إن دراسة الأدب الكردي والوقوف على معالم تراثه الشعري والنثري قصة ومسرحاً
ونقداً أدبياً ولغة تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً فكرياً طويلاً لا يمكن لشخص واحد
النهوض بها بمفرده، لكن إلقاء الأضواء السريعة على ابرز جوانب ذلك الأدب قد يكون
مجدياً وذا فائدة للاخوة أبناء لغة الضاد الذين حالت ظروف القهر والحرمان والتعسف
والاستبداد التي تعرض لها شعبنا الكردي دون بناء جسر ثقافي في مستوى الطموح بين
شعبين مناضلين منذ مئات السنين، وقد تهيأت بعد سقوط صدام فرص متاحة للتواصل
بينهما خلال مشاركة أدباء الشعبين في المهرجانات والمنتديات الأدبية والفكرية،
ولكن ما تزال الظروف الإرهابية التي يمر بها العراق تشكل عقبة كبيرة لتوسيع إطار
هذا التواصل والتنسيق المتطور لحث الخطر نحو آفاق مشرفة تخدم تطلعاتنا المشروعة.
النقد الأدبي:
أما النقد فهو المحطة الأخيرة التي تقف عليها، فليس لدينا تاريخ مدون عن بدايته
فقد وردت مصطلحات نقدية على السنة الشعراء، حيث ان الشاعر هو ناقد لشعره، وحين
يلقى الشعراء الكلاسيكيون قصائدهم في المضايف والمجالس الأدبية وفي المساجد، تجري
مناقشة تلك القصائد وتقيم وفق نظرة الشعراء أنفسهم للشعر فمثلاً ان احمدي خاني
يقيم الشعراء ملا الجزيري، وفقي طيران، وعلي الحريري وفق المقاييس والمقومات التي
كان يذهب إليها، ويؤكد على جودة قصائدهم من حيث قوة السبك خاصة في المقدمة التي
كتبها (دمم وزين) التي ترجمت إلى العربية وسميت القصة الملحمية بـ(روميو وجوليت
الأدب الكردي)
وكذلك ملا خضر الملقب بـ(نالى) الذي فاق شعراء المدرسة البابانية في تعميق معاني
قصائده واستخدام البيان بكثرة. ويعتبر البيان سحراً والشعر حكمة، لكنه لا يمتلك
قوة القلب، وقدرة التعبير إن الشاعر الذي كتبت عنه دراسات نقدية عديدة ويقول
أيضاً:
إن نظم نالي مثل الماء والمرآة دون لون انه وجهان لنظرة الفكرة أحدهما مستور
والثاني واضح كما ان حاجي قادر الكومي (1815-1897) يصف عدداً من الشعراء الكرد في
رؤية نقدية بما تتصف أشعارهم كتشخيص دقيق لمستواهم الشعري.
وفي صدد تقييم قصائده يقول..
إن سك إخلاص قلبي المخلص خالص
صبه في البوتقة، لا حاجة ان تجربه بالمحك
ويقول ايضاً:
للغة الكردية بلاغة لا ترقى لها أي لغة بقيت دون رواج جراء عدم تعصب الكرد لها ان
لم تهتم بها، ولا تفهم أسرارها تقول إنها هذيان عليها لفتة الله ولكن الذين هم
صرفوا ذهب وفضة يعتبرونها مقبولة وأي سك مشروع ثم يدعو ربه قائلاً:
يا الهي لا تلق بين يدي النكد الحظ اللئيم نقود حاجي التي لم يرها خسروا ودارا من
هنا فأن حاجى قادر الكولي يقترب اكثر من الشعراء الكلاسيكيين من مفهوم مصطلح
النقد، حيث يصور قصائده نقوداً لا يعرف قيمتها ونوعيتها غير الصرافين أي النقاد
المختصين وفي هذا الصدد فأن انسب المعاني الذي اخذ عنها النقد الأدبي في العربية
هو تمييز جيد العملة الفضية او الذهبية من رائعها مما يستلزم الخبرة والفكر، ثم
الحكم، وهو المعنى الأقرب من الأصل الاشتقاقي في المرادف للنقد في اللغات
الأوربية (Criticism) وهذا ومعناه في الأصل الحكم او التفكير، وهذه الكلمة مأخوذة
من الفعل اليوناني Krinein
في عام 1920 صدر كتاب مجلس الأدباء، للمؤلف أمين فيضي الذي يعد أحد العلماء الكرد
اللامعين والشاعر الأديب المعروف الكولونيل العسكري الذي اختار عدداً من الشعراء
الكلاسيكيين الكرد وتناولهم برؤية نقدية، فمثلاً حين يتحدث عن الشاعر الشيخ رضا
الطالباني (1253-1327) يقول فيه: ان قصائد الشيخ رضا كانت ذهبية وفطرية أولاً ثم
هي كسبية، كان ينظم بأربع لغات، خاصة قصائده الكردية التي تتسم بالفحاصة والبلاغة
وسعة القريحة.
