الحنابلة ببغداد

2 من 2

 

د.رشيد الخيٌّون

 

تابع البحث في الحلقة الأولى نشأة الحنابلة وحياة مؤسسها وعلاقاته بفقهاء ومحدثي عصره وحكامه، وما شاع عنه في قضية خلق القرآن، وتفاصيل محنته، ودأبه على جمع الحديث النبوي، وتقديسه للنصوص، ورفضه علم الكلام والجدل وعزوفه عن حضور مجالس المناظرات، وصلته الخاصة بجعفر المتوكل عبر الشاعر علي بن الجهم. في هذه الحلقة ينصب البحث على الحنابلة ما بعد أحمد بن حنبل، وقيادتهم للعامة، ومشاكساتهم مع الأشاعرة، وخضوع بعض الخلفاء لإرادتهم، حتى نهاية الدولة العباسية، ومحنة شيوخ الحنابلة آل الجوزي على يد هولاكو.

 

رغم خفوتها ببغداد منذ قرون وتحول العامة عنها، وجرف الفيضانات العاتية لضريح مؤسسها، ما زالت الحنبلية مضرب المثل على كل متعنت برأيه، فرداً كان أو جماعة، ورغم موقف أحفادها الوهابيين من تقديس الأشخاص والتبرك بأضرحتهم إلا أنها تبنت في نشأتها الأولى كل ما نبذه المتأخرون، وجعلوه ذريعة في اضطهاد المذاهب الأخرى.

كانت مخيلة الحنابلة خصبة في نعت إمامهم بنعوت لا تخلو من الطرافة، أكثرها منامات. قال عبد الله بن إسحاق المدائني (ت311هـ): «سمعت أبي يقول: رأيت كأن الناس قد جمعوا إلى مكة، وكأن الحجر الأسود انصدع، فخرج منه لواء، فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: أحمد بن حنبل بايع الله عزَّ وجل»(1). وقالوا: إن بحاراً دخل بيت الإمام وقال له: «جئت من البحر من مسيرة أربعمائة فرسخ، أتاني آتٍ في منامي فقال: أتِ أحمد بن حنبل وسل عنه، فإنك تدل عليه، وقل له: إن الله عنك راضٍ وملائكة سمواته عنك راضون، وملائكة أرضه عنك راضون»(2).

وقال بحار هندي: «إني رجل من بحر الهند خرجت أُريد الصين، فأُصيبت مراكبنا، أتاني راكبان على موجة من أمواج البحر، فقال لي أحدهما: أتحب أن يخلصك الله على أن تُقرئ أحمد بن حنبل منَّا السلام، قلت: ومنْ أحمد، ومنْ أنتما يرحمكما الله؟ قال: أنا الياس وهذا الملك الموكل بجزائر البحر، واحمد بن حنبل بالعراق، قلت نعم، فنفضني البحر نفضة فإذا أنا بساحل الأبلة، فقد جئتك أبلغك السلام»(3).

ومن حكاياتهم قول بلال الخواص: «كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا جاء رجل يماشيني، فعجبت منه، ثم ألهمت أنه الخضر، فقلت له: بحق الحق منْ أنت؟ قال: أخوك الخضر، قلت له: أريد أن أسألك مسألة، قال: سل، قلت: ما تقول في الشافعي؟ قال من الأوتاد، قلت: فأحمد بن حنبل، قال: صدّيق»(4).

ومن الكرامات التي شاعت فيما بعد عن محنته، قال علي بن محمد القرشي: «لما قدم أحمد بن حنبل ليضرب بالسياط أيام المحنة كنت حاضراً، وقد جُرد، فبينا هو يُضرب إذ انحل السراويل، فجعل يحرك شفتيه ثلاث مرات، فرأيت يدين خرجتا من تحته، وهو يضرب، فشدت سراويله، فلما فرغوا من الضرب وحطوه قمتُ إليه، وقلت: يا أبا عبد الله ما كنت تقول حيث انحل السراويل؟ قال: قلت: يا منْ لا يعلم العرش أين هو إلا هو، إن كنت تعلم أني على حق فلا تبد عورتي»(5)، وغير هذا كثير.

