البيروني
والمنهج النقدي
عدنان
عاكف
« إني أندفع
حيث تدفعني الحقائق
بقوتها إذ لا سيد
لي ألتزم بكلماته
»
هوراس
- شاعر روماني (65 -
8 ق.م)
ولد أبو الريحان
البيروني (316هـ -
440هـ) في مدينة كات،
التابعة لخوارزم،
والتي كانت في
تلك الحقبة تشكل
مركز إشعاع علمي
وحضاري كبير. فقد
ورثت حضارة موغلة
في القدم، لكن
انطلاقتها الكبرى
بدأت بعد الفتح
الإسلامي. وكانت
عاصمتها بخارى
- كما يقول الثعالبي:
"مثابة المجد وكعبة
الملك". لكن دوام
الحال من المحال.
في سنة 382هـ سقطت
العاصمة فهرب آخر
ملوك السامانيين.
وأدى الوضع الجديد
إلى نشوء دولتين
مستقلتين متناحرتين،
كما هو الحال في
الكثير من ربوع
الدولة الإسلامية
التي كانت تمزقها
الفتن والحروب
الداخلية. اضطر
البيروني إلى مغادرة
البلاد، وتوجه
إلى الري، ومنها
إلى جرجان، بناء
على دعوة من السلطان
قابوس. أمضى فيها
ست سنوات، ثم عاد
بعدها إلى خوارزم.
في سنة 408 سقطت
خوارزم بيد السلطان
محمود الغزنوي،
الذي عرف ببطشه
وظلمه. سجن البيروني
مع أستاذه، الذي
اتهم بعلاقته بالقرامطة،
وحكم عليهما بالموت.
لكن تدخل بعض الأصدقاء
أنقذه من الموت،
فاقتيد مع عدد
كبير من العلماء
والأدباء كأسرى
إلى غزنة، عاصمة
الدولة الغزنوية.
وفي غزنة تعرض
للسجن أكثر من
مرة، وصدر حكم
بإعدامه.
وتبقى رحلاته
إلى الهند بصحبة
السلطان محمود
من أبرز المحطات
في هذه المرحلة
من حياته. فبالرغم
من الظروف الصعبة
التي عاشها إلا
أن تلك المرحلة
كانت غزيرة بإنتاجها
الفكري والعلمي.
ويعتبر كتابه
"تحقيق ما للهند
من مقولة مقبوله
في العقل أو مرذولة"
أهم ما كتبه في
هذه المرحلة، وما
يزال يعتبر أهم
مصدر للباحثين
في ثقافة الهند
وفلسفتها ودياناتها.
* * *
قبل أكثر من
قرن من الزمن أشار
المستشرق الروسي
ف. روزين إلى أن
البيروني "قد امتلك
أهم سلاح من أسلحة
العلم الحديث،
ألا وهو منهج الدراسة
المقارنة للأديان".
وقد أشار أكثر
من عالم أوروبي
إلى ريادته في
هذا المجال. وخلال
قرن من الزمن صدرت
عشرات الدراسات،
وبمختلف اللغات
(باستثناء اللغة
العربية التي كانت
لغة البيروني العلمية)
التي كرست للبحث
في هذا المنهج.
لكننا في المقابل
نلاحظ أن تلك الدراسات
لم تعر اهتمامها
لمنهجين آخرين
من مناهج البيروني
المهمة، والذي
يعتبر من روادهما،
وهما المنهج التجريبي
والمنهج النقدي.
ويعود السبب برأينا
إلى عوامل عديدة،
يقف في مقدمتها
أن الدراسة المقارنة
ارتبطت عند البيروني
بدراسة الأديان
المختلفة، وكذلك
أن هذه الدراسة
شكلت أحد المصادر
الهامة لدى المستشرقين
لدراسة الحضارة
الهندية. إن الوصف
الذي قدمه عن حياة
الهند قبل ألف
عام في غاية الأهمية
ويضع أعيننا أمام
ظاهرة أدبية وتاريخية
منفردة، ويفتح
أبواباً جمة أمام
المهتمين بدراسة
الأديان. وعلى
حد تعبير إمبيري Embree "لقد
استنبط البيروني
سبيلاً جديداً
لرؤية واحدة من
الحضارات. وهذا
ما مكنه من فهم
الهند بطريقة لم
تتكرر حتى بدأ
علماء القرن التاسع
عشر بدراستهم المجزية
لحضارة وثقافة
الهند".
