الولاده القيصرية للمسرح العراقي
د.حميد الجمالي
المسرح يعكس الحياة بشكل فني
المسرح فن تركيبي تتضافر فيه جهود فنيه كثيره يرمي الى فكرة التمثيل وأدائها امام الجمهور وهو بذلك يعكس الحياة بشكل فني يغني فيه المضمون ويتحسسه عن طريق الافكار التي تتجسد بشكل ابداعي على المسرح من خلال الكلمه، التعبير، التنظيم، الجمهور، كان منذ نشاته له علاقه في العادات والمناسبات وهو بذلك يصب بالتأثير المتبادل، وكما انه لايثبت على قاعده معينه بل متحرك بكافة الاتجاهات ويتطور ضمن افاق مخيلة الفنان وقدراته في المعالجه والخلق وبهذايعكس ثقافته، تصوراته، تجاربه، احلامه، بيئته، امانيه، وما يتعلق في وسائل الوجود الانساني بشكلها العام وكذلك في فلسفة الموازين وما يتصل في موضوع علم الجمال وأيضا في البحث عن الوصول الى أصل الوجود أنفرد بها الفنان عن طريق التعبير الحسي والوجداني عن بقية العلوم الاخرى... وبهذا تميز في الابداع الفني من خلال مراحل متعدده يمعنها في التفكير والاحساس... وهذه سلسله من التكوينات لها تطوراتها وأهدافها وبناءها واعدادها ثم أنبثاقها كنتاج أبداعي بعد أن أكتسب قدرا من الاتقان والكمال وكما يؤكد هيغل (بأن الاعمال الفنيه ليست منتجات طبيعيه وانما هي مصنوعات انسانيه وتخلق من أجل الانسان وتقتبس من العالم الحسي، وتخاطب حواس الانسان).
المسرح والايدلوجيا
وفي وقتنا الحاضر أرتبط فن الممثل بالصراع الايدولوجي على المسرح وبشكل خاص فرضت نفسها مدرسة برخت الذي أثبت الصيغه الاعلاميه للمسرح عندما قدم نظريته عن المسرح الملحمي حيث أكد برخت على الممثل أن يكون قبل كل شيء مفكرا ناشرا للأعلام الذي يضع أمامه هدف التربيه الاشتراكيه للجماهير.
وفي أيامنا هذه هناك أهتمام في فن التمثيل التأليفي أو التركيبي والمصطنع والذي يحوي على مستوى واحد تعابير الممثلين المختلفه من الكلمه والموسيقى.
يعتبر الثلث الاخير من القرن التاسع عشر الولاده للمسرح العراقي الذي كان فيه العراق تابعا للأمبراطوريه العثمانيه، كانت ولادة قيصريه عسيره وذلك لاقتصارها على النطاق الكنسي والمدارس المسيحيه في الموصل باديء الامر.
وفي مطلع القرن العشرين أخذ المسرح يحبو في بغداد وحصرا في مدرسة الكلدان، وكانت عموم الحاله في العراق هو التأخر الاجتماعي بنواحيه الثقافيه والاقتصاديه فكان تربه خصبه للمعتقدات الساذجه والتقاليد الباليه يغلفها الجهل والفقر ناهيك عن تفحل الامراض والاوبئه الفتاكه تصدى لها من امتلك المعرفه والوعي من المثقفين والشعراء والسياسيين مضافا اليه عامل الزمن بتطوره البطيء.
وقد ذكر زاهد محمد-في دراسات عن الملا عبود الكرخي- (وقد سجل الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي في شعره الكثير من المعتقدات الشعبيه التي تعتبر جزء من تراثنا الشعبي تدخل ضمن نطاق الفولكلور الذي يمثل-بالاضافه الى الشعر والادب الشعبيين-مجموعه المأثورات والتقاليد الشعبيه والاعتقادات الساذجه التي تتوارثها الاجيال المتعاقبه).
ان هذه الاجواء العامه قد خلقت أشكالا درامية شعبيه وبشكلها البسيط ومن خلال الحاله الشعريه أيضا، والشعر له مكانته المتميزه في العراق وله منصتيه بلهجته العاميه والفصحى، هذه الاشكال المسرحيه دعيت بالمسرح الأخباري الذي يقول عنه الدكتور سلمان قطايه (الأخباري يتألف من شاعرين شعبيين أو أكثر، يقفان في ساحه يرتجلان حوارا شعريا حول الاخبار السياسيه والاجتماعيه بينما يلتف حولهما الناس يستمعون ويعلقون على الكلام، ويعتبر رجال الاوربيون أن هذا النوع من المسرح هو أفضل شكل مسرحي لما يسمونه بمسرح الاثاره)
وفي فترة الاحتلال البريطاني الاولى أي ابان الحرب العالميه الاولى أنحسرت العروض المسرحيه وحل محلها العروض الانكليزيه لفرقة الجيش البريطانيه وحسب ماذكرت جريدة العرب عام 1919 بأن الفرقه قدمت على مسرح الصنايع ثلاثه وعشرون مسرحيه باللغه الانكليزيه.