انتشرت هذه الكرامات بين العامة، التي أعتمد الحنابلة عليها في التحرك والتصدي للمذاهب الأخرى. فأن مذهبهم في التجسيم وخشونة العيش له مكانة روحية بين البسطاء، لذا كان لهم تأثير ملحوظ في الحياة السياسية والاجتماعية. فقد أحدثوا الاضطرابات يوم بادر القاهر بالله العباسي (ت339هـ) إلى لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، باقتراح من كاتبه الحسن بن هارون و صاحب الشرطة علي بن يلبق (قائد تركي قتله القاهر). فقالوا أنه صحابي لا يجوز لعنه، فقد ساوى ابن حنبل بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بقوله: «رحمهم أجمعين ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الاشعري والمغيرة، كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: سيماهم في وجوههم من أثر السجود»(6). ويومها «تقدم علي بن يلبق بالقبض على البربهاري (ت329هـ) رئيس الحنبلية، فنذر به وهرب، وقبض على جماعة من كبار أصحابه، وجعلوا في زورق مطبق، واحدروا إلى البصرة»(7).

قبل قرار القاهر في شتم معاوية، وقبل ظهور منْ عرف بالحنابلة، حاول عبد الله المأمون (ت218هـ) ذلك باقتراح من مستشاره المعتزلي البصري ثمامة بن أشرس (ت213هـ) روى ذلك مؤرخ تلك الحقبة ابن طيفور (ت280هـ)، بقوله: إن المأمون لما عزم على إعلان شتم معاوية على المنابر نصحه القاضي يحيى ابن أكثم أن يكفّ عن ذلك لأن «العامة لا تحتمل هذا وسيما أهل خراسان، ولا تأمن أن تكون لهم نفرة، وأن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصلح في السياسة»(8). سمع المأمون رأي قاضيه، وعزف عن قراره، لكن ثمامة لم يكترث للعامة بقوله: «يا أمير المؤمنين والعامة في هذا الموضع الذي وضعها به يحيى (ابن أكثم)، والله لو وجهت إنساناً على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك بعصاه عشرين ألفاً منها، والله يا أمير المؤمنين: ما رضي الله جل ثناؤه أن سواها بالأنعام حتى جعلها أظل سبيلا»(9).

وبعد سنة من خلافته أي السنة 323هـ أضطر الراضي بالله (ت329هـ) إلى منع تجمعات الحنابلة، خشية شغبهم بالطرقات والمساجد، ففي تلك السنة «ركب بدر الخرشني فنادى في جانبي بغداد في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنبلية، ألا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد، وحبس جماعة منهم، واستتر البربهاري، وكان سبب ذلك كثرة تشرطهم (مهام الاحتساب على الناس) وإيقاع الفتن المتصلة»(10).

وهذا نص كتاب الراضي في الحنابلة ورئيسهم البربهاري: «تأمل أمير المؤمنين أمر جماعتكم، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم، زُيّن لحزبه المحظور، ويُدلى لهم حبل الغرور، فمن ذلك تشاغلكم بالكلام في ربّ العزّة تباركت أسماؤه، وفي نبيه والعرش والكرسي، وطعنكم على خيار الأمة، ونسبكم شيعة أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الكفر والضلال، وارصادهم بالمكارة في الطرقات والمحال. ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة، التي لا يشهد بها القرآن، ولا يقتضيها فرائض الرحمن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، صلوات الله عليهم، وتشنيعكم على زوارها بالابتداع. وأنكم مع إنكاركم ذلك تتلفقون وتجتمعون لقصد رجل من العوام (أحمد بن حنبل)، ليس بذي شرف ولا نسب، ولا سبب برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمرون بزيارة قبره والخشوع لدى تربته، والتضرع عند حفرته، فلعن الله رباً حملكم على هذه المنكرات ما أراده، وشيطاناً زينها لكم ما أغراه. وأمير المؤمنين يقسم الله قسماً جهد إليه، يلزمه الوفاء به لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم، ومعوج طريقتكم، ليوسعنكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديداً، ويستعملنَّ السيف في رقابكم، والنار في محالكم ومنازلكم، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فقد أعذر منْ أنذر، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب»(11).

