اطبع هذه الصفحة

 

"الإستحقاق الدستوري" أو "حقوق المواطن الدستورية"  1 – 2

 المحامي عبير الهنداوي

مبدأ علوية الدستور وتدرج القاعدة القانونية

الدستور العراقي وقوانين الإنتخاب نموذجاً

ورد في الدستور ما يلي:

م2 فق ب: لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

م2 فق ج: لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.

م 14: العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الأصل او اللون او الدين او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي.

م 20: للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخابات والترشيح.

م 126: بكافة فقراتها وبنودها تختص بتعديل الدستور.

م 80: يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات التالية

فق ثالثاً: إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين.

فق ثانياً: اقتراح مشروع القوانين..... الخ

م 61 يختص مجلس النواب بما يلي:-

فق أولاً: تشريع القوانين الاتحادية.

فق ثانياً: الرقابة على اداء السلطة التنفيذية..... الخ

م 93 تختص المحكمة الاتحادية:

فق أولاً: الرقابة على دستورية القوانين

فق ثالثاً: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة من السلطة الاتحادية.. الخ

فق سابعاً: المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب

لقد استمر الفقه والتطبيق القانوني على ان الدستور يعتبر القانون الأسمى في البلدن وان هذا (السمو) يأخذ قوته من طبيعة القواعد القانونية التي ينظمها باعتبار ان قواعده تقوم على تنظيم الأسس العامة التي يتبعها الحكام في ممارستهم للسلطة، ولأن السلطة كما هو معروف ذات أهمية استثنائية في بنيان الدولة لذلك لا يجوز المساس بقواعدها او مخالفتها او تشريع قواعد تتعارض معها بالطرق الاعتيادية لأن هذه السلطة من حيث المبدأ العام يفترض بها ان تقوم على تنظيم ومتابعة ورعاية مصالح عامة الناس باعتبار ان هؤلاء الناس قد (وكّلوا او فوضّوا) هؤلاء الحكام لرعاية مصالحهم.

والسلطة بالتأكيد لكي تمارس عملها اليومي فأنها تحتاج إلى قواعد تفصيلية لكي تنظم هذه الحياة المتشعبة والمتنوعة في الاختصاصات لذلك فأن القسم المختص من السلطة بإصدار وتشريع القوانين ونقصد بها السلطة التشريعية تقوم بتشريع القوانين اللازمة لتنظيم (الحالة الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية.... الخ) لكن بشرط ان لا يكون هذا القانون او التشريع يتعارض مع الدستور لأنه وكما قلنا ان الدستور هو القانون الأسمى في المجتمع هذا من جانب ومن جانب آخر ان القانون لكي ينفذ ويأخذ مكانه الطبيعي في تنظيم الحياة اليومية للأفراد يحتاج إلى قوانين أخرى أكثر تفصيلاً لذلك فأن السلطة التنفيذية باعتبارها المسؤولة عن تنفيذ القوانين فأنها تقوم بإصدار (التعليمات أو الأنظمة أو اللوائح) لغرض حسن تنفيذ القانون ولكن بشرط أكثر دقة أيضاً ان هذه التعليمات والأنظمة يجب ان لا تتعارض مع القانون الذي صدر من السلطة التشريعية وكذلك أن لا تتعارض مع الدستور وهذا بشكل عام ما نسميه (مبدأ علوية الدستور) او يسمى أيضاً (مبدأ تدّرج القاعدة القانونية)

فعلى قمة الهرم القانوني يقف الدستور ثم يأتي بعده القانون الذي تصدره السلطة التشريعية ثم الأنظمة والتعليمات التي تصدرها السلطة التنفيذية.

وبالتأكيد أيضاً ان هذا التدرج وهذه العلوية لا يمكن ان تكون مؤبدة بل هي قد وجدت لتنظيم الحياة الاجتماعية للأفراد فإذا تغيرت هذه الحياة وأصبح القانون وبغض النظر عن مرتبته لا يواكب الحياة فأن السلطة وبمختلف مستوياتها لا تقف أمام الحياة بل يجب ان تعمل على تعديل القانون بما في ذلك الدستور.

