ملاحظات سريعة

على بعض جوانب الوثيقة البرنامجية

 

 

مصباح كمال

 

تنصبّ الملاحظات التالية على الوثيقة البرنامجية للحزب الشيوعي العراقي المنشورة في موقعه على الانترنيت ومن المؤسف أن تكون الفقرة الأولى في الجزء الخاص بنضال الحزب مبتورةً والفقرة الثانية غير موجودة. ولصعوبة التعليق على جميع بنود الوثيقة آثرت انتقاء البعض منها.

الهدف الآني للبرنامج هو إسقاط الدكتاتورية من خلال «تحقيق أوسع تحالف اجتماعي سياسي، يضم الطبقات والفئات وكل القوى المعادية للدكتاتورية على أسس الاستقلال السياسي والفكري والتنظيمي لهذه القوى». يتبع ذلك إقامة «النظام الديمقراطي» وذلك من خلال «تشكيل حكومة ديمقراطية ائتلافية مؤقتة تضم القوى والتيارات الأساسية في البلاد». وهناك تحديد لمهمات هذه الحكومة والبرنامج الذي يناضل الحزب من أجله في ظل الأوضاع الجديدة.

قد لا يختلف المرء كثيراً حول المهمات والبرنامج المقترح الذي يقترب من الإجراءات المرتبطة بدولة المنافع الاجتماعية لكنها في مجموعها ستكون مصدراً لصراعات فكرية واختلافاً في السياسات تتحاشى الوثيقة الإتيان على ذكرها وحتى الإشارة إليها. ولعل مرد ذلك تغليب المهام المشتركة الآنية في إسقاط الدكتاتورية.

هناك تناقض بين طموح تحقيق أوسع تحالف وحصر الحكومة الائتلافية بالقوى والتيارات الأساسية ـ أي أن القوى الصغيرة ضمن هذه الصيغة ستتحول إلى كمٍ مهمل. هذه مسألة تستحق العناية إذ أن تحديد «القوى والتيارات الأساسية» ينطوي على إشكالية لا يمكن التغاضي عنها. ترى هل تتقرر القوى والتيارات من خلال التوافق (بما في ذلك توافق القوى الصغيرة) أم من خلال انتخابات حرة؟ الاحتكام إلى الناس هو الذي سيقرر الوزن النسبي للقوى السياسية.

تتحدث الوثيقة عن «النظام الديمقراطي» وكأنه أمرُ مفروغُ منه رغم أنه ينطوي على إشكاليات تعكس مواقف متباينة للقوى السياسية العراقية. وتجنباً للإشكالية يفضل إعادة الصياغة دون التعريف للـ«نظام ديمقراطي». فمثل هذا النظام سيتشكل من خلال استمزاج أفكار القوى المتحالفة، وربما الصراع السياسي السلمي بينها من خلال صناديق الاقتراع، وليس قسر مفهوم أحد الأطراف على الآخرين.

تترك الوثيقة انطباعاً بعدم تكامل صيغة مهمات الحكومة الائتلافية. فهي لا تحدد سقفاً زمنياً لاستمرار الائتلاف. وهناك سكوت يكاد أن يكون مطلقاً حول المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، وكأن المشروع المرحلي سيتم من خلال هذه المؤسسات. ويبدو أن هذه المؤسسات ربما ستبقى كما هي عليه الآن. على سبيل المثال، عند الحديث عن إطلاق الحريات الديمقراطية تذكر الوثيقة «حق الاستفادة من إعلام الدولة السمعي والمرئي من قبل جميع التيارات والأحزاب». تحتاج الوثيقة إلى إغناء محتواها بالتأكيد على إعادة هيكلة المؤسسات، الاقتصادية منها بشكل خاص، وإعداد المناخ الاقتصادي السياسي المناسب للتنمية.