كان الحنابلة وراء اضطرابات سياسية بغية دفع الدولة إلى مواجهة الحركة القرمطية، ذات الطابع الشيعي الإسماعيلي، والتي خلفت حركة الخوارج في نشاطها المسلح. منه ما كان السنة 312هـ (أيام المقتدر بالله)، يوم وقع السبي على قوافل الحجاج، وعودة قافلة تلك السنة خالية من النساء والصبيان، الذين اختطفوا إلى هجر عاصمة الدولة القرمطية بالبحرين، «فانقلبت بغداد وطرقها في الجانبين، وخرج النساء حفاة منشرات الشعور، مُسودات الوجوه، يلطمن ويصرخن في الشوارع»(12).

ضج العامة على الوزير ابن الفرات (ت312هـ) ونعتوه بالقرمطي الكبير، فتحركوا مع العامة و«امتنعوا من الصلاة بالمساجد الجامعة ذلك اليوم، وارتجت بغداد بأسرها من الجانبين»(13). وحدث أن «تكاثر العامة على ابن فرات، ومعهم أسباب المنكوبين يدعون عليه، ويضجون، فاجتهد مؤنس (صاحب شرطة المعتضد وأمير الأمراء أيام المقتدر) في دفعهم، فما قدر على ذلك، ورجموا طيار (زورق) مؤنس لما كان ابن فرات فيه، وصاحوا قد قبض على القرمطي الكبير، وبقي القرمطي الصغير (ابن الوزير)، ولما وصلوا إلى باب الخاصة صعد جمع عظيم من السيميريات لرجم ابن فرات وولديه، وكاتبه بالآجر، حتى حوربوا، واحتيج إلى رميهم بالسهام»(14)، وكانت هذه الانتفاضة سبباً في سقوط وزارة ابن فرات، وبالتأكيد لم يكن العامة جميعا من الحنابلة، وخاصة في قضية مثل هذه القضايا التي تهم الناس كافة. لكن حضور الحنابلة المنظم والموجه بين العامة جعلهم قادرين على تحريكها ضد منْ يخاصمون، لذا حاول عدد من الخلفاء التقرب إليهم، فقد نقل عن المطيع لله (ت363هـ) «وقد أحدق خلق كثير من الحنابلة، حزروا ثلاثين ألفاً، فأراد أن يتقرب إليهم، بذكر أحاديث لإمامهم»(15).

يذكر ابن الأثير في أحداث السنة 443هـ من مواجهات الحنابلة والشيعة ببغداد، أن أهل الكرخ الشيعة آنذاك شرعوا بالكتابة على أبراج محلة السماكين والقلائين: محمد وعلي خير البشر، وقيل كتبوا ما أثار أهل السنَّة: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي شكر ومنْ أبى فيه كفر، فدعا شيوخ الحنابلة العامة إلى الإغراق في الشغب، ولم يتدخل السلطان البويهي الملك عبد الرحيم (آخر سلطان بويهي ببغداد)، لأن رئيس الرؤساء كان يميل إلى الحنابلة، فمحيت كلمتا خير البشر، وكتب محلهما «عليهما السلام». فقالت السنُّة: أن يقلع الآجر المكتوب عليه محمد وعلي، وان لا يؤذن بحي على خير العمل الشيعية، لكن الشيعة امتنعوا من ذلك، فكانت معارك بين الطرفين، فقتل رجل هاشمي من أهل السنِّة، فشيع ودفن عند قبر أحمد بن حنبل، وأثناء المعارك حُرق ضريح الإمام موسى بن جعفر الكاظم بالكرخ، ونهبت الدور المجاورة، ونبش القبر لنقل رفات الكاظم وحفيده محمد الجواد إلى مقبرة ابن حنبل(16).

وقد خلف الحادث رد فعل قوي عند أعيان الشيعة، وفي مقدمتهم أمير الحلة نور الدولة دبيس بن مزيد الأسدي (ت474هـ)، فولايته «وسائر أعمال النيل كلهم شيعة، فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله (ت467هـ) فروسل في ذلك وعوتب، فأعتذر بأن أهل ولايته شيعة، واتفقوا على ذلك، فلم يمكنه أن يشق عليهم، كما أن الخليفة لم يمكنه كفّ السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا»(17).

