احتفاءً بيوم المسرح العالمي
عندما شن نظام صدام حسين المقبور حملته سيئة الصيت ضد الفصائل التقدمية ، في أواخر السبعينات ، والمتمثلة بالشيوعين واصدقائهم ، اضطرت مجموعة كبيرة من المثقفين العراقين الى ترك الوطن وتوزعوا في المنافي وقد تجاوز عدد الادباء والكتاب والصحفين والفنانين الذين هاجروا الى اكثر من الف فنان واديب وذلك حسب احصائات رابطة الكتاب والصحفين العراقين التي اصدرت كراسا بهذا الخصوص في مطلع الثمانينات. اما بخصوص المسرح فيتوزع اليوم في بلاد الشتات ما يقارب المائتين فنان بين ممثل ومخرج ومهتم بالشأن المسرحي وقد طلبت( طريق الشعب ) من الذين استطعنا ان نصل اليهم للمشاركة في ملف يوم المسرح العالمي وتركنا لهم حرية الحديث بين سرد ذكريات اوتشخيص تطلعات او طلب أمان يتمنى الفنان ان يراها وقد تحققت في العراق الجديد.كان بودنا ان يكون ضمن المساهمين اسماء لها بصماتها ودورها المتميز في المسرح العراقي ولكن اسبابا تقنية حالت دون ذلك . . .كان لنا الرغبة بقراءة كلمات فنانين آخرين مثل : خليل شوقي ، روميو يوسف ، جواد الاسدي، منذر حلمي ، مي شوقي ، فاضل السوداني ، نور الدين فارس ، ثامر الزيدي ، زكية خليفة ، اقبال محمد علي ، نماء الورد . . . والقائمة طويلة وحتما سيكون لنا معهم لقاءات تمتع القارئ وتلقي ضوءا جديدا على المسرح العراقي.
*********
تحية الى كل من اعتلى المسرح جادا
روناك شوقي
مخرجة مســــرحية
هل استطيع ان اكتب شيئا عن يوم المسرح العالمي؟ مستحيل، لان هذا اليوم يعذبني كثيرا حد البكاء، فكل يوم هو عيد بالنسبة لكل مسرحي، فالمسرح عذابي الشخصي، فهنا في المهجر لا احد يتذكر هذه المناسبات الا المسرحيين انفسهم، ولاننا متواجدون في اماكن متباعدة، فالتجمع امر صعب للغاية، فلا دول ولا مؤسسات تحتفل بنا، ولكن تبقى الاماني في القلب المجروح.
تحيتي الى خليل شوقي، والدي الذي علمني الدرس الاول في التواضع وحب المسرح، علمني كيف اسمو بشخصياتي، بآلامهم وعذاباتهم، وكيف اقول الحقيقة بشجاعة دون تباهي، علمني ابي ان الحياة فعل ورد فعل، وهكذا هو المسرح، فرحت ابحث عن وجودي على خشبة صغيرة حملتها على كتفي من مهجر الى اخر، وكأنه عالمي الصغير الذي اوصاني والدي حمايته، ولولا هذه الخشبة الصغيرة التي اسمها المسرح، لمت قهرا على وطني واحلامي الصغيرة التي تركتها هناك في بيتنا الصغير.. في عالم مسرحي عرفت معنى الانسان.
تحيتي الى قاسم محمد، استاذي الذي عندما التحقت بمعهد غيتس في موسكو، سألوني الاساتذة عنه (هل تعرفين قاسم محمد انه احسن طلاب المعهد)، عندها ملأني الفخر والفرح، وقلت انه استاذي الذي علمني كيف اخرح من هيمنة ستانسلافسكي الى حد الجنون، حد المتعة، وكيف ان المسرح هو الفراغ والسكون والحركة، وان المسرح يقلق ويستفز الآخر، والكلمة فيه حكمة في عالم فقد عقله.