أي ان الشعر يعتمد الموهبة والصنعة معاً، في حين ان الدكتور شوقي ضيف يقول في
كتابه (الشعر ومذاهبه) ان الشاعر إمرؤ القيس حين استخدم عبارة (بمنجرد قيد
الاوابد) في بيته الشعري:
وقد اغتدي والطير في وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
لم يشترها في السوق، إنما كانت نتاج موهبة وصفة الشاعر كما ان علاء الدين سجاوي
اصدر عام 1952 كتابه المعروف تاريخ الأدب الكردي، تناول فيه عدداً من الشعراء،
فالقى الأضواء على جوانب من شعرهم وإصدار أحكام نقدية عن كل شاعر.
واول كتاب نقدي مستقل كان بعنوان (الشعر والادب الكردي) للأديب رفيق حلمي، صدر
الجزء الاول عام 1941 والجزء الثاني عام 1956.
في قراءتنا لجزئي الكتاب يتبين لنا ان الكتاب الناقد لايطرح في تحليلاته للشعراء
نظريات نقدية مبنية على اساس ومبادئ معينة، فهو لم يتبع منهجاً نقدياً محدداً،
حيث انه يطل علينا في الجزء الاول باساليب نقدية متعددة، فهو تارة يتصدى لقصائد
الشعراء بمنهج تفسيري فقهي يخضع لأصول البلاغة العربية والفارسية والتركية كما في
تقييمه لقصائد احمد فتاح بك واحمد مختار بك وأمين فيضي وأمين زكي بكك واثيري
وبيخود، ولكن في قصيدته لقصائد فائق بيكه س يبدو انه يعالج النقد بشكل آخر، ولكن
حين يتناول بيره ميرو يتبع منهجاً آخر يقترب من منهج الواقعية، ويعتبره مجدداً لا
مقلداً، ان هذا الجزء يمثل بداية نقدية تنم عن اهتمام الناقد بالقضايا الشعرية في
وقت مبكر.
أما في الجزء الثاني من كتابه فهو سيطل علينا بأدوات نقدية اكثر تطوراً وتقدماً،
حيث يتصدى لشعر الشعراء الشباب برؤية نقدية تكشف عن قابلياتهم ومواهبهم، حيث
يتوسم في البعض منهم الموهبة الفطرية وقوة الذكاء، ويعقد عليهم آمال التجدد
والإبداع، فحين يقيم شاعرية گوران يكتشف قوته الإبداعية والتجددية في تخطى
الشعراء المعاصرين له، حيث كسروا القيود الشعرية التقليدية شكلاً ومضموناً، فينظر
إلى گوران بأنه يربط الواقع بالخيال، ولا ييقتفي آثار القدامى، وانه مطلع على
الآداب الأوربية وبصورة خاصة الشعر المعاصر. وبهذا يكون رفيق حلمي في أيامه
الأخيرة قد احتل موقعاً متقدماً في الدراسات النقدية، وكان لأسلوبه الجديد في نقد
الشعر وقعه الخاص في الأوساط الثقافية الكردية، فهو لأول مرة ثبتت الأسس الواقعية
في النقد (20-21)
يمكن ان نعد أول دراسة نقدية في ضوء منهج البحث الأدبي هي كتاب الواقعية في الأدب
الكردي، نال فيها عز الدين مصطفى رسول – مرشح في العلوم الفيلولوجية (الدكتوراه)
من جامعة باكو عام 1963، وهو كما يقول:
يمكن القول دون تحفظ بانه لم يكتب لحد الآن أي بحث عن الواقعية في الأدب الكردي
سواء باللغة الكردية ام بلغات أخرى، وفي مجموع ما كتبه النقاد الأكراد نجد بعض
المقالات الصغيرة التي تمر بصورة خاطفة هذا الموضوع.