ثم أرتدى الاحتلال البريطاني رداء اخر بتأسيس الحكومه العراقيه لعله يسكت الاصوات التي تنادي بالحريه.
ومع تنامي الوعي من غفوة السبات الطويله بدأ الشباب يتجه الى المسرح ويكون مجاميع فنيه كي يقدم عروضه المسرحيه ولكنها كانت على الاغلب غير متوفره فيها الشروط الدراميه منساقه الى الوعظ والاصلاح...
وفي أعقاب تلك الفتره وبمحاذاتها نجد في مصر وهو بلد نضجت فيه الظروف الماديه وكذلك البناء الفوقي وبروز الاحتراف المسرحي فقد جاء في مذكرات الفنان يوسف وهبي حينما أراد اجتذاب المصريات المثقفات لأعتلاء خشبة المسرح وقد نشرها في مجلة المسرح المصريه بعددها 38 عام 1967 ظهر في جريدة الاهرام اعلان يحث المواطنات ذوات المواهب للالتحاق بالمسرح.
وكان هذا الاعلان بمثابة الشراره التي أشعلت النيران فقد أثار الاعلان بعض المتزمتين من رجال الدين وصدرت فتوه من شخصيه أزهريه كبيره تقول (كل مسلمه تعتلي المسرح سافره أو تمتهن التمثيل فهي كافره) المسرح هذا المنبر الانساني العظيم والجميل هو المقياس الحضاري لأي بلد الشعوب تقاس بفنونها وادابها ومثلها وعلومها المسرح مركز اشعاعي يغذي عقولنا وأرواحنا بثقافته ومتعته.. لذا كان المسرح ضاربا في القدم الى عصور ماقبل الميلاد وليومنا هذا فما اروع ماقالته بريطانيا بشكسبير-أذا خسرت بريطانيا يوما مستعمراتها فأنها لن تخسر شكسبير.
************
سيكون للمسرح فضاء أرحب فيما لو اطلقت....الحريات...
قاسم حسن
في هذا اليوم يحتفل المسرحيون العراقيون مع زملائهم عربا واجانب وهم يتطلعون الى يوم يفتح المسرح فيه ابوابه على مصراعيها للناس للفرح للمحبة وللوطن، في محراب المسرح تعلمنا حب الوطن والناس وتعود الممثل العراقي اخترام المسرح حد الخشوع حتى تراه وهو يهم الصعود على خشية المسرح وكانه مقدم على صلاة.
الرواد زرعوا في نفوسنا هذا الحب وهذا الاحترام حتى امسى للمسرح العراقي واحد من المسارح العربية المهمة والذي قدم اعمالا اشيد بها على المستوى العربي وتمضي الايام.. عاما بعد عام ومسرحنا يبدأ بفقد بريقه ويبدوحزينا، لا ستارة ترتفع ولا أضواء تنير القاعة ومبدعوه يتنقلون من منفى الى منفى، في الداخل والخارج والغربة واحدة تذكرنا ببيت شعر يقول:
يا غريب ابدار غيرك
قلي، قلي شنهو بصرك بالغريب ابداره!!
وياتي يوم المسرح العالمي.. ومبدعي العراق في المسرح خاصة. يتحدون ارهابا لادين ولاضمير له.. يتبارون في الكم والنوع.. يبدعون في المكان والزمان......... يخلقون أشياء من لاشىء... وينتصرون للمسرح اولا والناس والوطن... فياايها المسرحيين العراقيين... دعونا نصرخ معا للحب.. دعونا نكسر أطواق الصمت التي التفت علينا...
تحية حب لكل مسرحي عراقي وفنان مبدع اينما وجد في داخل العراق وخارجه في يومكم يوم المسرح العالمي.. الذي تحتفلون به في هذا العام وانتم تتحدون اقسى.. انواع الحروب... هو الارهاب... كل الحب والاجلال والاحترام لفنانينا ولمبدعينا الاحياء منهم والاموات... ولشهداء المسرح العراقي في المنفى والوطن كل التبجيل والاحترام... نتذكرهم وهم شامخون في اذهاننا وقلوبنا وهم ذخرا للوطن والناس لايمكن نسيانهم.... هذه دعوة من عقل وقلب مسرحي عانى ماعانى... في ظروف المنفى المقيته... دعونا نحب... ونغني للوطن والناس..... ونبني وطنا حرا شامخا بمسرحه ومبدعيه... وسيكون للمسرح فضاء أرحب... لو أطلقت الحريات.