ومع إقرارنا
بالأهمية العلمية
والتاريخية لمنهج
البيروني في الدراسة
المقارنة وما قدمه
لدراسة الهند والأديان
بشكل عام فإن المنهج
النقدي، الذي ساهم
في إنضاجه وبلورته
لا يقل أهمية على
الإطلاق، إن كان
ذلك خلال دراسته
للوثائق والمصادر
التاريخية أو في
مجال دراساته في
العلوم الطبيعية.
وتتضاعف أهمية
المنهج النقدي
بالنسبة لنا اليوم
بالنظر لغياب الفكر
النقدي عن حياتنا
الثقافية والفكرية
والعلمية في الساحة
العربية.
* * *
أخذت الروح
النقدية تتسلل
إلى الحضارة العربية
بعد اتساع وتطور
حركة الترجمة.
وقد بدأ الموقف
النقدي يشق طريقه
في مؤلفات العرب
والمسلمين، بعد
أن أصبح حاجة موضوعية
للحياة الفكرية
الجديدة في المجتمع.
فبالإضافة إلى
التعامل العلمي
السليم مع المؤلفات
المترجمة برز اتجاهان
آخران متناقضان:
الأول يدعو إلى
رفض كل ما هو قادم
من الخارج بحجة
تعارضه مع تعاليم
الدين الإسلامي،
وعلى الأخص في
مجال الفكر والفلسفة.
والاتجاه الثاني
الذي تجلى في التقبل
الأعمى للمنقول
من الفكر والأدب
والانبهار بكل
ما هو جديد. لقد
تركت الكتب اليونانية
تأثيرها الكبير،
وخاصة في العلوم
الطبيعية، وغدت
السلطة العلمية
للعلماء اليونانيين
أقوى من أن تقاوم،
فسادت نزع التقليد
بدل الإبداع والتجديد.
عندها أدرك بعض
العلماء ضرورة
التعامل مع تلك
المصادر بقدر كبير
من اليقظة والحذر.
وأخذت بذور الشك
والريبة تتسرب
إلى عقول الباحثين
والدارسين، لتنشأ
منها فيما بعد
حركة نقدية علمية،
راحت تتطور مع
الوقت وتتسع لتشمل
مختلف جوانب الحياة
العلمية والفكرية.
ويمكن الإشارة
إلى العديد من
الأسماء التي تناولت
بالنقد والتحليل
المؤلفات اليونانية
والهندية المختلفة.
والذي يهمنا هنا
هو الفكر النقدي
في مجال العلوم
الطبيعية بالدرجة
الأولى. ومن بين
ألمع الأسماء في
هذا المجال: الكندي،
ابن الهيثم، ابن
سينا، الرازي،
وغيرهم.
كان الكندي
من بين العلماء
الأوائل، الذين
أدركوا الطبيعة
التراكمية للعلم
والمعرفة، وأن
مهمة العالم الحقيقي
هو أن يسعى من أجل
الحقيقة والترويج
لها، وليس مجرد
نقل وترديد ما
يقرأه في الكتب.
ودعى العالم إلى
ضرورة التحلي بالتواضع
والابتعاد عن الغرور،
لأنه مهما أبدع
وتعلم فإنه يبقى
بأمس الحاجة إلى
المزيد من العلم،
ويبقى بحاجة إلى
جهود غيره من العلماء.
ويقول:
"العاقل من
يظن أن فوق علمه
علماً؛ فهو أبداً
يتواضع لتلك الزيادة.
والجاهل يظن أنه
قد تناهى، فتمقته
النفوس".
وقد أدرك الكندي
أن العلم لا يعرف
الحدود، وليس له
وطن أو أو قومية
أو دين، بل ثمرة
لجهود أجيال متعاقبة
في جميع أنحاء
العالم. لكنه في
الوقت نفسه حذر
من تقبل كل ما هو
مترجم، حتى وإن
كان لكبار العلماء..