اعتبرت هذه الدراسة بحق في حينها فتحاً جديداً للدراسات النقدية الأدبية الكردية،
ولكن ما يلحظ عليها ان الدكتور عز الدين ركز على المحتوى بالدرجة الأساسية، وقلما
التفت الى الناحية الفنية في شكل القصائد والقصص والملاحم والحكايات التي
تناولها، ولكن ستظل دراسة قيمة في إطارها التاريخي، حيث لم يكن النقد الكردي
متطورا حينذاك، وثمة دراسات نقدية أخرى للدكاترة معروف خه زنه دار، إحسان فؤاد،
حسين شانوف، وتأتي دراسة كاكه ى فه لاح بعنوان قافلة الشعر الكردي الحديث) من بين
الدراسات النقدية عن عدد من الشعراء المعاصرين، دراسة جادة حيث خصص حيزاً كبيراً
للشاعر عبد الله گوران.
واعتبر موهبته في التصوير وامتلاكه السليقة الدقيقة في الوصف سبيلاً للتوقف على
أقرانه من الشعراء، ويصبح رائداً خالداً للشعر الرومانسي والطبيعي والجمالي
وكهريزاً متدفقاً لا ينضب ماؤه.
وظهرت فيما بعد دراسات نقدية اخرى كدراسة عطا قره داغي في كتابه دگوران والبحث عن
اليقين، ودراسة (ينا يوشيح وعبد الله گوران) والتوفيق فكرت والشعراء الكرد
الحداثيون).
ودراسات نقدية أخرى، وقد تحولت جامعات إقليم كردستان إلى مركز للدراسات النقدية
وفق مناهج أكاديمية حديثة.
لعل ابرز دراسة تحليلية جادة هي أطروحة دكتوراه للدكتور عز الدين مصطفى رسول نال
بها المؤلف شهادة دكتوراه علوم (دكتور ناؤوك) D.S.C في الأدب عام 1977 من معهد
الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية بموسكو، وقد عنون أطروحته (احمدى
خاني 1650-1707) شاعراً ومفكراً وفيلسوفاً متصوفاً، طبعها عام 1979 يقول المؤلف
في المقدمة: هناك ترابط جدلي كامل في حركة عصرنا الأدبية، وهناك وحدة دياليكتيكية
بين ما هو أممي وبين ما هو قومي في آداب الشعوب في عصرنا، فان هذه الظاهرة تنطبق
على الأدب الشرقي في العصور الوسطى والمتأخرة كظاهرة ذاتية وموضوعية... وهذه
الحقيقة تضعنا أمام دراسة آداب الشعوب الأخرى.. وقد توصلنا خلال الدراسة إلى كون
احمد خاني شاعراً وهذا يقتضي تحديد مكانته بالنسبة الى عصره والى ما يمثله في أدب
شعبه وفي مسار تطوره، وقد توصلنا إلى مكانته كمفكر أولاً أراد أن يجعل من الشعر
وسيلة لشرح أفكاره المتشعبة، واراد أن يصنع نفسه وادب شعبه ولغته في مكان جدير
طيب بين آداب الشعوب الشرقية.