ولذلك ولسمو قانون على قانون آخر فبالتأكيد إن إجراءات تعديل كل واحد من هذه القوانين ستكون أصعب وأطول من الآخر فإجراءات تعديل الدستور في كثير من الدساتير معقدة وطويلة وتحتاج أحياناً إلى إجراء استفتاء من قبل الشعب لكي يعدل وهذا يسمى (الدستور الجامد) أما إذا كانت إجراءات تعديل الدستور هي ذات إجراءات تعديل القانون العادي الذي يصدر من السلطة التشريعية فهذا يسمى (الدستور المرن). والسؤال الذي يطرح نفسه اذا كانت الحياة القانونية تسير بهكذا صورة وهكذا شكل وهذا خلاصة ما وصلت إليه البشرية في خضوعها للقانون باعتباره ينظم الحياة اليومية بطريقة متحضرة بعيدة عن الفوضى القانونية فهل يجوز ان يتجاوز القانون الأدنى القانون الأعلى دون تعديل؟ او بمعنى آخر هل يجوز تجاوز مبدأ علوية الدستور ومبدأ تدرج القاعدة القانونية دون تعديل؟

الجواب بالتأكيد سيكون (لا يجوز ذلك) لأن التدرج القانون يقوم مع القانون وينهار معه والتدرج هذا هو شرط لازم لحسن تطبيق القانون وان طبيعة القاعدة القانونية يجب ان تكون متدرجة فهي صفة لازمة ولاصقة لها لا يمكن الاستغناء عنها وبدونها تنهار البنية القانونية للمجتمع بسبب التعارض الذي ينشأ في تشريع القواعد القانونية المختلفة.

* تطبيقات قوانين الانتخاب لمبدأ علوية الدستور او تدرج القاعدة القانونية:

جاء سقوط النظام السابق بشرى خير للكثير من أفراد الشعب العراقي الذين يريدون العيش وفق أسس قانونية سليمة بحيث تكون لحياتهم معنى وفق ثوابت حياتية يعرف الإنسان حقوقه والتزاماته فيها.

ان الفوضى التي خلفها النظام السابق خصوصاً بعد ان توفرت له "الشمّاعة" التي يعلق عليها أخطاءه الكارثية وكانت الشماعة هذه هي موضوعة (الحصار) لكي يعود إلى جذوره الحقيقية باعتباره نظام إرهاب ودمار وهو مجال إبداعه وتخصصه ولا يمكن ان يكون بأي حال من الأحوال نظام بناء وأعمار، ان هذه الفوضى والتركة الثقيلة تحتاج إلى أساليب صحيحة لكي تعيد الحياة إلى استقرارها الطبيعي.

بالتأكيد ان الدول الحديثة العهد بالحياة الصحيحة تجد أمامها تجارب العالم في كل المجالات ولا يتطلب منها ذلك العناء الكبير الذي عانته الشعوب الأخرى للوصول إلى حالة الازدهار والرقي الذي وصلته وكل ذلك لا يتطلب منها سوى مبدأ "حسن النية" لمعالجة مشاكلها.

وفي مجالنا هذا مجال القانون فأن هذا الكم التشريعي الهائل والتجارب تجعلنا أمام حالة اختيار لما هو ملائم لواقعنا في سبيل ان لا تكرر أخطاء الآخرين وبالتالي لكي نظهر أمام العالم بأننا مجتمع يحترم الحياة وإن احترامنا للقانون شيء متأصل فينا متى ما توفرت لنا الفرصة المناسبة لذلك.

