كيف وُلِدَتْ ثم تكاملتْ قصيدة

«خلّفتُ غاشيةَ الخنوعِ ورائي»

 

د. مجيد الراضي

إن المسيرة نحو «خلّفتُ غاشيةَ الخنوع ورائي» لابد أن تبدأ من حيث الخنوع ذاته، إذ لا يمكن أن يغادر الإنسان مستنقعاً لم يتوغل فيه، أو لم تحمله قدماه إلى حيث يحتسب أو لا يحتسب.

كانت تلك الليلة الربيعية في أيار عام 1953 قد انتصفت، وأخذ الفجر يحث الخطى، فالليل لابد راحلٌ، وإذا بالإذاعة العراقية التي كانت تنقل وقائع حفل تتويج الملك فيصل الثاني تعلن عن قصيدة للجواهري! أهذا صحيح! أم أن في الأمر خدعة؟ أيكون ثمت جواهري آخر يريد أن يعتلي المنبر فيُشيع شيئاً من الوهم والاضطراب بين الناس؟

كل شيء جائز، ولمَ لا يكون؟

بالأمس كان في معتقل أبي غريب، واليوم في قصر الرحاب، وليس من فترة تمهد لهذه الانتقالة المفاجئة. أين ذلك الذي وقف بالأمس القريب يتحدى:

على لاحبٍ من دمٍ سائرِ

 

سلامٌ على حاقدٍ ثائرِ

لابدّ مُفضٍ إلى آخِرِ

 

يخُبُّ ويعلمُ أن الطريقَ

ماضٍ يمهدُ للحاضرِ

 

كأن بقايا دمِ السابقينَ

تسددُ من زللِ العاثرِ

 

كأنَ رميمهمُ أنجمٌ

مُقيم على ذُلّهِ صابرِ

 

وليس على خاشعٍ خانعٍ

* * *

خلا الحَيُّ بعدَك من سامرِ

 

سميرَ الأذى والظلامِ الرهيبِ

حريصٌ على مؤمنٍ فاكرِ

 

ويا جذوةَ الفكرِ إن العراقَ

ويقطع المذيع عليّ الاسترسال في الذكرى، ويسود نفسي شيء من الاضطراب، وأشعر بضيق، وكأنني في موقفه.. ويبدأ الشاعر إنشاده ثملاً، مترنحاً، يُتعتع في كلامه. هل أغلق المذياع؟ لا، إن هذا الصوت حبيب إلى نفسي فلأستمع إليه حتى وإن قال كفراً:

وبصنوِكَ الزاهي ربيعِ المولدِ

 

تِهْ يا ربيعُ بزهركَ العَطِرِ الندي

وما إن يَشرَع في قسمه بالشعراء، بعد مشوار طويل، حتى أمسك بالقلم لأسجل ما يقول:

من شاربٍ نخبَ الحياةِ معربدِ

 

بالأريحيِّ أبي نؤاسَ وصحبهِ

سَحَراً أذانَ العابدِ المتهجِّدِ

 

ومقاطعٍ بغنائه في حانةٍ

بأبي محسَّدَ.. (ما أقسى الذاكرة لقد خانتني هنا)

بأمضَّ من عنَتِ الزمانِ وأحقدِ

 

بابن المعرةِ ترتمي جَمراتُهُ

وفي اليوم التالي، وأنا في طريقي إلى العمل، لم أستطع مقاومة إغراء شراء نسخة من واحدة من الجرائد شبه الرسمية والتي نشرت القصيدة على صفحاتها الأولى لسببين ـ كما أظن ـ أولهما أنها قصيدة في مدح الملك الجديد، وثانيهما، نكايةً بالجواهري وتعريضاً به، وتشفياً بنا ـ نحن الذين كنا نفاخر به ـ ونرفعه رايةً ودليلاً على طريق الثورة نحو الغد الأفضل.

وتنفجر جهنم على الشاعر العاق! لا أعتقد أن التاريخ سواءً العربي منه أو غير العربي عرف مثل هذه الضراوة في منازلة شاعر ثائر مدح لسبب من الأسباب ملكاً، وبذلك غادر معسكر الثورة إلى معسكر أعدائها. تألّب عليه القوم. ومن بينهم أعداؤه بالأمس، وأصدقاؤه اليوم كما يُفترض.

وراح الشاعر يذُبّ عن نفسه، وينازل خصومه على كل الجبهات.

يتراجعُ تارةً، ليندفع أخرى. يذكّر بمآثره ويُحصي سقطات أعدائه. يعذِرُ (!) البعضَ ويشتمُ آخرين. هذه ملحمة من الملاحم الشعبية ينبغي تسجيلها، فهي فريدة في جوانب متعددة. والتاريخ العربي، وربما التاريخ العالمي، لم يشهد مثيلاً لها، ولم يُعاقب جُمهورٌ شاعرَه بمثل ما عوقب به الجواهري.

