تعلقيات ومتابعات 2/6/2002

محنة الحرية في ظل التعتيم والانغلاق

 

زفت جريدة "الاعلام" الحكومية ماحسبته بشرى الى العراقيين عن قرب مشاهدتهم لاربع عشرة قناة فضائية بمجرد حصولهم على جهاز الاستلام، الذي ستتولى شركة الصناعات الالكترونية تسويقه وبيعه بسعر 250 الف دينار. يضاف الى ذلك اشتراك سنوي قدره مئة الف دينار يدفع على اربعة اقساط. وسيقطع البث عن المشترك في حالة عدم تجديد الاشتراك.

اما القنوات الاربع عشرة فهي- كما تقول جريدة الاعلام- متخصصة في البرامج الرياضية والترفيهية من منوعات وافلام ومسلسلات عربية واجنبية وبرامج الاطفال والاسرة.

ويبلغ متوسط سعر جهاز استلام القنوات الفضائية، الذي يستطيع المواطن عبره التقاط مايشاء من القنوات التلفزيونية، وحسب رغبته، يبلغ متوسط سعره في مناطق اقليم كردستان تسعين دولاراً، اي اقل من 180 الف دينار. وليس على المواطن ان يدفع اي اشتراكات سنوية او شهرية!

على ان مربض الفرس ليس في الاموال الطائلة التي تريد وزارة الاعلام جنيها من جهازها، بعد ان اعتبر النظام امتلاك الاطباق اللاقطة جريمة برسم القانون، وانما يتعلق الامر بصنع جهاز محلي مشكوك في جودته وذي التقاط محدد، وجعله بديلا  عن اجهزة اجنبية متطورة واسعة الاختيارات.

ويبقى السؤال: لماذا يحرم النظام على ابناء شعبنا امتلاك الاطباق الفضائية؟

يبرر النظام ذلك بالحرص على عادات وتقاليد شعبنا، وصيانة افراد العائلة من الانحراف وفق منطق قائد الحملة الايمانية المزعومة، وكأن دول العالم اجمع بما فيها العربية والاسلامية الاخرى، لا تهمها عادات وتقاليد شعوبها، او انها تشجع تفشي المفاسد بين افراد مجتمعاتها.

لكن مزاعم النظام هذه لا تصمد اما حقيقة ان رقابة النظام تمرر الى دور السينما واشرطة فاسدة مفسدة بحق وتغض طرفها عن محلات عرض وبيع اشرطة الفيديو والسي دي وهذه اماكن عامة، تعرض وتبيع وتؤجر المحرمات، التي يتخذ منها النظام ذريعة لمنع امتلاك الاطباق الفضائية اللاقطة، المحصورة في كل الاحوال داخل البيوت، والتي يفرض ارباب العوائل رقابتهم عليها.

يتداول ابناء شعبنا نكتة تكشف الوجه الاخر للاستبداد، الا وهو حجب الحقائق والمعلومات عن الجمهور، في ظل تسلط التعتيم والتأطير والاعلام المغلق. تقول النكتة ان مواطنا  ذهب بجهاز تلفزيونه العاطل الى محل للتصليح، فالصق المصلح صورة صدام حسين على شاشته وهو يقول لصاحبه: لماذا تدفع الكثير لاصلاح جهازك? وانت وإن صلحته لن ترى فيه غير هذا المخلوق! فخذ تلفزيونك واحفظ مالك!

ان مايبغيه النظام حصرا  هو ان ينغلق المواطن العراقي على اعلامه، او على الاعلام الذي لا يتقاطع مع اعلامه في اقل تقدير. وذلك وفق آلية يعول عليها في نقل المفاهيم والتصورات المناسبة له، وتمريرها قسرا  الى وعي المواطن ولا وعيه، من خلال التكرار والالحاح والاسهاب في توضيح الخطاب الموجه، بمشاركة جوقة متنوعة من الكتبة ومن علماء الاجتماع والنفس، وعن طريق برامج اذاعية وتلفزيونية موجهة لأذكاء روح الخطابة وتشجيع قصيدة المناسبة والمديح. وتعمل هذه الالية بكل طاقتها على قاعدة اختراق وعي المواطن لشل وتدمير حساسيته النقدية، والوصول به الى درجة لا يقوى فيها على تصور نظام اخر يمكن ان يحل محل النظام القائم، والى حالة يأس من اية محاولة لاصلاح شؤونه بنفسه ومن المبادرة الى اخذ اموره ومعالجتها بالشكل الذي يراه مناسبا .

تلك هي المهام المناطة بكامل وسائل الاعلام من تلفزيون وراديو وصحافة ومجلات وكتب. فالمحرمات ليست مقتصرة اذن على القنوات الفضائية بل تشمل كل وسائل الاعلام التي يرى النظام انها تتقاطع مع اعلامه، ونهجه وسياسته. وما اجهزة التشويش على البث الاذاعي ومطاردة المطبوعات والمنشورات التي لم تضع اجهزة الرقابة الصدامية ختمها عليه إلا غيض من فيض ذلك التعتيم والتأطير.