فهل قوانين الانتخابات كانت تجسد ذلك؟

ابتداءً نقول ان أولى التشريعات التي صدرت في هذا المجال هو قرار مجلس الحكم رقم (87) لسنة 2004 حيث نص على ما يلي:

"قرر مجلس الحكم بجلسته الاستثنائية (18) المنعقدة بتاريخ 30/5/2004 ان يكون العراق دائرة انتخابية واحدة واعتماد النظام النسبي في الانتخابات القادمة".

واضح هنا إن مجلس الحكم قد وضع حجر الأساس لبناء صحيح ولغرض تشريع قانون انتخابي يتلاءم مع أوضاع بلدنا باعتباره ينتقل من الدكتاتورية إلى الديمقراطية لأن الدائرة الانتخابية الواحدة ونظام التمثيل النسبي هما أساس ولب أي نظام انتخابي ديمقراطي من جانب ولأنهما باستطاعتهما ان يعكسا وجهات نظر وإرادة الناخبين في البرلمان كل حسب أصواته من جانب آخر.

* أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (96) "قانون الانتخابات"

نشر في العدد (3984) في جريدة الوقائع العراقية في حزيران / 2004 جاء القانون هنا استناداً إلى القوانين الدولية والمحلية وكالآتي:

من حيث أهمية وضرورة إجراء الانتخابات:- فقد استند في مقدمته "ديباجة" إلى القرارين رقم 1483 و 1511/2003 الصادرين من مجلس الأمن واللذين يؤكدان حق الشعب العراقي في تحديد مستقبله السياسي.

من حيث توقيت الانتخابات:- فقد حدد القانون كانون اول/2004 اذا تيسر ذلك او على أي حال في تاريخ لا يتعدى 31/كانون الثاني/ 2005 .

من حيث صفات هذه الانتخابات:- ان تكون صادقة وموثوقا بها وان تجري على طريق الاقتراع المباشر والشامل والسري للشعب العراقي وعلى اعتماد ان يكون العراق كله منطقة انتخابية واحدة واعتماد نظام التمثيل النسبي.

أما من حيث خواص هذه الانتخابات:- فقد جاء في القسم (3) من القانون وتحت عنوان "نظام التمثيل" حيث نصت الفقرتان (3) و (4) منه على ما يلي:-

3- سيكون العراق دائرة انتخابية واحدة وسيتم توزيع جميع المقاعد في المجلس الوطني على الكيانات السياسية من خلال نظام التمثيل النسبي.

4- تعتمد الصيغة المستخدمة لتوزيع المقاعد في المجلس الوطني على أعضائه على حساب أولي يستخدم الحصص البسيطة (هيركوتا) وعلى حسابات أخرى تستخدم اكبر المتبقي. ويكون الحد هو الحد الطبيعي ويحسب بقيمة إجمالي عدد الأصوات السليمة والصالحة على 275 ويتم توضيح طريقة استخدام هذه الصيغة في لوائح تنظيمية تصدر عملاً بالقسم (6).

ان أي مختص قانوني يقرأ هذين النصين في الفقرتين (3 و 4) سيصل إلى النتائج الآتية:-

اعتماد نظام الدائرة الانتخابية الواحدة مع نظام التمثيل النسبي

توزيع المقاعد من خلال تقسيم الأصوات المشاركة في الانتخابات على (275) للحصول على (الحد الطبيعي) وكل من يصل إلى الحد الطبيعي يفوز في الانتخابات وفق حصص بسيطة (هيركوتا).

ما تبقى من مقاعد تستخدم اكبر المتبقى (الباقي الأقوى) أي عدم إعطاء أي مقاعد إضافية إلى الكيانات الفائزة ابتداءً من خلال هذا يتضح لنا بأن القانون قد نصّ على أسس سليمة للانتخابات صراحة وبلا غموض ولا تحتاج الى الاجتهاد والتأويل وقد خوّل مفوضية الانتخابات إصدار اللوائح التنظيمية اللازمة وفق الأسس العامة التي ذكرناها آنفاً.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل هذه اللوائح التنظيمية التي صدرت من قبل مفوضية الانتخابات جاءت متماشية ومتطابقة مع نص وروح القانون باعتبار ان القانون قد نصّ صراحة على الأسس التي يجب أن تسير عليها مفوضية الانتخابات استناداً إلى مبدأ "تدرج القاعدة القانونية" وهو مبدأ عام في علم القانون وكما ذكرنا في بداية مقالنا. لنرى ذلك في أهم لائحة صدرت من المفوضية والتي أسمته النظام والذي يحمل رقم (17) تحت عنوان "توزيع المقاعد" في القسم الأول من النظام في البند (ع) جاء تعريف المصطلحات وكالآتي:-