وفي السنة 447هـ «وقعت بين الحنابلة والأشاعرة فتنة عظيمة، حتى تأخر الأشاعرة عن الجمعات (صلاة الجمعة) خوفاً من الحنابلة»(18). وفي السنة 458 تخلت الدولة عن الجهر بالبسملة، وهذه كانت عقيدة الحنابلة. لكن أحد مصادر الشافعية قال أن ذلك لم يكن «إتباعاً لمذهب الإمام (ابن حنبل)، بل مخالفة للعلويين الفاطميين بمصر، لأنهم كانوا يجهرون بالبسملة»(19).

كانت المدرسة النظامية، التي أنشأها على أساس طائفي الوزير نِظام المُلك مكاناً لانطلاق حوادث الشغب والصراعات الطائفية، منها سنة 469هـ، لما نشبت الفتنة بين الحنابلة والأشاعرة حين «ورد إلى بغداد نصر بن القيشري وجلس في النظامية، واخذ يذم الحنابلة، وينسبهم إلى التجسيم»(20).

لكثرة الفتن بين أهل السنِّة، شافعية وحنابلة، كتب الوزير نظام المُلك إلى فخر الدولة يعبر عن امتعاضه مما جرى، والغضب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى، ونصح قائلا: «أرى حسم القول في ما يتعلق بالمدرسة التي بنيتها في أشياء من هذا الجنس»(21).

تبع ذلك، السنة 470هـ، كتاب نِظام المُلك إلى عميد المدرسة أبي إسحاق الشيرازي بخصوص التعامل مع الحنابلة(22). وفي السنة 484هـ زار الوزير بغداد، وفي ذلك قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي تعقيباً على سؤال الوزير حول مذهب الحنابلة: «فأحببت أن أسوغ كلاماً يجوز أن يُقال إذا سئلت. فقلت: ينبغي لهؤلاء الجماعة يسألون صاحبنا (ابن حنبل)، فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسلموا أنه كان ثقة، فالشريعة ليست بأكثر من أقوال الرسول وأفعاله، إلا ما كان للرأي فيه مدخل من الحوادث الفقهية. فنحن على مذهب ذلك الرجل، الذي أجمعوا على تعديله، كما أنهم (الشافعية) على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة.. وإن قالوا: أحمد ما شبه (تشبيه الله بمخلوقاته) وأنتم شبهتم، قلنا: الشافعي لم يكن أشعرياً، وأنتم أشعرية، فإن كان مكذوباً عليكم فقد كذب علينا، ونحن نفزع في التأويل مع نفي التشبيه، فلا يعاب علينا إلا ترك الخوض والبحث، وليس بطريقة السلف، ثم ما يريد الطاعنون علينا ونحن لا نزاحمهم على طلب الدنيا»(23). يفهم من كلمة ابن عقيل هذه، أن محنته المارة الذكر، في الحلقة الأولى، كانت بسبب شروعه بقراءة كتب متكلمي المعتزلة ليواجه فيها متكلمي الأشاعرة.

تدخل الحنابلة في حياة الناس الاجتماعية، كمطاوعة (جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، مثال ذلك: السنة 464هـ «لقي أبو سعد بن أبي عمامة (مفتي الحنابلة في زمانه، ويؤم بالخليفة المقتدي بأمر الله في التراويح وينادمه توفي 506هـ) مغنية قد خرجت من عند تركي بنهر طابق، فقبض على عودها وقطع أوتاره، فعادت فأخبرته فبعث التركي إليه منْ كبس داره، وافلت، وعبر إلى الحريم إلى ابن أبي موسى شاكياً ما لقي، واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد، فأقاموا فيه مستغيثين، وادخلوا معهم الشيخ إسحاق الشيرازي وأصحابه، وطلبوا قلع المواخير، وتتبع المفسدات، ومنْ يبيع النبيذ، وضرب دراهم تقع المعاملة بها عوض القراضة، فتقدم أمير المؤمنين بذلك، فهربت المفسدات وكبست الدور، وارتفعت الأنبذة، ووعد بقلع المواخير (بيت الدعارة) ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد»(24). وقف الحنابلة من الصوفية موقفاً سلبياً، رغم أن أسم المتصوف الجنيد (ت298هـ) ورد ضمن طبقاتهم. فمعلوم أن أغلب المتصوفة كانوا شافعيين. ومن مظاهر سلبية الحنابلة تجاه التصوف بغضهم لأحد أصحابهم الذي دفن والده «إلى جانب رباط الزوزني في إرضاء الصوفية، لأنه أقام عندهم مدة حياته، وبقي على هذا خمسة ايام، وما زال الحنابلة يلومون ولده على هذا، ويقولون: مثل هذا الرجل الحنبلي، أي شيء يصنع عند الصوفية، فنبشه بعد خمسة ايام بالليل، وقال: كان هذا أوصى أن يدفن عند والديه، ودفنه بمقبرة أحمد (ابن حنبل)»(25).