**************
بدون الديمقراطية والسلم، لاتدوم ظاهرة المسرح في المجتمع
لطيف حسن
أعلن العديد من المسرحيين العراقيين في يأس، عن موت المسرح في ظروف كابوس تراجع العقل العراقي المتنور وسيادة التفكير الظلامي على الثقافة وعلى المجتمع، وما أعقب الاحتلال من مرحلة هدم وحشية مبرمجة لكل معالم حضارة العراق المعاصرة، بدءا من نهب أنفس كنوز متاحفنا ألآثارية التي لاتعوض، ولوحات وأعمال فنانينا المعاصرين العظام و حرق المكتبات والأراشيف الرسمية التي كانت تحوي على أندر المخطوطات، التي من بينها ارشيف المسرح العراقي، وارشيف السينما الذي كان موجودا في مصلجة السينما والمسرح، فكل مسودات ونسخ الافلام السينمائية العراقية القديمة قد اتلفت، بما فيها الافلام العراقية الاولى الرائدة التي كانت نسخها الوحيدة محفوظة في الارشيف كفيلم (ابن الشرق) وفيلم (عليا وعصام) وغيرها وكل الآفلام التي انتجت في فترة النظام السابق، بحيث صرخ بعض مثقفينا بهلع على هذه الخسارة الكارئة (لقد فقدنا ذاكرتنا الثقافية تماما) وهم على حق، في ظل ما حدث بعد ذلك من انقسام وانحطاط المجتمع والتمدن وابتعاده عن قيمه المشرقة.
وقد تشرذم الوسط المسرحي كأنعكاس لهذا الواقع فيما بين مسرحي المهجراوالخارج، وما بين مسرحي الداخل المقهور، وما بين محاولات المسرح الأصيل للنهوض رغم الظروف العصيبة من الرماد، مستمدا قوته من جذوره وهويته الوطنية المعروفة، وبين مسرح ملفق آخر رفع رأسه عقب الاحتلال من قبل لمة مغمورة من الوسط الذين يجيدون تبديل العباءات والولاءات بما ينسجم مع كل ظرف، مستغلين موجة الفوضى الاجتماعية المدمرة، وفي ظل الفراغ الثقافي، مبدلين ماكانوا يقدمونه في السابق من المساخروالتهريج ويحيا القائد، الى مسرح اللطمية والبكائيات والنحيب....
وبالرغم من هذه الصورة القاتمة لواقع حال المسرح العراقي اليوم، وصمت المسرح الأصيل الجاد، فأن المسرح العراقي مازال بخير، وجذوره التي غرسها الرواد الأوائل بدأب وأصرارخلال قرن ونصف قرن من الزمان و مارافق ذلك من تضحيات شخصية جسيمة، لن تكون سهلة القلع بهذه السهولة.
أن ظاهرة المسرح في العراق هي نتاج وأنعكاس للصورة المتغيرة لخصائص المجتمع العراقي في تفاعلاته مع محيطه وزمانه، والظاهرة صورة لتطور وعي الفرد العراقي في غضون القرنين الماضيين من خلال علاقة ثقافته الشخصية العامة المجسدة بالدين والتقاليد والموروث الشعبي، وبالزمان والمكان، فهو نتاج صيرورة هذا المجتمع وهو يلج عالم المدنية المعاصرة بشكل مفاجيء وعاصف بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، وتقبله التدريجي المؤلم الطويل لفكرة المسرح الوافد اليه فيما بعد، عبر محطات هامة من الأنتكاسات والتقدم الأجتماعي، فالمسرح كمظهر أحتفالي وحال المجتمع لابمكن تناولهما الا كوحدة ونسيج متشابك الخيوط، من الصعب تناول أحدهما بمعزل عن الآخر، بأعتبار ان المجتمع هو الذي يفرز نوعيا في كل زمان شكل مظاهره الأحتفالية الملائمة ، والمظاهر الأحتفالية بالضرورة تعكس أفتراضيا صورة ذهنية ومزاج هذا المجتمع في ذلك الزمان.
