يكن
شاعرنا كذلك.
وأعود
إلى رأس أمري فأقول:
إنّه إذ بدا لشاعرنا
أنّه قادرٌ على
قول الشعر لم تكن
بيئةٌ مثل بيئة
النجف لتهيّيء
له إلاّ الموضوعات
الجاهزة التي تطرب
لها مثلُ هذه البيئة.
وكان
من حُسن حظّه أن
وجد أمامَه موضوعاً
جاهزاً ينسجمُ
مع مشاعره الوطنية
العراقية الجيّاشة،
وتطرب له بيئتُه
أعني الثورة العراقية،
ثورة: 1920، والتفجّع
على شهدائها، فنظم
في موضوعها ثلاث
قصائد هي: «العزم
وأبناؤه» ـ كما
قلتُ ـ و«ثورة العراق»،
و«الثورة العراقية»(6).
أمّا
ما شارك به ـ جرياً
على تقاليد المدينة
ـ من رثاء، ومن
تهنئة بزواج، وترحيب
بمقدم ضيف، وافتتاح
مدرسة أهلية فقوله
في مثل هذه المناسبات
ليس موضوعاً جاهزاً
فحسب، وإنّما هو
أكثر من جاهز،
فضلاً عن كونه
واجباً اجتماعيّاً
عليه أن يقوم به(7).
وهكذا
بدا الجواهري في
السنوات الأولى
من بدء نشر شعره
في الجرائد ـ وقد
حُرِم من المرأة
والخمر ـ وفرغ
ممّا كان قال في
ثورة 1920، بدا وكأنه
شاعرٌ من غير موضوع،
لا يقول الشعر
إلاّ من أجل أن
يروض القول، وأن
يتمكّن من أدواته.
فهو
إذ يخرج عن الموضوعات
العامّة الجاهزة
من رثاء، وتهنئة
وما إليهما لا
يجد أمامه موضوعاً
إلاّ الليل(8) وإلاّ
ذاتَه، ولكن ماذا
يقول عن هذه الذات؟
الشكوى
ولا شيء غير الشكوى.
ولكنّ
هذه الشكوى لا
تكاد تدلّ على
تجربة يتفرّد بها
الشاعر دون سواه،
وإنّما هي شكوى
تتّكيء في موادّها
على ما قرأه من
شعر العرب من مثل
قوله في قصيدته:
«الشاعر المقبور»:
|
أخو موردٍ
ضاقت عليه مصادرُه |
|
دعا الموتَ
فاستحلتْ لديه
سرائرُه |
|
وما هو إلاّ
شاعرٌ كَلَّ خاطرُه |
|
عَراهُ
سكوتٌ فاسترابت
عُداتُهُ |
|
أما في البرايا
مُنصِفٌ فيوازرُه |
|
وحيداً
يُحامي عن مباديءَ
جمّةٍ |
|
لقد ذلَّ
مَنْ فيضُ المدامع
ناصرُه |
|
تفرَّد
بالشكوى فأسعدَهُ
البُكا |
|
كأنّ رقيباً
في الدراري يُحاذرُه(9) |
|
يهمّ يبثُّ
النجمَ سرّاً
فينثني |
وتستمر
القصيدة على هذا
النسق الذي لا
يكاد يقول إلاّ
شيئاً عامّاً لا
يدلّ على تجربةٍ،
أو تفرّد.
وللقاريء
أن يُلاحظ أن الجواهري
وقد طاوعته اللغة
في قصيدته لم يطاوعه
لا اللعب بهذه
اللغة، ولا المعاني.
ولي على ذلك أمثلةٌ
منها قوله:
|
دعا الموتَ
فاستحلتْ لديه
سرائرُه |
فالحلاوة
في قوله «استحلتْ»
تستدعي إلى ذهن
القاريء المرارة،
لا السريرة، ولو
كان شاعرنا قد
امتلك القدرة على
اللعب باللغة كما
سيمتلكها امتلاكاً
عجيباً خلاّقاً
لكان قال:
|
دعا الموتَ
فاستحلتْ لديه
مَرائرُه |
ولكنّه ما يزال
يروض القول.
ومن هذه
الأمثلة قولُه:
|
وما هو إلاّ
شاعرٌ كَلَّ خاطرُه |
|
عَراهُ
سكوتٌ فاسترابت
عُداتُهُ |
ولست
أعرف ما يدعو الأعداء
إلى الاسترابة
بسكوت الشاعر؛
لأنَّ من شأنهم
أن يفرحوا بهذا
السكوت الذي يُنجيهم
من هجائه. ألم يقل
المتنبّي:
|
وعداوةُ
الشعراء بئسَ
المُقتنى؟(10) |
|
ومكايدُ
السفهاءِ واقعةٌ
بهم |
وتأسيساً
على هذا يمكن أن
نسأل أن لماذا
استراب أعداؤه،
ولم يفرحوا؟!
والعجيب
أن لم يكتفِ شاعرنا
بهذا، وإنّما تبرّع
لهم على غير حاجةٍ
بزفِّ البشارة
أنّه «كلَّ خاطرُه»
فلم يَعُد تُخاف
شذاتُه.
وكلُّ
هذا مما لم يقصد
إليه الشاعر، ولكنّه
قاله ـ كما أسلفت
ـ لكي يروض القول.
ولو لم يكن ذلك
كذلك لكان قال
على سبيل المثال:
|
وما هو إلاّ
شاعرٌ كَلَّ خاطرُه |