* الحد الطبيعي: عدد الأصوات الصالحة التي يحتاجها أي كيان سياسي لضمه إلى الحسابات الخاصة بتوزيع المقاعد. ويحتسب الحد الطبيعي بتقسيم إجمالي عدد الأصوات الصالحة على عدد مقاعد الجمعية او مجلس المحافظة"

والسؤال الوارد هنا، هل النص الوارد في أمر سلطة الائتلاف رقم (96) والمسمى قانون الانتخابات قد أشار صراحة او ضمنا إلى حسابات خاصة بتوزيع المقاعد ام انه قد أشار صراحة إلى حسابات بسيطة بتوزيع المقاعد والى استخدام طريقة اكبر المتبقي.

وقد جاء البند (5) في نفس القسم ليزيد الطين بلة حيث أشار إلى:

* الحصة: "هيركوتا" التي تحتسب بتقسيم إجمالي عدد الأصوات الصالحة في أي مرحلة على عدد المقاعد المتبقية في تلك المرحلة"

هل توجد إشارة واحدة في القانون الى الكيانات الباقية او المستبعدة ام إنها تجاوز على القانون وعلى أسسه السليمة التي جاء بها لكي يحرفه عن محتواه الحقيقي ولكي يشوّه إرادة الناخبين ويزورها.

وقد جاء القسم الثاني من النظام والذي سمي العمليات الحسابية لتوزيع المقاعد" ليكمل القسم الأول وليزيد الطين بلة من خلال تجسيد هذه التعريفات في معادلات حسابية لغرض استبعاد الكيانات السياسية التي لا تحصل على الحد الطبيعي وعلى إعادة استخدام الكيانات الفائزة لأصواتها ليعاد تقسيمها مرة أخرى للحصول على الحد الآخر وهو (حد الفائزين) لكي يحصلوا على المقاعد المتبقية وبذلك يشغلون كافة المقاعد المخصصة في البرلمان والبالغة (275) ان نظام رقم (17) لسنة 2005 الخاص بتوزيع المقاعد الانتخابية هو بداية التجاوز على مبدأ "تدرج القاعدة القانونية" في مجال الانتخابات وهو يمثل ابرز وجه من وجوه الابتعاد عن مفاهيم الديمقراطية وباعتبار ان الانتخابات ما هي الا التجسيد الحي للديمقراطية فبالتالي ان أي انتهاك للانتخابات بات يمثل انتهاكاً للديمقراطية ولنرَ ذلك بلغة الأرقام وفق الجدول رقم (1):-

ان الحد الطبيعي هو (30.750) في حين ان الحد الطبيعي للكيانات الفائزة هو (29.132)

حصدت الكيانات الكبيرة الفائزة (14.6) مقعداً بلا أصوات من الناحية الفعلية وهذه تشكل (5%) من مقاعد مجلس النواب.

خسر الحزب الشيوعي مقعداً بفارق (18) صوتاً فقط ولو قامت المفوضية بواجبها وأجرت الانتخابات في سهل نينوى لما خسر هذا المقعد.

حصلت وحصدت الكيانات الكبيرة على (482895) صوتاً من الكيانات الصغيرة أي إنها قد وضعت أصوات هؤلاء المصوتين في جعبتها دون عناء وهذا هو "التزوير الانتخابي" او "التزوير القانوني" او جعل إرادة الناخب تصب في غير المكان الذي تريده.