يتداول الأصدقاء أبياتاً من الشعر مهلهلةً مطلعها:

ها قد صدِئْتَ وبانَ معدِنُكَ الردي

 

صَهْ يا رقيعُ فمن شفيعُكَ في غدِ

نسبتْ الأبيات إلى شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم فأنكرها بشدة. إن أدبه لا يسمح بمثل هذا الفحش، وبحق من؟ بحق الجواهري!

هذه الأبيات غير معروفة القائل حتى اليوم، وقد أصبحت، في تلك الفترة، مثل الأدب الشعبي الشفوي الذي لا يُعرَف قائله، والذي يُزاد فيه ويُنقص منه حسب المناسبة. وجمعتني الظروف، ظروف العمل الوظيفي في السكك الحديد، بشاعر مغمور أصدر ديواناً في بداية عام 1954 بعنوان «وقْدٌ وورد» هو ابراهيم الخال. كان ضابطاً في الحرس الملكي، ولكنه سُرِّح من الجيش لأسباب متضاربة (!) ليس بينها وبين السياسة صلة، مع أنه كان من حيث أفكاره تقدمياً، وقد حاول في بداية الخمسينيات أن يترجم «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو، وصدرت الكراسة الأولى من ترجمته. كان مسؤولنا في العمل في ذاتية النقليات، وعندما قيل له إني شاعر اتصل بي وطلب مني تصحيح ديوانه المضروب على الآلة الكاتبة. كانت قصائده تشتمل على أخطاء في النحو، وعلى ما يسميه علماء العروض والقافية بالاقواء. المهم في الأمر أن القصيدة الأولى في ديوانه كانت دالية على وزن قصيدة الجواهري ورويها، وهي قصيدة تتحدث عن السلام والنضال في سبيله، ويقول الشاعر فيها إنه أوقَفَ شعره على النضال. إن شعره نار تتلهب وليس كشعر الجواهري المستغيث. ويَعلَقُ في ذهني عجز أحد أبياته:

«لا مثل شعرِ المستغيثِ محمد»، وكان بذلك يقصد الجواهري.

ومهما كان فإن الصراع يحتدم في نفس الشاعر فينفجر دفاعاً عن ذاته، يبررها، يقارنا بالمحيطين به من رجال السياسة والمشتغلين بالشؤون العامة، آنذاك، فيجد أنها تفضُلُهم جميعاً، فيحثها على ضرورة الخروج من المحنة، وهي لقادرة، وآية ذلك أنها مدَّخرةٌ لشيء آخر غير الذي يستطيع هؤلاء الإتيان به. سيذهب جُلُّهم، إن لم نقل كلهم دون أن يخلفوا وراءهم أثراً، أما هي فالعصور الآتية بانتظارها، ولن يستطيع أحدٌ أن يقف في طريقها.

لابد أن الجواهري قد اطّلع على تلك الأبيات الهزيلة فهو يقول في إشارة صريحة لها:

ضوءٌ من القمر المنبوحِ مسكوبُ

 

تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهُمُ

دمي فعندهمُ من فيضه كوب

 

ممن عذتهم قوافيَّ التي رضعتْ

«أبا محسّد» بالشتم الأعاريبُ

 

وقبلَ ألفٍ عوى ألفٌ فما انتقصتْ

دماً، وتُذرى مع الريحِ الأكاذيبُ

 

يبقى القصيدُ لظىٍ والأرضُ مُشرَبَةٌ

كانت حقاً هجمة ضاريةً، ومن حق الجواهري أن يقول فيها ما قال:

خَلقٌ ببغدادَ أنماطٌ أعاجيبُ

 

عدا عليَّ كما يستكلِبُ الذيبُ

تاريخُ بغدادَ لا عُربٌ ولا نوبُ

 

خلْقٌ ببغدادَ ممسوخٌ يُفيضَ به

ويغيّر نغمته بعض الشيء:

بالحُرِّ يَلويه ترغيبٌ وترهيبُ

 

إني لأعذِرُ «أحراراً» إذا برموا

بالصابرِ الشهمِ آدته المطاليبُ

 

والصابرين على البلوى إذا عصَفوا

في كل يومٍ من التغريرِ أسلوبُ

 

فما لعُبدانِ أهواءٍ، وعندهمُ

وتأتي في أعقاب هذه قصيدة «خبت للشعر أنفاس» وهي تتألف من 61 بيتاً ومطلعها:

أم اشتط بكَ الياسُ

 

خبَتْ للشعر أنفاس

نظمها الشاعر في عام 1954 في أغراض قريبة من أغراض القصيدة السابقة. ويختمها بقوله:

ولا يذهبْ بك الياسُ

 

ألا لا تَخْبُ أنفاسُ

وتأتي التعويذة العمرية في العام نفسه، وتتكون من 16 بيتاً ومطلعها:

وبما أضاء وما ازدهرْ

 

عوّذْتُ وجهَك بالقمرْ

وفي عام 1954 تأتي قصيدة «كفّارةٌ وندم»، وتضم 82 بيتاً، وهي إحدى شوامخ الجواهري يخاطب فيها نفسه ويستعد للتحول والسير من جديد في طريقه الوعر، وهي تذكّرنا بأجواء المقصورة: