متابعة: 8/5/2002

على  ماذا يريد الطاغية ان يتفق مع امريكا؟

تحت عنوان تقسيم سياسي وجغرافي جديد، كتبت جريدة العائلة الحاكمة "بابل" يوم السبت الماضي مقالا  رسمت فيه ما يجول في ذهن الطاغية من تداعيات واحباطات ومخاوف مما يمكن ان تحمله التهديدات الامريكية المستمرة.

سعى المقال، الذي ملأ صفحة كاملة وعمودا ، الى اظهار الدول العربية جميعا  كلا  يبكي على ليلاه، باستثناء العراق طبعا  الذي يحمل الهم العربي، والفلسطيني بشكل خاص. بعض ما يستوقف مقال بابل ادعاؤها ان موضوع تقسيم المملكة العربية السعودية الى كيانات صغيرة كان مطروحا  على طاولة البحث امام الكونغرس الامريكي في عامي 1990 و 1991. ويصل المقال في خواتمه الى استنتاجات يناقض بعضها بعضا . ومن ذلك قول الجريدة بابل في مكان، ان الامريكان يريدون من ضرب العراق تجزئته، بينما تقول في آخر سطرين وبالحرف: علينا ان لا ننسى ان واحدا  من الاسباب الرئيسية لضرب العراق هو ليس اسقاط النظام، بقدر ما هو دفعه للاتفاق مع امريكا.

وبينما يزعم المقال، كما اشرنا، الى ان الكونغرس الامريكي كان يبحث في عامي 1990 ، 1991 موضوع تجزئة السعودية الى كيانات صغيرة، يزعم المقال في خواتمه ان امريكا غضت طرفها عن تدخل ايران في احداث 1991 في العراق، ولم يصدر عنها رد فعل إلا بعد ضغوطات من دول الخليج التي تخشى ان تؤدي تجزئة العراق الى ان تتعرض كياناتها هي الاخرى للتجزئة، وترجمة  لادعاء بابل، فان امريكا تريد من جانب تجزئة السعودية، ومن جانب اخر تكبح الاسباب التي يمكن ان تؤدي الى تجزئة السعودية، وهي تجزئة العراق، فأي منطق هذا؟ واذا تجاهلنا محاولات النظام المحمومة وجريدته بابل في تشويه وجه انتفاضة آذار 1991 المجيدة، باعتبار صفحاتها ستبقى مخزونة في ذاكرة العراقيين، وهم الذين سطروا اسطرها، فان اسئلة كبيرة قد استفزها مقال بابل، من قبيل: من كان اول من روج بتقسيم السعودية الى كيانات؟ ويحيلنا هذا السؤال الى سؤال اخر: من الذي اغرى العاهل الاردني الملك حسين والرئيس اليمني علي عبدالله صالح للوقوف الى جانب الطاغية في غزوه الكويت؟

ان ما اشيع بعد الغزو الصدامي للكويت، هو ان الغزو ذاته كان فاتحة غزوات تشمل بلدانا  خليجية اخرى ومنها السعودية، وان هناك صفقات سرية بين صدام والملك حسين والرئيس علي عبدالله تقضي في حالة اكمال المشروع الصدامي الى نهايته، ضم منطقة نجد للاردن والاحساء لليمن، فيما يعد الحجاز من حصة العراق. وقد تقربت بابل كثيرا  الى الاساس الذي انطلق منه صدام في مشروعه الجهنمي حين قالت وبوعي: ان لكل من نجد والحجاز والاحساء خاصيتها التاريخية التي لسنا بصدد الولوج فيها هنا.

وان صح ادعاؤها بان الكونغرس الامريكي كان يناقش عامي 1990 و 1991 موضوع تجزئة السعودية، فهذا يعني ان الطاغية في غزوه الكويت بلع بدراية او غير دراية طعما  كبيرا ، قبل ان يقدم بعضا  منه للملك الاردني والرئيس اليمني.

وبقى سؤال قائما : ماالذي دفع حاكم بغداد الى تناول هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات. وماذا يعني بأن هدف ضرب العراق، ليس اسقاط النظام بقدر ماهو دفعه للاتفاق مع امريكا؟ وبصريح العبارة: على ماذا يريد ان يتفق؟ سؤال تجيب عليه بابل وفق رؤية الحاكم وانانيته واخلاقه فتقول: ان امريكا بدأت تعاني من السعودية لأن نظامها لم يحكم قبضته على السعوديين، فقرابة ربع او ثلث تنظيم القاعدة هم من السعوديين.

فهل يريد الطاغية ان ينوب عن الامريكان، في اجتثاث تنظيمات القاعدة من السعودية، وهو ذو الباع الطويل في جعل الجنود العراقيين ينوبون في الموت عن الجنود الامريكان؟ ام انها مجرد اضغاث احلام يراد من تسريبها الايحاء الى الشارع العراقي بأن ازمة النظام في طريقها الى الحل من خلال استعداده لتنفيذ كل ما تطلبه منه امريكا وما لم تطلب، بما في ذلك توطين ملايين الفلسطينيين في العراق كما نوهت بابل؟ انه سؤال برسم الاجابة.