تحيتي الى ناهدة الرماح التي فقدت نظرها وهي في قمة عطائها تجول شوارع لندن، تحدثهاعن شخصيات مازالت تواسي يومها الطويل، والى مي شوقي التي توقفت عن التمثيل عند لحظة تجليها، كي لا يفرض عليها النظام تمجيد بطولاته، والى اخرين غيرها، الى منذر حلمي الذي ظل صامتا منذ ان خرج من وطنه حاملا وجعه من مهجر لاخرحتى ضاع العمر، فأصبح منسيا، والى بدري حسون فريد يجلس يراقب مثل باقي جيله ماصار اليه الوطن، والى علي فوزي الذي يواسي نفسه في منفاه بالكتاية عن الماضي، والى جيل كامل اسس تجريته المسرحية في مهاجر الله الواسعة دون مؤسسات تدعمه ولا مهرجانات تصنعه، فصارالمسرح وطنهم، مع كل سفر جديد يفرشون الارض بأفكارهم وشخصياتهم واحلامهم المتكسرة مثل سيرك جوال، او غجر جوالين مع كل عرض مسرحي يصعدون الى السماء ويهبطون فيجمعون ادواتهم، وهكذا تتكرر معاناتهم مع كل مهجر جديد يبنون مسرحا وهميا يواسون ارواحهم التائهة مثل صخرة سيزيف، ولكنهم ما زالوا يحلمون انه سيأتي اليوم الذي سيلعبون على خشية المسرح حيث الابجديات الاولى، وحيث تمتلئ الصالة بجمهور، سنحكي له قصصنا بكل ما فيها من مرارة وافراح، وسيحكي لنا عن الحرب.. والحرب واشياء اكثر انسانية، تحيتي الى الجيل الجديد الذي يحترق هناك تحت شمسنا الحارقة، يتحدى المتخلفين وحاملي السلاح والذين يتحسسوه كلما سمعوا كلمة ثقافة، لكنهم يصنعون بوعيهم وشغفهم مسرحا جديدا متحررا، مسرح العقل والحكمة، مسرح ليس لنقل المعاناة التي نعيشها بل مسرح الجمال والفخامة، مسرح الرخاء، عندها في يوم المسرح العالمي سيمتد البساط الاحمر الى اكبر مسارح بغداد، وسنحضر كلنا نحن المسرحيين باجمل الملابس، ومعنا ذكرى كل الذين فقدناهم مثل كل الدول المتحضرة لنحتفل بهذا اليوم ونحن فخورين بتجاربنا المسرحية فكلها تحكي قصة العراق.
**********
ثلاثون عاما بعيدا عن المسرح . . . . ثلاثون عاما من الغربة
الى روح الفنان الخالد ابراهيم جلال
طه رشيد
ثلاثون عاما بالتمام والكمال تفصلني عن المسرح الحقيقي وهي الفترة التي قضيتها - وما زلت - في الغربة /المنفى، لم يكن هذا الابتعاد خيارا بل كان اضطرارا فالهجمة التي شنها - آنذاك - النظام الفاشي/عفلقي على الحركة الوطنية وخاصة اليسارية والمتمثلة بالشيوعيين واصدقائهم ،مع مطلع بداية عام 78 لم تستثن قطاعا معينا بل شملت كل مفاصل الحياة - التعليم، الصحة، الاعلام، الرياضة، مختلف الوظائف الحكومية,...الخ - وجرى (التبعيث!) على قدم وساق، فلم يكن امامي وامام عدد كبير من الفنانين الا حل واحد وهو المغادرة والبحث عن متنفس في ارض الله الواسعة. آخر عمل مسرحي ساهمت به في الموسم المسرحي 78 هو مسرحية (رحلة في الصحون الطائرة) التي قدمتها فرقة المسرح الفني الحديث على مسرح بغداد وقام باخراجها الفنان الراحل ابراهيم جلال وأداها الفنانان الكبيران سامي عبد الحميد وقاسم محمد وقد كلفني المخرج بتصميم وتنفيذ الانارة المسرحية بينما كلف الفنانة سـلمى العلاق بتصميم الديكور وبلمسات واضحة من الفنان الراحل ابراهيم جلال.
الفنانان سامي عبد الحميد وقاسم محمد في رحلة في الصحون الطائرة
وضع المخرج في كل مشهد من مشاهد المسرحية حبل يتدلى من السقف على شكل مشنقة مما دعى الهيئة الادارية - وخوفا منها على مستقبل الفرقة - ان تنبّه الفنان ابراهيم جلال على خطورة هذه المشانق / الرمز وخاصة ان دماء المواطنين العراقين الذين اعدموا في مطلع 78 بتهمة انتمائهم للحزب الشيوعي العراقي لم تجف بعد.
غضب ابراهيم جلال غضبا شديدا وراح يشتم الحكومة ومسؤولي الثقافة والحزب الحاكم امام جميع العاملين في المسرحية الا انه اضطر في النهاية ان ينصاع للأمر الواقع ويقطع حبال المشانق مبقيا على مشنقة واحدة كبيرة متدلية وسط المسرح ولم يكتف بذلك بل شفّر كلمة المخرج في دليل المسرحية بقوله (أصرخ أريد ان اصبح انسانا، الظروف لا تريد لكن بعضها يريد).
كانت المسرحية تتنبأ بما سيحل في العراق من حروب ومآسي وخراب من خلال قصة بسيطة تتحدث عن جندي يعود من الأسر فلم يجد والدته التي توفيت قبل اطلاق سراحه ولم يجد بيته فقد استولى عليه المختار وحين راح يطالب به أودع في مستشفى المجانين.... ومس الجنون الجميع حتى تلاشت الحدود بين الوطن ومستشفى المجانين.!!!