ومن الذين
ساهموا في تطوير
المنهج النقدي
ابن الهيثم (354 - 430هـ)
الذي ترك إرثاً
غنياً في العلوم
الطبيعية، مثل
علم الفلك والفيزياء.
لقد اتسم بروح
نقدية، تتجلى في
معظم مؤلفاته.
وحذر العالم من
مخاطر الانسياق
وراء كل ما يسمع
ويقرأ، وخاصة إذا
كان الأمر يتعلق
بالعلماء، لأن
"حسن الظن بالعلماء
في طباع جميع الناس".
لذلك دعى إلى اليقظة
والحذر، وإلى التحلي
بالموضوعية، فقال:
"الواجب على الناظر
في كتب العلماء،
إذا كان غرضه معرفة
الحقائق أن يجعل
نفسه خصماً لكل
ما ينظر فيه ويحيل
فكره في متنه وفي
جميع حواشيه ويفحصه
من جميع جهاته
ونواحيه ويتهم
نفسه أيضاً عند
خصامه فلا يتحامل
عليه ولا يتسامح
معه".
* * *
عناصر
المنهج النقدي:
المنهج هو
الطريق والأسلوب
الذي يسلكه العالم
لإنجاز بحثه. وطريقة
البحث تختلف من
علم إلى آخر وحسب
اختلاف موضوع البحث،
إضافة إلى أن طرق
الاستدلال قد تختلف
من عالم إلى آخر.
والبيروني كما
هو معروف عالم
موسوعي، له بحوثه
في الكثير من العلوم،
التي تتطلب طرقاً
وأدوات مختلفة
في البحث. لذلك
فإن المنهج النقدي
الذي اتبعه قد
يختلف في بعض التفاصيل
من حالة إلى أخرى
لكنه يبقى واحداً
في جوهره العام.
وسنحاول أن نتناول
عناصر المنهج النقدي،
أي الخطوات المتتالية
في البحث. لكننا
قبل ذلك نود أن
نشير إلى أن البيروني
قد حرص في مقدمات
مؤلفاته إلى تناول
المنهج الذي اتبعه
في دراساته وفي
تأليفه للكتاب
الذي يضعه بين
يدي القارئ. لذلك
فقد أعار المقدمة
عناية خاصة، وحاول
فيها أن يبين وجهة
نظره الفلسفية
تجاه المادة التي
يتناولها أو فلسفته
في الحياة. صحيح
أنه لم يستخدم
كلمة "منهج" لكنه
من الواضح أنه
يتحدث عن المنهج
بالذات. في كتابه
"الآثار الباقية"
يستخدم تارة تعبير
"الأصل الذي أصلته"
وتارة أخرى تعبير
"الطريق الذي سلكته".
وينحو المنحى
نفسه في مقدمة
كتاب "القانون
المسعودي" الذي
انتهى منه سنة
1037، أي بعد زهاء أربعة
عقود على صدور
الكتاب الأول.
وهنا لا يكتفي
بذكر منهجه بل
يشير إلى ضرورة
أن يقوم الباحث
بذلك، ويوجه نقده
إلى الكتاب الذين
لا يعيرون ذلك
اهتمامهم. يقول
عند حديثه عن الكتاب:
"ولم أسلك فيه
مسلك من تقدمني
من أفاضل المجتهدين
في حملهم من طالع
أعمالهم واستعمل
زيجاتهم على مطايا
الترديد إلى قضايا
التقليد باقتصارهم
على الأوضاع الزيجية
وتعميتهم خبر ما
زاولوه من عمل
وطيهم عنهم كيفية
ما أصلوه من أصل
حتى أحوجوا المتأخر
عنهم في بعضها
إلى استئناف التعليل،
وفي بعضها إلى
تكلف الانتقاد
والتضليل.. وإنما
فعلت ما هو واجب
على كل إنسان أن
يعمله في صناعته
من تقبل اجتهاد
من تقدمه بالمنة
وتصحيح خلل إن
عثر عليه بلا حشمة،
وخاصة فيما يمتنع
إدراك صميم الحقيقة
فيه من مقادير
الحركات، وتخليد
ما يلوح فيها تذكرة
لمن تأخر عنه بالزمان
وأتى بعده، وقرنت
بكل عمل في كل باب
من علله وذكرت
ما توليت من عمله
ما يبعد به المتأمل
عن تقليدي فيه
ويفتتح له باب
الاستصواب لما
أصبت فيه، أو الإصلاح
لما زللت عنه أو
سهوت في حسابه..
