متابعة

4/3

الانتفاضة والجلادون

والحقائق التي لا يمكن حجبها

 

نشرت جريدة " نينوى" الأسبوعية الحكومية في عددها الصادر يوم الأحد 3 آذار مقالا بقلم الفريق الأول الركن هشام صباح الفخري، تحدث فيه عن كيفية إجتياح قطعان الحرس الجمهوري لمحافظة ميسان في آذار 1991، التحرير العمارة على حد قوله، ومدن المحافظة الأخرى، من ايدي من اسماهم (الغوغاء) الذين تسللوا من وراء الحدود!

 لم يشعر هذا الفريق الذي كان قائداً لقوات الحرس الجمهوري، بالحرج وهو يستذكر المهمة القذرة التي أوكلت اليه بضرب العمارة وقمع أبنائها المنتفضين ضد نظام سيده المقيت. وكانت قواته تصول وتجول، على مرأى من القوات الأمريكية، ومن معها من دول التحالف، التي كانت وقتذاك تحتل من الأراضي العراقية ما مساحته أضعاف مساحة محافظة ميسان.

ورغم السعي الظاهر الى تشويه جوهر الانتفاضة واسبابها ومضمونها، ومحاولة الاساءة الى المشاركين فيها من جماهير الشعب، فان حديث هشام الفخري تضمن بعض الحقائق التي يندران تتسرب من بين اصابع الرقابة الصدامية، وتعتبر الاشارة اليها من المحرمات.

فقد اعترف، مثلاً:

1 ـ ان اعداد المنتفضين راحت تتزايد، جراء انضمام الجنود الفارين ومن اسماهم بالعناصر الحاقدة، الى قواها. بل ان قطعات كاملة انضمت الى الانتفاضة مع أسلحتها.

2 ـ ان المنتفضين استولوا على عدد من الدبابات والمدافع من قطعات الحرس الجمهوري نفسها، في هجومهم على معسكراتها ومواقعها.

3 ـ ان قطعان الحرس الجمهوري واجهت مقاومة شديدة من جانب المنتفضين، وقتالاً عنيفاً من منزل الى منزل ومن شارع الى شارع.

4 ـ اعترافه غير المباشر بالمعنويات العالية التي كان يتمتع بها المنتفضون، والتي ظلوا محتفظين بها حتى بعد انكسارهم في هذا الموقع أو ذاك. حيث واصلوا نصب الحواجز والكمائن خارج المدن، وقاموا بالهجمات المضادة، كما حدث في مدينة المشرح التي أعاد المنتفضون السيطرة عليها بعد سقوطها بيد الحرس الجمهوري، وقبل ان يفقدوها من جديد.

5 ـ اعترافه باستعانة قواته بالطائرات المروحية لقمع المنتفضين.

6 ـ ان عمليات قمع الانتفاضة في العمارة وتوابعها استمرت 15 يوماً، من 7 الى 22/آذار/1991، بينما كانت المحافظة قد سقطت برمتها بأيدي أبناء الشعب الأعزل الا من الأسلحة الخفيفة، خلال يومين فقط!

والمح هشام الفخري الى الجرائم البشعة التي اقترفتها قواته بحق المنتفضين حيث أشار الى قيامها بقصف مستشفى صدام في العمارة لاجبار المنتفضين على الانسحاب منها حسب زعمه، مدعياً ان بعضاً منهم كان يرقد في اسرة المرضى لابعاد الانظار عنه، وان بعضاً اخر قد قذفوا بأنفسهم من الطابق الأول. لكن من كان يرقد في المستشفى هم في الحقيقة جرحى الانتفاضة. وقد "تخلصت" منهم فرق القتلة التي كانت ترافقه، باطلاق الرصاص على رؤوسهم، ورمي جثثهم من جميع طوابق المستشفى وليس من الطابق الأول فقط.

شيء اخر أشار اليه هشام صباح الفخري، وهو حقيقة تستحق التوقف، حين قال بالحرف الواحد: "في خضم أحداث الجنوب والموقف الصعب الذي وجدت القيادة نفسها أمامه، وبخاصة بعد تزامنها مع حركة المخربين في الشمال ـ حسب تعبيره ـ كان المسلك الذي اتبعته القيادة سليماً، حين قررت عدم قبول المواجهة مع العدوين في وقت واحد، انما ركزت جل اهتمامها لمعالجة المعتدين الغوغاء في الجنوب أولا ثم تحويل طاقاتها مجتمعة لمعالجة أحداث الشمال".

هذا الكلام الذي يتفوه به جلاد من القادة العسكريين للنظام، خاض غمار الحرب الوحشية على الانتفاضة واسهم بفعالية في إغراقها بالدم، يبين مدى مشروعية الصوت الذي ارتفع مساء 20 آذار نفسه، في أول اجتماع للجنة الجبهة الكردستانية في كركوك، على حديقة بناية المحافظة، بعد ان تم تحرير المدينة للتو.. وهو الصوت الذي طالب بادامة زخم الانتفاضة، ومواصلة الزحف جنوباً، وعدم التوقف والانتقال الى الدفاع، لان موت الانتفاضة يكمن في توقفها ..

فلو كان المنتفضون في كردستان واصلوا تقدمهم نحو الجنوب في اتجاه بغداد، لوجد الحكام أنفسهم في وضع صعب، ولاضطروا الى نقل بعض قواتهم المحاربة ضد الشعب في الجنوب، لحماية بغداد من الشمال.

.. ولما كان بمستطاع الجلاد هشام الفخري ربما، ان يشيد اليوم بتركيز سيده الطاغية قدراته العسكرية على ذبح الانتفاضة في الجنوب، قبل ان ينقلها مجتمعة لقمع الشعب المنتفض في كردستان..