اطبع هذه الصفحة

 

التمثيل والمشاركة

محمد عبدالجبار الشبوط

تهدف الديمقراطية بوصفها حلاً للمعضلة السياسية في المجتمعات البشرية. الى تحقيق اكبر تمثيل ومشاركة للناس المحكومين في مؤسسات الدولة. وهي اصدار القرارات وتشريع القوانين واتخاذ المواقف ويقاس مدى الديمقراطية أي نظام بمقدار ما يؤمنه من مشاركة وتمثيل في هذه المجالات لعموم الناس المحكومين خصوصاً اولئك الذين بلغوا السن القانونية التي تؤهلهم للمشاركة في الحياة العامة.

وهذا مبدأ أقره الدستور العراقي حاله حال بقية الدساتير في البلدان الديمقراطية الاخرى. حين نص في المادة 20 منه على ان للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة. والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها التصويت والانتخاب والترشيح.

وفي النظام الديمقراطي يمثل البرلمان المؤسسة الاهم المعنية بصيانة هذا المفهوم، الهدف الديمقراطي أي المشاركة الواسعة والتمثيل الواسع ويمارس النواب بصفتهم ممثلي الشعب دورهم وصلاحياتهم وفق المبادئ والاسس الديمقراطية لتحقيق هذا الهدف ولا يعقل ان تكون نتائج هذه الممارسة متناقضة مع الديمقراطية واهدافها وشروط ترسيخها وتعميقها واستمرارها. او متعارضة مع حركة الاصلاح والتجديد والتحديث التي تتطلبها الحياة السياسية الديمقراطية بشكل مستمر وهذا خطر ممكن ومحتمل وغالباً ما يتم التمثيل عليه بوصول هتلر وحزبه النازي الى الحكم في المانيا عن طريق انتخابات ديمقراطية فقد كانت هذه النتيجة متناقضة في الصميم والجوهر مع المبادئ الديمقراطية رغم انه تم الوصول اليها بالطريق الديمقراطي.

واذا كان الدستور هو المصدر الاول لسلامة الممارسة الديمقراطية لنوابه حين منع في مادته الثانية "سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية" فان ايمان النواب بالديمقراطية وصدق تمثيلهم وسلامة فهمهم لها تشكل ضامناً ذاتياً ايضاً لسلامة الممارسة النيابية لكن لا الدستور ولا قانون الانتخابات وضعا ضوابط تضمن عدم وصول اشخاص غير مؤمنين بالديمقراطية الى البرلمان. وقد ترك الامر الى وعي الناخبين الذين يفترض ان يكونوا احرص الناس على حقوقهم في المشاركة والتمثيل وحفظه من خلال منح من لا يؤمنون بهذا الحق من الوصول الى مقاعد البرلمان.

قانون الانتخابات الذي صدر في ربع الساعة الاخير بعد ان حوصر البرلمان بالموعد النهائي لاجراء الانتخابات يشتمل على ثغرات كبيرة تتناقض مع مفهوم توسيع نطاق المشاركة والتمثيل وفي مقدمة هذه الثغرات مسألة الاصوات التي ذهبت الى كيانات واحزاب لم تفز. أي الاصوات الضائعة ومسألة تمثيل المهجرين والمهاجرين.

في ما يتعلق بالاصوات الضائعة نص القانون على توزيعها على القوائم الكبيرة الفائزة. وهي اصوات لا تستحقها بحسب مفهوم التمثيل الديمقراطي في حين كان ينبغي اعطاؤها الى افضل الخاسرين الامر الذي سيؤدي الى توسيع القاعدة الاجتماعية التمثيلية للبرلمان.

اما حصة المهاجرين والمهجرين من العراقيين (7 مقاعد) فلا تتناسب مع قاعدة التمثيل التي اقرها القانون والدستور والتي تقضي بوجود نائب واحد لكل 100 الف عراقي لأن المقاعد السبعة تفترض ان عدد العراقيين المهجرين والمهاجرين لا يتجاوز 700 الف نسمة فقط في حين ان تقارير محايدة سابقة كانت تتحدث عن مليونين او اكثر.

المشكلة ان العملية السياسية اصبحت محكومة بجدولها الزمني واسيرة له اكثر من كونها محكومة بالمعايير الديمقراطية التي بات من السهل انتهاكها والخروج عليها بسبب عدم وجود اطراف سياسية او شعبية قوية قادرة على حماية هذه المعايير والتأكد من سلامة تطبيقها من قبل ممثلي الشعب في مجلس النواب.


عن “الاسبوعية”