ولله عز وجل أستوفق
لما عزمت عليه
وأسترشده للوصول
إليه، وأستعصمه
من الزلل الذي
لا تخلو منه جبلة
البشر".
الشك:
ينطلق البيروني
في تقييمه التحليلي
للمعلومات ومصادر
معطياته من الشك،
إن كان ذلك يتعلق
بالمصادر والكتب
التاريخية أو ما
يتعلق بنتائج الدراسات
والتجارب في مجال
العلوم الطبيعية.
والشك عند أبي
الريحان ليس موقفاً
سلبياً متعمداً
تجاه العلماء الآخرين،
وليس مجرد عملية
رفض لمن سبقه في
ميادين البحث،
بل هو الخطوة الأولى
التي يخطوها الباحث
نحو الحقيقة واليقين.
لذلك يدعو الباحث
إلى التروي والتريث
في قبول ما يوضع
بين يديه من "حقائق"
ومعلومات حتى ينجلي
الموقف ويتأكد
من صحتها بالحجة
والبرهان. وأول
خطوة نحو اليقين
هي "إزالة ما يشوبه
من شوائب الشبه
والشكوك وبغير
ذلك لا يتأتى لنا
نيل المطلوب ولو
بعد العناء الشديد
والجهد الجهيد".
لذلك فإن الشك
هو الوسيلة العلمية
الضرورية للباحث
لبلوغ الحقيقة
التي يبحث عنها،
وليس نكرانها ورفضها.
ولكن الشك ليس
مجرد عملية اعتباطية،
بل هو أسلوب محدد
ينبغي اتباعه ومراعاته
بدقة وتوفير الشروط
الضرورية لكي يعطي
ثماره المرجوة،
وإلا فإنه سيتحول
إلى عملية رفض
سلبي يمكن أن توصل
إلى نتائج معكوسة،
أي يمكن أن يساهم
في طمس الحقائق
العلمية، بدل من
أن يساعد في الوصول
إليها. لذا فهو
يؤكد بأن الخطوة
الأولى هي فرز
المعلومات وتصنيفها،
ومن ثم البدء بفرز
الحقائق عن الأكاذيب
والخرافات بتفعيل
العقل واعتماد
القياس والبرهان
والحجة، واللجوء
إلى مقارنة ما
يتوفر من مصادر،
والاستعانة بالتجربة
والرصد والملاحظة
الميدانية. وهو
يعلم أن ذلك ليس
بالعملية السهلة،
بل تكاد أحياناً
أن تكون شبه مستحيلة.
كتب في مقدمة أحد
الكتب الذي وضعه
قبل بلوغه الخامس
والعشرين واصفاً
المنهج الذي اعتمده:
"على أن الأصل
الذي أصلته والطريق
الذي مهدته ليس
بقريب المأخذ بل
كأنه من بعده وصعوبته
يشبه أن يكون غير
موصول إليه لكثرة
الأباطيل التي
تدخل جملة الأخبار
والأحاديث وليست
كلها داخلة في
حد الامتناع فتميز
وتهذب. لكن ما كان
منها في حد الإمكان
جرى مجرى الخبر
الحق إذا لم يشهد
ببطلانه شواهد
أخر بل قد يشاهد
وشوهود من الأحوال
الطبيعية ما لو
حكي بمثلها عن
زمان بعيد عهدنا
به لثبتنا الحكم
على امتناعها وعمر
الإنسان لا يفي
بعلم أخبار أمة
واحدة من الأمم
الكثيرة علماً
ثاقباً فكيف يعني
بعلم أخبار جميعها
هنا غير ممكن،
وإذا كان الأمر
جارياً على هذا
السبيل فالواجب
علينا أن نأخذ
الأقرب من ذلك
فالأقرب والأشهر
فالأشهر ونحصلها
من أربابها ونصلح
ما يمكننا إصلاحه
ونترك سائرها على
وجهها ليكون ما
نعمله من ذلك معيناً
لطالب الحق ومحب
للحكمة على التصرف
في غيرها مرشد
إلى نيل ما لم يتهيأ
لنا..".
