تعليق 1/8/2002

عن مكرمات القائد

يفهم الطاغية الدولة، والواجبات المترتبة عليها ازاء مواطنيها، بصرف النظر عن قومياتهم واديانهم وانتماءاتهم السياسية، تلك الواجبات التي هي جوهر وجود الدولة ومبرره، والمثبتة في كل دساتير العالم وقوانين الدول، على اختلاف مشاربها الفكرية وانظمتها السياسية، بل حتى في الدستور العراقي المؤقت، الذي وضعته سلطة انقلاب 17 تموز نفسها.

نقول: يفهم الطاغية الدولة، على انها ضيعة، او ملك خاص، ورثه فصار ملكاً خالصاً له. لذلك فهو وجلاوزته يسمون اي شيء تقدمه الدولة للمواطن، ومهما كان ضئيلاً بالمكرمة، رغم انه في الصميم من واجبات الدولة تجاه مواطنيها. فأذا وزعت دجاجة كل ستة اشهر او سنة على العراقيين، الذين اصبح 80% منهم تحت خط الفقر حسب المعايير الدولية عدّ ذلك مكرمة! واذا انقطت الكهرباء لعشر ساعات بدلاً من ست عشرة ساعة، حسبت مكرمة. واذا اضيفت للبطاقة التموينية غرامات من الطحين وضعت في عداد المكرمات، وطبل لها الاعلام بمختلف وسائله وابواقه.

وهكذا لا ينتهى مسلسل المكرمات والافضال، التي يغدقها المحسن الكبير "صدام حسين" على الشعب العراقي. واخرها مكرمة سيادته بايقاف العمل بقرار ترحيل السيارات التي يبلغ عمرها حوالي 20 سنة من بغداد الى المحافطات العراقية الاخرى.

ان من الامور البديهية في الدولة المتحضرة، وحتى نصف المتحضرة، ان المسؤولين فيها، ابتداءً من الرئيس، ونزولاً الى اصغر موظف، يعلمون حق العلم انهم وجدوا لخدمة شعبهم، دون محاباة او تمييز.

واذا ما اخل احد منهم بواجباته ومسؤولياته، فهناك برلمان منتخب ديمقراطياً ومن الشعب، ومؤسسات مجتمع مدني تحاسبه، ويمكن لها ان تقصيه من موقعه، اذا ما ثبتت عليه ذلك.

اما في عراقنا المبتلى بدكتاتور فاقد لكل ما يمت للانسانية بصلة، وبالتالي فهو فاقد لادنى شعور بالمسؤولية، فنرى العكس تماماً، حيث يحق له، هو وجلاوزته، وحسب شرعهم، ملاحقة الشعب واذلاله، لانه يعارض تصرفاتهم الحمقاء، ولا يوافق على طروحاتهم الخرقاء واعمالهم الاجرامية.

من هنا ياتي الفرق بين حكام يعرفون ما لهم وما عليهم, وانهم جاءوا لخدمة شعوبهم، وحكام او بالاحرى حاكم فرد، لا يعرف وسيلة لادارة الدولة، وقيادة الشعب، سوى قوة الحديد والنار.

اذن الفرق كبير جداً في التفكير والنهج وفلسفة الحكم. ومن هذا المنطلق الرث، المتخلف، والمنبعث من اعمق الكهوف المظلمة في حيوات ونفوس مريضة اصلاً، يطفو على السطح هذا لفهمهم المشوه، واللاعقلاني، بل الخرافي، لعلاقة الدولة بالمواطن، وعلاقة الفرد بالمجتمع.

واذاً لا غرابة في ان يعتبر حكام العراق كل ما هو حق طبيعي لكل عراقي وعراقية، منّة ومكرمة ممن اغتصب كل شيء في حياتهم، واحالها الى جحيم لا يطاق.

على ان هناك مفارقة لافتة وسط كل هذا الدجل والنفاق والتهويش. فالطاغية يأمر اجهزتة القمعية والادارية في احيان كثيرة، باتخاذ اقسى الاجراءات والعقوبات بحق شرائح اجتماعية واسعة، لكي يلحق بها الاذى الشديد، ويجعلها تتشبث باي شيء، في سبيل الغاء تلك العقوبات او التخفيف من وطأتها. وهنا يتقدم الطاغية ليلعب دور المنقذ والمخلص وحامي حمى ابن الشعب المنهوك والمعذب. فيلغي تلك الاجراءات والعقوبات التي امر بها هو نفسه، او عبر احد جلاوزته، ظناً منه ان ابناء الشعب سيرضون عنه، وسيكنون له الحب والاحترام. ومتناسياً ان الجميع يعرفون جيداً الاهداف الكامنة وراء هذه الاساليب الرخيصة والمسرحيات المفضوحة التي يستهدف منها تملق جماهير شعبنا، والتودد اليهم. سيما في الوقت الحاضر الذي يعاني فيه، هو ونظامه المقيت، من مخاطر جمة، يريد ان يتجاوزها باي ثمن وأي سبيل.

ان الطريق الامثل لاعادة الكرامة الى ابناء شعبنا العراقي، وتمكينهم من التمتع بخيرات وطنهم العراق، وما تنتجه سواعدهم وعقولهم، بعيداً عن هذا النفاق الذي يصيبهم بالغثيان، ان هذا الطريق انما يكمن في توحيد طاقات الجميع دون استثناء، للقضاء على سلطة البغي والجريمة، والدجل والنفاق، واقامة العراق الديمقراطي الآمن، والقادر فعلاً على تحقيق السعادة لكل ابنائه.