صحيح أن الوثيقة ترسم تطلعات الحزب التي يراد لها أن تفضي إلى نمط معين لنظام اشتراكي ينبع «من مجتمعنا ومراحل تطوره» ويستند «إلى خصائصه الوطنية والقومية والثقافية والنفسية والدينية..». إلا أن الوثيقة صامتة فيما يخص الفترة الانتقالية. وقبل الوصول إلى نموذج النظام المرغوب. نحن إزاء فترة انتقالية لا يعرف مداها في الوقت الحاضر، كما أن معالمها ليست واضحة. لكن الاهتمام بتحديد الوظيفة الاقتصادية للدولة، في ظل تركة الدكتاتورية والمتغيرات الاقتصادية العالمية والدور الحاسم والمُشوِه للموارد النفطية وكيفية إدارة هذه الموارد ـ ربما بعيداً عن جميع المناهج السابقة ـ يبقى أمراً مطلوباً لذاته مثلما لمستقبل الاقتصاد العراقي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. هل النية منصبة على تطبيق جملة من السياسات الاقتصادية بالمعنى الضيق لها ـ على نمط ما يقترحه صندوق النقد الدولي مثلاً ـ كجزء من عملية إصلاح اقتصادي لما هو قائم أم سياسات اقتصادية تصبّ في مجرى التغيير الجذري لنمط علاقات الإنتاج؟ تعزيز المسؤوليات الاجتماعية والتنظيمية للدولة أمر مهم لكن تحديد أسس التصرف بثروة البلاد يستوجب رسم صورة للنظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يراد تطويره.

من اللافت للملاحظة أن الوثيقة ساكتة أيضاً عن ذكر التخطيط، أياً كان نوعه: مركزي، شامل أم تأشيري. مرحلة ما بعد الدكتاتورية تتطلب تخطيطاٌ من نوع ما ـ على أقل تقدير للسياسة المالية والنقدية وغيرها. ويأتي هذا السكوت ربما كنتيجة منطقية لعدم حسم الرأي في دور السوق ودور الاستثمارات العربية والأجنبية.

هناك سلسلة من المقترحات في الوثيقة يمكن إدراجها تحت عنوان الاقتصاد السياسي الأخلاقي الذي يغلّب مبادئ الإنصاف والعدالة على استهداف الربح في العملية الإنتاجية. لكن وجوه الإنفاق على المنافع الاجتماعية لا يعادلها تحديد مصادر تمويل هذه المنافع. ويبدو لي أن بعض هذه المقترحات لم ينل ما يستحقه من تحليل بقدر ما هو تطلعات طموحة. لنأخذ على سبيل المثال اقتراح «ضمان فرص العمل لجميع الخريجين» الذي ورد في الفقرة 13. يفترض مثل هذا الضمان نمواٌ مستمراً للاقتصاد يستطيع معه استيعاب أعداد جديدة وكبيرة من الخريجين. خلاف ذلك، ودون أخذ العرض والطلب على قوة العمل بنظر الاعتبار، تنشأ الشروط المناسبة للبطالة المقنعة من خلال التضخم الإداري لأجهزة الدولة ومؤسسات القطاع العام، وبالتالي استفحال البيروقراطية. مثل هذا الوضع يؤدي إلى تباطؤ الأداء وضعف الإنتاجية.

الهمُّ السياسي يبقى طاغياً في أولويات مرحلة ما بعد الدكتاتورية، وكذا التوق لنمطٍ من الديمقراطية كآلية لتسيير وإدارة الصراع السياسي سلمياً، وكذلك الرغبة في التأكيد على الواجبات الاجتماعية التي يتوقع ويراد من الدولة أن تقوم بها. كل ذلك مرهون بمتانة الوضع الاقتصادي. لا يكفي وضع قائمة من المقترحات ما لم تقترن بمشروع اقتصادي واضح المعالم قادر على النهوض بها. ما هو مطلوب في رأينا هو الربط بين الهم السياسي والشأن الاقتصادي، وتحديداً رسم رؤية جديدة لسلوك الدولة في إدارة الموارد النفطية وغير النفطية. الدعوة هنا ليس إلى إقصاء دور الدولة ولكن تحديد هذا الدور بحيث لا تصبح العقلانية الاقتصادية رهينة لقرارات سياسية فوقية تعمل لصالح طبقة أو فئة أو نخبة معينة. دور القوى السياسية هو التفكير في هذه المسألة وليس استمرار دولة النفط الريعية. الوثيقة البرنامجية فقيرة في تقديم رؤية جديدة لاقتصاد العراق وإدارته.

 

13/6/2001