إنه يدعو إلى
التريث في قبول
الأخبار المنقولة،
خاصة تلك التي
مضى على وقوعها
فترة طويلة من
الزمن، والأخذ
بما هو مقبول ومعقول،
بعد أن يعرض كل
شيء على محك العقل،
فما قبله قبل،
وما رفضه رفض. ويذهب
أبعد من ذلك حين
يرى إمكانية الأخذ
بصحة بعض الأشياء
التي يقبلها العقل،
حتى وإن كانت ترفضها
العادات والتقاليد.
ويدعو دائماً إلى
الأخذ بالحجة والبرهان:
"إن البرهان
من القضية قائم
مقام الروح من
الجسد، وبجملة
النوعين يحصل العلم
بالاستيعان لاقتران
الحجة به والتبيان،
كما يقوم بمجموع
النفس والبدن شخص
الإنسان كاملاً
للعيان".
طبيعة
الأخطاء:
حرص أبو الريحان
في الكثير من كتاباته
على التمييز بين
مختلف الأخطاء
والنواقص التي
يمكن أن تشتمل
عليها المصادر
التاريخية المكتوبة
منها أو المنقولة
شفاهاً. هناك أخطاء
ذاتية وأخرى موضوعية.
ومن الأخطاء الذاتية
ما هو ناتج خلال
عملية النقل والنسخ،
ومنها ما ينتج
عن الترجمة من
لغة إلى أخرى. فهناك
كما يقول من "يحصل
ولا يصحح ويجمع
ولا يطالع". وهناك
من ينقل وينسخ
دون أن يكلف نفسه
مراجعة ما يقوم
به: "فإذا انضاف
إليه إغفال المعارضة
وإهمال التصحيح
بالمقارنة، وذلك
من الفعل عام قومنا..
ولولا هذه الآفة
لكفى نقل ما في
كتب ديسقوريدس
وجالينوس وبولس
وأوريباسيوس المنقولة
إلى العربية من
الأسامي اليونانية.
إلا أننا لا نثق
بها ولا نأمن التغاير
في نسخها".
وهناك الأخطاء
التي يمكن أن تقع
بسبب السهو أو
الزلل غير المتعمد.
فالإنسان، كما
يؤكد مراراً غير
معصوم من الخطأ.
لذلك يقف موقفاً
ناقداً لنفسه في
أكثر من كتاب،
ويدعو القارئ إلى
عدم أخذ كل ما يقرأه
بدون تدقيق وتمحيص.
ويعترف بأنه غير
منزه من الأخطاء،
فيدعوه "لإصلاح
ما زللت عنه أو
سهوت في حسابه..".
لنقرأ كيف يعتذر
من القارئ وهو
يقدم له جداول
تاريخية، نقلها
من بعض المصادر
القديمة لكن الوقت
لم يسمح بمراجعتها
وتدقيقها:
"ولم يساعد
الزمان على تصحيح
أسماء الملوك بالسماع
فليبالغ في تصليحها
وإصلاحها من عسى
وقف عليها طالباً
ما طلبته من تسهيل
الأمر على المرتاد
وإزالة مؤونة الطلب
عنه ولا ينسخها
معاً في سائر الجداول
إلا من له معرفة
بحروف الخما وعناية
صادقة بتصحيحها
فإنها تفسد بنقل
الوراقين إذا تداولوها
ولا يمكن إصلاحها
إلا في سنين كثيرة".
وتبقى هناك
المجموعة الأكبر
والأهم من الأخطاء
والمعلومات المغلوطة
والأكاذيب التي
لا بد من الحذر
منها، ونقصد الحالات
التي يحيد فيها
المؤلف عن طريق
الحق بوعي وعن
قصد لأسباب وغايات
مختلفة. وقد صنف
في كتابه "الهند"
الكتاب والمؤرخين
إلى خمس فئات،
فقال:
"فمن مخبر عن
أمر كذب يقصد فيه
نفسه، فيعظم به
جنسه ويزري بخلاف
جنسه. ومن مخبر
عن كذب في طبقة
يحبهم لشكر أو
يبغضهم لنكر، وهو
مقارب للأول؛ فإن
الباعث على فعله
من دواعي المحبة
والغلبة. ومن مخبر
عنه متقرباً إلى
خير بدناءة الطبع،
أو متقياً لشر
من فشل وفزع. ومن
مخبر عنه طباعاً،
كأنه محمول عليه
غير متمكن من غيره،
وذلك من دواعي
الشرارة وخبث مخابئ
الطبيعة. ومن مخبر
عن شيء جهلاً وهو
المقلد للمخبرين".
