تعليق: 19/6

رسالة الدكتاتور الجديدة الى مجلس وزرائه:

صورة مجسمة للعجز عن انقاذ الشعب والبلاد

عاد صدام حسين، وبعد اقل من اسبوعين على تقديمه رسالته التاريخية المزعومة الى مجلس وزرائه، والتي دعا فيها الى مناقشة مشروعة، الرامي حسبما يدعي الى رفع مستوى العراق الاقتصادي والعلمي والتقني والثقافي، خلال السنوات العشر القادمة، الى ضعف ماهو عليه الان، عاد هذه المرة - كما يقول - من منطلق شرح المقاييس والمفاهيم المركزية لرسالته ولتنفيذ مضامينها بما يديم الصورة المشرقة المتجددة لابداعات العراقيين، على حد قوله.

لابد من القول اولا  ان شكل الرسالة ومضمونها وتوقيتها يفضح اهدافها الحقيقة، وهي غير ما اعلن عنه والمفترض ان يستدعيه كل وزير.

فلقد دأب الطاغية على استغلال الحصار وآثاره الكارثية بابشع صورة، جاعلا  منه سلاحا  مشرعا  في وجه ابناء شعبنا، عبر تحكمه باساسيات معيشتهم من جانب، واستخدامه معاناتهم جر اء الحصار في متاجرته السياسية من اجل فك خناق عزلته، من جانب اخر.

ومن هنا راح الطاغية منذ صدور القرار 1409 وقبله يعزف على وتر التطور العلمي والتقني للعراق، مع ترويجه ان قائمة المراجعة للسلع ذات الاستخدام المزدوج، وهي ضمن شروط القرار، اريد بها عرقلة تطور العراق.

من هنا يبدو جليا  ان رسالة الطاغية لم تكن موجهة الى وزرائه تحديدا ، بل الى ابناء شعبنا الذين استبشروا بعض الخير بصدور القرار 1409 وموافقة حكام بغداد عليه، والى الاطراف التي كانت وراء صدور القرار، وإشعارهم جميعا  ان تحسنا  في الاوضاع المعيشية المزرية لأبناء شعبنا لن يحدث في العشر سنوات القادمة. والحجة هذه المرة هي توجيه الاولوية والاهتمام للتطور الاقتصادي العلمي والتقني.

ان رسالة الدكتاتور الاخيرة لم تختلف في مضمونها عن رسالته التي اعلنها في كانون الاول 1995، والتي زعم انها ستخرج ابناء شعبنا من الكارثة المفجعة التي هم فيها، وانهم في العشرة الاخيرة من رمضان الحصار وعلى ابواب العبور ، وانه سيفتح لهم خزائن الكون وغير ذلك من الوعود التي ما كان منها سوى جلد ظهورهم بجبايات وتبريعات واتاوات لا اول لها ولا اخر، وقد ادت الى مفاقمة معاناتهم وفواجعهم.

وفي اية حال فان ما جاء في رسالة الطاغية هذه المرة ليس من شأنه ان ينهض بالاقتصاد العراقي ومستوى تطوره التقني والعلمي، ذلك ان اولوياته بعيدة كل البعد عن اي تطور كان. فهذا الدكتاتور وبحكم طبيعة نظامه الارهابية والانتهازية - النفعية الضيقة، لم يمنح ابناء شعبنا يوما ، ولا قواه الوطنية، فرصة المشاركة في تسيير شؤون البلاد، واطلاق طاقاتهم للعمل والتطوير. وبدلا  من الاستعانة بالدوائر والكفاءات الاقتصادية والمالية والتخطيطية، التي كانت تملك قدرا  مناسبا  من الكفاءة في ادارة الاقتصاد، قبل ان ينهار غداة الحرب مع ايران، وبدلا  من العمل الدؤوب، لتهيئة ظروف العمل الاقتصادي المنتج، وتشجيع الادخار والاستثمار لدى القطاع الخاص، عمل النظام على استغلال الموارد المالية والنفطية اساسا ، على هواه وبعيدا  عن المراقبة وبدون معرفة الرأي العام، كوسيلة لتجاوز المشكلات الاقتصادية الحقيقية، والظهور بمظهر القادر على ادارة اقتصاد البلد. لذلك ظل العجز، مع استمرار الحروب والازمات، يعالج بقرارات فردية وآنية، لتغطيته من الايرادات النفطية، او عبر اصدار النقد دون غطاء. ولم يكن الانفاق الحكومي يوما خاضعا  لاعتبارات النمو الاقتصادي، ومتطلبات رفع الكفاءة العلمية والادارية للمؤسسات والمشاريع والدوائر. بل ظل الانفاق يوجه بالدرجة الاساس لتدعيم اركان النظام، وسطوته وسلطته، لذلك ظلت السياسات الاقتصادية - الاجتماعية المعلنة مجرد شعارات فارغة المحتوى، امام وقائع ونتائج التجربة الطويلة. وما هو ملموس ان قرارات الدكتاتور واجراءاته تتغير يوميا  بدون مقدمات او مبررات، وتتخذ طبقا  لكيفية توزيع موارد العراق من وراء ظهر العراقيين، وحتى من وراء ظهر مسؤولي الدولة ورموز النظام في الحلقة الضيقة من قمته. فعلى مدى اكثر من ثلاثة عقود انتهى دور المؤسسات التخطيطية والاقتصادية، ولم يبق لها من وظائف ومسؤوليات سوى تبرير القرارات والاجراءات المفاجئة للدكتاتور، وتزيينها. وحتى وزارة التخطيط التي الغيت عام 1993، لم يكن لها منذ بدء قادسية صدام المشؤومة عام 1980، دور في صياغة الخطط والبرامج، او اختيار المشاريع الانمائية المناسبة، او اقتراح السياسات الملائمة للتعامل مع الاوضاع الاقتصادية المتدهورة. بل اقتصر عمل موظفيها على كتابة التقارير والدراسات المزيفة للحقائق الاقتصادية، والمشوهة لمدلولات البيانات الاحصائية، خدمة لأغراض النظام الدعائية. اما المؤسسات الاكاديمية والعلمية، فحسبنا هجرة عشرات الالوف من خيرة اساتذتها وعلمائها واكاديمييها، نتيجة عملية التبعيث القسري لمؤسساتها، والتدخل الفظ من قبل جلاوزة النظام، ممن لايملكون ادنى تأهيل في ادارة ش-ؤونها. اضافة الى قسر تلك المؤسسات على إشباع نزوات الطاغية ونزعاته العدوانية، التي عملت على تقليص دور المؤسسات العلمية والتقنية في المساهمة بتطوير البلاد في شتى المجالات وحصره في الميدان العسكري والعسكرة. لذلك ليس مستغربا  ان تخرج الدراسات والتحليلات التي تحاول انتشال عبقرية  الطاغية وحنكته المزعومتين من مستنقع الفشل والانهيار الذي يمدد مشروعه الجديد، كما حصل مع رسالته الاولى.

وكلها تكشف ليس فقط عجز الطاغية عن ايجاد حل للمعضلات التي تسبب بها، بل ايضا  هشاشة وضحالة وعي اولئك اللاهثين وراء تزويق حنكة سيدهم وعبقريته المزعومتين اللتين اوصلتا العراق وشعبه  الى ما هو عليه اليوم، من دمار وخراب وبؤس وشقاء.