أما دراسته كشاعر فلا يمكن إلا أن يكون مع مقارنة مفصلة وجادة مع من سبقوه من
شعراء الشرق العظام من أمثال الفردوسي ونظامي وجامي وجلال الدين الرومي وفضولي
وغيرهم.
ويستطر قائلاً: ان جميع الآداب الشرقية القديمة تدخل في جزئيات الفلسفة وتعكس
أفكاراً واتجاهات فلسفية وتعكس أفكاراً واتجاهات فلسفية معينة ولا يمكن لدارس
الأدب أن يتجاهل الفلسفة ودراستها خلال دراسته لذلك الأدب.
واخيراً لم أود التطرق إلى الأدب الكردي في الأجزاء الأخرى من كردستان لضيق الوقت
ولما تقتضيها الضرورة في توسيع المعلومات، فاكتفيت بالسرد التاريخي المغتصب للأدب
الكردي كلمحات سريعة، مع اعتذاري للنواقص التي اكتنفت ما قدمت إن وجدت.
الهوامش
1- فيزووي وبزوي كوردي (1) نووشراوى صديق بوره كدلي (صفي زاده) انتشارات ناجي
ربانه كردستان 1375 ص38
2- الجامع في تاريخ الادب العربي – حنا الفاخوري – ج/1 منشورات ذوي القربى- مطبعة
سليمان زاده 1385هـ ص19
3- الواقعية في الادب الكردي- الدكتور عزالدين رسول دار المكتبة العصرية- صيدا
بيروت ص57
4- فيزووي وبزوي كوردي ص22
5- الواقعية في الادب الكردي
6- المصدر السابق نفسه ص59-60
7- نه بخومه نه ديبان. دانه ر: نه مين فه يزي به گ ، توزينه وبيليزنه ى ديزدو كه
له بور، جانجانه ى كوري زايناري كورد – به غدا 1983 ص31-32
8- الواقعية في الادب الكردي ص222
9- ينظر المصدر السابق نفسه
10- الواقعية في الادب الكردي ص (37، 38، 41)
11- المصدر السابق نفسه ص (43، 45، 46)
12- ينظر الواقعية في الادب الكردي
13- تحفه ى مظفرية به ومانى موردي موكري- كرداري ئوسكارمان- به شى دووم جانجانه ى
كورى زيناري كوردي – به غدا 1975
14- تحفه ى مظفرية به ومانى موردي موكري- كرداري ئوسكارمان- به شى دووم جانجانه ى
كورى زيناري كوردي – به غدا 1975
15- الواقعية في الادب الكردي ص (203- 204)
16- ديواني حاجي قادر كولي- ليكولينه و. وليكدانه وبي سه ردار حه ميد كيران وكريم
شاردزا بيزجو ونه وبي مه سعود محمد 1981 ص37
17- النقد الادبي الحديث- الدكتور محمد غنيمي هلال دار العودة – بيروت 1987 ص11
18- نه بخومه ني نه ديبان – ونه زانه مين خه يزي به گ ص29
19- ينظر الشعر ومذاهبه – الدكتور شوقي ضيف
20- شيصرونه ده بياني كوردي رفيق حلمي – به ركى به كه م ودووه م – مطبعة التعليم
العالي – اربيل 1988
21- الفكر الجديد العدد 279 في 18/2/1978 رفيق حلمي والمنهج الادبي عبر كتابة
الشعر والادب الكردي كمال غمبار
22- الواقعية في الادب الكردي ص18
23- كارواني شيصرى فومي كوردي – كاكه ى فه فلاح – جانجانه ى – كورى زاينارى كوردي
– به غدا
24- نه حمه دى خانى –شاعراً ومفكراً وفيلسوفاً ومتصوفاً – الدكتور عزالدين مصطفى
رسول – كلية الاداب مطبعة الحوادث – بغداد 1979 ص30-31