التجربة
والملاحظة:
لم يختلف موقف
البيروني في العلوم
الطبيعية بالرغم
من أن معظم المؤلفات
التي درسها كانت
تعود إلى كبار
العلماء. ففي مجال
علم الفلك دعى
دائماً إلى تدقيق
نتائج القياسات
والأرصاد السابقة،
وذلك عن طريق المقارنة
أو إعادة القياسات
الفلكية. وتدفعه
روحه النقدية وحرصه
على تقصي الحقيقة
أن يتخذ موقف الناقد
المتشكك من الأرصاد
والقياسات الفلكية
القديمة، بالرغم
من أن ذلك يتطلب
بذلك الكثير من
الوقت والجهد.
عند مناقشته للقياسات
السابقة لعروض
البلدان والأقاليم
التي أجريت في
الهند وبلدان أخرى
يتوصل إلى وجود
اختلافات جوهرية
في النتائج، ويتوصل
إلى أن سبب هذه
الاختلافات يعود
إلى اختلاف الطرق
المستخدمة في الرصد
والحسابات الفلكية،
إضافة إلى الاختلاف
الحاصل في زاوية
ميلان محور الأرض
في السنين المختلفة.
إضافة إلى كل ذلك
ما يلحقها من أخطاء
النساخ. لنقرأ
هذه الفقرة التي
ما تزال تحتفظ
بكامل أهميتها
- بالنسبة لمنهج
البحث، وليس لعلم
الفلك:
"قلما تجد نسختين
متفقتين على كمية
عروض الأقاليم،
حتى صارت الروايات
فيما تنسب إلى
المذكورين نسبة
الآراء أو المذاهب
إلى المجتهدين
فيها، وليست أشياء
موجودة بالرصد،
حتى يحتمل فيها
الخلاف، ولا مرتآة
بالنظر والتفكير
حتى يمكن تشعب
الطرق فيها، وإنما
هي مبنية على أصل
متفق عليه".
وبفضل خبرته
العملية الواسعة
في القياسات والأرصاد،
أو في إجراء التجارب
المختلفة أدرك
أن أفضل وسيلة
للتأكد من النتائج
هي الشك والارتياب
بصحة هذه النتائج.
لذلك يدعو الراصد
والباحث إلى إعادة
أرصاده وقياساته
مرة تلو المرة،
حتى يقطع الشك
باليقين. ويبدأ
البيروني بالنفس
فيقول:
"ولهذا يجب
أن يتيقظ الراصد
ويديم فحص أعماله
واتهام نفسه، ويقلل
العجب بها، ويزيد
الاجتهاد ولا يسأم".
ويشير في موقع
آخر: "وعلى هذا
عملوا كما عملنا،
وإن كان عملنا
للتوطيد".
وعند مراجعته
لنتائج بعض الأرصاد
القديمة راوده
الشك فقرر أن يعيد
الرصد للتأكد:
"وعلى شدة حرصي
أن أتولى الاعتبار
(التجربة)، واختياري
قاعاً صفصافاً
في شمال دهستان
التي في أرض جرجان".
ويقول في موقع
آخر: "فإذا كان
الحال على هذا،
وليس فيه غير التقليد
بعد حصول الهداية
للمقصود، والتهدي
لمأخذه، مع الحرص
على الحق والثبوت
على الأمانة والصدق،
لم تسكن نفسي إلى
غير المشاهدة،
فاعتبرته في حداثتي
بظل المنقلب الصيفي..".
كذلك كان موقفه في العلوم الطبيعية الأخرى، مثل الكيمياء والجيولوجيا والصيدلة، حيث كانت الملاحظة الدقيقة والتجربة وس