ان المسرح العراقي الذي اعلن عن انتصاره على التقاليد الاجتماعية التي كانت ترفضه في ثورة 14 تموز 1958، عندما وفرت في بداياتها أجواء الحرية و الدبمقراطية الحقيقية للناس (قبل ان تلتف الرجعية على هذين المكسبين الى الأبد)، تحولت بغداد والمدن الاخرى الى ساحة واسعة للمهرجانات المسرحية، في المسارح القليلة والشوارع والمنتزهات ومقرات المنظمات الاجتماعية والديمقراطية، صعدن النساء بشكل واسع لأول مره على المسرح بالعشرات بدون حرج من العاملات والموظفات والطالبات وكلهن من الهواة، وفي هذه الفترة الثورية، وحطمت آزادوهي صاموئيل التقاليد القديمة بدخولها كأ ول رائدة لدراسة المسرح في معهد الفنون الجميلة، لقد وجهت في هذه الفترة الوجيزة من تاريخ العراق بأنتصار المسرح على التقاليد القديمة التي كانت ترفضه وتقاومه، ضربة موجعة لأخلاق وقيم الاقطاع الأجتماعية التى كانت سائدة في الفترة الملكية.
ان مسرحا قدم (بيدبا) وآني امك ياشاكر) و(النخلة والجيران) و(الطوفان) و(بيت ابو كمال) و(البيك والسايق) و(الست حسيبة) و(كلكامش) لايمكن ان يموت بجملة تقال، او رغبة احد في ذلك، المسرح صنو التقدم الأجتماعي والتحرك الى الامام، فأذا تعثر هذا التقدم أنتكس المسرح بدوره، هو رمز لهذا الحراك الموضوعي، بيئته الديمقراطية والحرية والسلم الاجتماعي، وأن صَمَتَ المسرح اليوم في ظل الكارثة المحيقة بالجميع فهو صمت مؤقت، والمستقبل في كل الأحوال هو مع منطق التقدم الحتمي.
**************
"بيت برناردا ألبا.. يوم المسرح العالمي"
لطيف صالح
في يوم 28 حزيران عام 1948 أُعلن عن تكوين الهيئة العالمية للمسرح برآسة جون بريستلي.. في براغ، جاء في مقدمة اعلان التكوين:-
"الفن المسرحي نشاط عالمي يعبر بواسطته الانسان عن نفسه في كل مكان لذلك فأن هذا الفن هو إنساني"
عن مجلة المسرح العراقية.
- إعتاد المسرح العراقي أن يحتفل في 27 آذار من كل عام بيوم المسرح بإسم المركز العراقي للمسرح، حيث يقام مهرجان للعروض المسرحية يستمر أيام عديدة، توزع فيه الجزائز على الفرق المسرحية لأفضل عمل خلال السنة وأفضل مخرج وأفضل ممثل وممثلة، كما تخصص جائزة للديكور وغيرها من الجوائز التي إستحدثت مؤخراً..
- في عام 1978 كنا نعرض نحن عضوات وأعضاء فرقة المسرح الفني الحديث مسرحية "بيت برناردا ألبا" للكاتب الإسباني "لوركا" وإخراج سامي عبد الحميد في ظروف سياسية صعبة ومعقدة، حيث بدأت السلطة بشن حملة قمعية واسعة ضد الحزب الشيوعي العراقي وأنصاره بدأتها في المحافظات، وكان مسرح بغداد يعج بجمهور المشاهدين كل يوم، وقسم منهم من أبناء المحافظات الهاربين من جحيم السلطة.
- تعرض مسرح بغداد أثناء العرض إلى تكرار قطع التيار الكهربائي، وكنا قد أعددنا العدة لمثل هذه المفاجئات، فكنا نوزع الشموع في قاعة المسرح بأقصى سرعة، وكان التمثيل يجري فى ضوء الشموع، أما الجمهور فقد فهم اللعبة وأخذ يبدي إستحسانه بالتصفيق للفكرة.
- ومن الجميل أن أتذكر سفر إحدى الممثلات إلى خارج العراق بعد ان شعرت بدنو الخطر يحوم حولها... وبعد حيرة من قبل الممثلات العاملات في المسرحية واعضاء الفرقة جميعاً، تبرعت إحدى الزميلات للتمثيل بدلاً منها ماسكة بالنص المسرحي تقرأ فيه، فمرّ العرض بسلامة وتقبله الجمهور بكل التقدير والحب.
- نالت مسرحية "بيت برناردا ألبا" على أفضل عمل مسرحي خلال الموسم، وافضل إخراج لسامي عبد الحميد، والديكور للفنان الراحل كاظم حيدر، وأفضل ممثلة إلى الفنانة الراحلة "زينب" ولكنها لم تستلم الجائزة بعد أن غادرت العراق مكرهة !!!؟.
**************