***********
التحليق نحو مسرح بغداد
فاروق داود
كانت التمارين والتجارب المسرحية ذات طابع حر لامتناهي، وعند الخوض بتجربة جديدة فكأنك دخلت في لعبة مشوقة لاتريد لها نهاية، كان ذالك في اروقة جامعة بغداد وخاصة على مسرح وكواليس قاعة الحصري، والكواليس المسرحية هنا تعني التداخل الحميم بين العمل العلمي والمختبري وبين قاعة المسرح، حيث كان هناك منفذ يربط خشبة المسرح ومختبرات قسم علوم الحياة.. يتواجد عادة في تلك القاعة ذلك الشاب الطموح المتخرج حديثا من اكاديمية الفنون الجميلة، هو الفنان صلاح القصب، بانتظار طلبته ليبدا رحلة اليوم وكل يوم أللانهائية.. ويالعناد واصرار وصبر ذالك المسرحي الذي اعتمد على هواة ومبتدئين ليقدم على المسرح الجامعي أعمالا كالحلاج، ومسرحيات من الأدب العالمي، فكانت تلك فرصة لأختبار قدراتنا في مجال ألتمثيل من ناحية وتنميتها من ناحية ثانيا وخاصة وأن (القصب) كان في بدايات بحثه وتجاربه في مجال المسرحية، ولأنها كانت أختبارات وتجارب.. مما أتاح لبعضنا فرص ألتنوع في ألأداء بتقمص عدة ادوار في مسرحية واحدة..
كان جيل الشباب المسرحي في تلك ألفترة (السبعينات من القرن الماضي)، يعمل ويبحث بدأب وبعصامية بالغة ونكران ذات من أجل احداث نقلة نوعية في ألفن المسرحي العراقي، كان هناك هم حقيقي وحمى ابداعية مهولة ولم يكن في حسبان احدهم المال او السلطة ولا حتى الشهرة بشكلها اليوم، وتغلبوا على جوعهم ألجسدي بألصبر وباللقمة ألمتواضعة، وأما نهمهم فكان بالتهام الكتب والأطلاع على تجارب الآخرين بالوسائل الممكنة آنذاك.
كانت قدماي قد أفتقدتا حس الجاذبية ألأرضية بنسبة كبيرة وشعرت فعلا بحالة تحليق.. هو ليس تماما كذا.. هو فقط كما الحالة الوجدانية ألمنتفظة ألمؤدية الى الطيران... لاأدري كيف وصلت الى مسرح بغداد، بعد ان وصلتني دعوة لتادية احد ألأدوار ألمسرحية..؟.
كانت تلك ألخطوة ألأولى نحو تحقيق حلم طالما راودني، وانا اشاهد مع ألجمهوراعمال فرقة المسرح ألفني ألحديث وأتخيل أنني واحد من افراد هذه العائلة.. كانت (الحديث) في عقلي ووجداني وطموحي كفنان، كانت بمثابة العائلة الوطن التي ستاخذ بيدي لأكون احد افرادها في شق طريق الفن الخالص المتجرد من الهموم الذاتية، الا هم ألأبداع ألمسرحي..
دون جوان
كان الدور ألذي أسند الي هو شخصية سكاناريل في مسرحية دون جوان لموليير، وقيل آنذاك انني كنت احلق على خشبة المسرح، لاادري.. انا فقط كنت مفعما بالطاقة وذائبا في الشخصية التي عشتها على ألخشبة.
في تلك الفترة فتحت أبواب الفرقة وقلوب اعضائها، مجالا رحبا لعطاء الخريجين الجدد والتجارب الشابة ألجديدة فكان الفنان الراحل عوني كرومي المجتهد ومسرحه المفعم بالحيوية والمثقل بالمٌثل والتجارب الجديدة واولها (المسيح يصلب من جديد).. وذلك الممثل.. في ذلك الدور لم يبرح مخيلتي لأكثر من ثلاثين عاما أداء عزيز خيون لشخصية يهوذه، المرن والرشيق كالقوس ونافذ كالسهم وصوته كالرعد.
العالم على راحة اليد
وكان العالم على راحة كف جواد الأسدي ألذي قدم عملا شبابيا رائعا.. وكان الدور لمحطة مسرحية من نوع آخر،وهذه المرة كان العمل لنص مسرحي فلسفي يعني بقضية تتعلق بكنه الوجود ألأنساني.
وكنت سألعب شخصية الشيخ الوحيد المتوحد في جزيرة تتضائل رقعتها تدريجيا، لتشد الخناق عليه. والتي حفزت في مخيلتي فكرة ألأرادة البشرية وقدرتها على تجاوز الصعاب المتمثلة في عمل ابداعي لـ همنكواي في روايته الشيخ والبحر.... كان هذا العمل من تأليف واخراج ألفنان فاضل السوداني..
وكان يوم المسرح العالمي، بمثابة يوم تتويج النخبة الرائعة لدعائم وقمم المسرح ألعراقي، الذين بتضحياتهم ونكران الذات والعمل الدؤوب، وبالرغم من ألعواصف المتلاحقة، وبأتجاهاتها المختلفة التي عمت الوطن...أستطاعوا ان يضعوا اللبنات ألأولى لبناء مسرح متميز بعراقيته وهويته الوطنية وتقدميته ومستواه الفني.
وحتى في حالات ألأغتراب والتشظي، فالفنان العراقي اينما حل، حمل معه تلك البذرة الخيرة واستمر عطاؤه ونشاطه وواصل التحليق في فضاءات عزيزة على روحه وكيانه وبوصلته دوما في توهجها كانت تتجه نحو مسرحه الكبير بحجم العراق.