ظلت سطوة الحنابلة قائمة في القرن السادس الهجري، فحدث السنة 546هـ أن «سأل السلطان مسعود لما قدم بغداد ابن العبادي أن يجلس في جامع المنصور، فقيل له: لا تفعل فأن الجانب الغربي (الكرخ) لا يمكنون إلا الحنابلة، فلم يقبل، فضمن له نقيب النقباء وأستاذ الدار وخلق كثير الحماية، فجلس يوم الجمعة خامس ذي الحجة في الرواق، وحضر النقيبان وأستاذ الدار، وخلق كثير، فلما شرع في الكلام أخذته الصيحات من الجوانب، ونفر الناس وضربوا بالآجر، فتفرق الناس منهزمين كل قوم يطلبون جهة، وأخذت عمائم الناس وفوطهم، وجذبت السيوف حوله، وثبت وسكن الناس، وتكلم ساعة، ونزل وأرباب الدولة يحفظونه حتى أنحدر، وقد طار لبه»(26). ومع ذلك فإن رموز الشافعية حاولوا التصدي لنشاط الحنابلة عبر مناصبهم الرسمية، فهذا مرجان الخادم الشافعي (ت560هـ) «تعصب على الحنابلة فوق الحد، حتى أن الحطيم الذي كان برسم الوزير ابن هبيرة بمكة يصلي فيه ابن الطباخ الحنبلي، مضى مرجان وأزاله من غير تقدم بغضاً للقوم»(27)، وشكا منه ابن الجوزي بقوله: «وناصبني دون الكل».

وتأييداً للحنابلة، كتب صاحب المخزن إلى الخليفة المستضيء بأمر الله (ت575هـ) السنة 571هـ أن يطلق يد ابن الجوزي الحنبلي في الوعظ وتصدر مواجهة الشيعة، قال ابن الجوزي في هذا التكليف: «كتب أمير المؤمنين بتقوية يدي، فأخبرت الناس بذلك على المنبر، وقلت: إن أمير المؤمنين قد بلغه كثرة الرفض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع، فمنْ سمعتموه من العوام ينتقص الصحابة فأخبروني حتى أنقض داره، وأخلده الحبس، وإن كان من الوعاظ حدرته المشان. فانكف الناس، ثم تقدم في يوم الخميس عاشر شوال بمنع الوعاظ كلهم إلا ثلاثة كل واحد من مذهب: أنا من الحنابلة، والقزويني من الشافعية، وصهر العبادي من الحنفية»(28).

ومجاملة للحنابلة و بغية استخدامهم ضد الشيعة أيضاً، أمر المستضيء السنة 574هـ بعمل لوح على قبر إمامهم، وبنى سترة القبر بآجر جديد، وكتب عليه: «هذا قبر تاج السنِّة، وحيد الأمة، العالي الهمة، العالم العابد الفقيه الزاهد، الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني»(29). صاحب تجديد القبر أن «تقدم أمير المؤمنين بعمل دكة بجامع القصر (جامع الخلفاء اليوم) للشيخ ابن المنى الفقيه الحنبلي»، قال ابن الجوزي مزهواً بما ناله الحنابلة من حظوة: «فأتوا أهل المذاهب من عمل مواضع للحنابلة، وما كانت العادة قد جرت بذلك، وجعل الناس يقولون: هذا بسببك، فشكرت الله تعالى على ذلك»(30).

لكن القبر وما كتب عليه لم يصمد أمام فيضانات دجلة العاتية، فبفعل فيضان السنة 554هـ «انخسفت القبور المبنية، وخرج الموتى على رأس الماء»(31)، أما فيضان السنة 568، فطال قبة القبر والمدرسة النظامية(32). ولعله خُرب نهائياً في في&#