اطبع هذه الصفحة

 

الفلسفة هي فسيولوجيا العقل وعلم تشريح الأفكار

د. افراح لطفي عبدالله

 تشير عبارة العنوان (الفلسفة هي فسيولوجيا العقل وعلم تشريح الأفكار) الى موضوعين أساسيين: الأول يخص معنى العبارة ككل وهو تقديم تعريف جديد للفلسفة مهمتنا التدليل عليه في هذا البحث والثاني: يمس خاصية جوهرية لطالما أنكرت على الفلسفة وهي أنها (علما):

فما علمتنا إياه الأدبيات حول الفلسفة هو أنها أي الفلسفة لا يمكن أن تكون علما كونهما –العلم والفلسفة- يختلفان بالغاية والمنهج والانطلاقة.. هذا الكلام صحيح في جميع تعريفات العلم لكن فحصاً دقيقاً لهذه التعريفات يجعلنا نقع على شطر قريب إلى الفلسفة والذي يرجع إكتشافه إلى فلسفة العلم وهو الشطر النظري ففضلا عن التلاقي بين الفلسفة والعلم من خلال تعريف العلم أنه "مفهوم غامض فهو في آن موقف إزاء الطبيعة ومجموعة معلومات وطريقة تفسير وعمل"(1) ففضلا عن هذا نجد نقطة التلاقي هذه تتجسد بشكل كبير بتذكر أهمية الفلسفة للعلم ففرانك وببحثه عن الحلقة المفقودة بين الفلسفة والعلم أكد على أهمية أن لايقتصر فهمنا على العلوم نفسها بل يجب "الأيمان بوجود مبادئ فلسفية.... يمكن أن نشتق منها البيانات العلمية سواء منها الاجتماعية او الطبيعية"(2) ولكن التعويل على الجانب النظري في تعريفات العلم كان قد جسد نقطة التلاقي هذه بشكل كبير حيث نلمح مزايا فلسفية في صلب نظرية العلم فعندما يقول كونانت ان: "العلم عبارة عن سلسلة من تصورات ذهنية ومشروعات تصورية مترابطة متواصلة هي جميعاً انتجه لحدثين هما الملاحظة والتجريب"(3) فإنه يكون قد عول على الجانب النظري بشكل كبير كون التصور الذهني يعني الفكرة أو المعنى المجرد أما المشروع التصوري فيوقظ الذهن لإيجاد نسق كالفرض أو النظرية ونحن نعرف جيداً إن التجريد والأنساق الذهنية والفروض الخيالية هي من عمل الفلسفة ولهذا السبب ممكن أن "يتفق الباحثون جميعاً على إن العلم بحث نظري بمعنى أنه جهد مبذول للمعرفة والفهم الذي يحيط بظواهر الطبيعة على أن تشمل الطبيعة كلا من الإنسان والعالم المحيط به"(4) فإن يكون العلم بحثاً نظرياً قد يضفي صفة  العلمية على الفلسفة كونه يذكرنا بوجهها النظري وإن كانت تتقاطع مع العلم مع شطره التجريبي وهذا يمكن تبينه وفقاً للإستنتاج التالي:

إذا خلصنا الى تعريف للعلم يقول إن "كل علم إنما يبحث في مجموعة خاصة من المعارف وفي معلومات جزئية وقوانين تنطبق على قسم معين من أقسام الكون واجزائه"(5) الا نجد وفقا للجزء الأول من هذا التعريف أن الفلسفة مجالاً من المعارف كبقية العلوم؟ هل نستطيع ان نلتمس من عبارة "فسيولوجيا العقل" مجالاً من المعارف تخص إلانسان وهو العقل؟ إذا وفرت هذه العبارة مجالاً من المعارف للفلسفة فكيف يمكنها أن تمارس بحثها علميا؟ أي كيف يدرس العقل فسيولوجيا؟

تعني "كلمة فسيولوجيا Physiology دراسة الوظائف الآلية والمادية وكيمياء الحياة في الكائنات الحية" وتعزى بداية الفسيولوجيا في الإغريق القديمة إلى التفكير النقدي لأرسطو وتأكيده على العلاقة بين البنية والوظيفة* ولاشك أن البنية هنا تمثل العضو وتشخيص وظيفته وتفاصيلها، وشرحها وتشريحها هو دراستها فسلجيا وإذا كان العقل مجال الفلسفة يبحث بتفاصيل ومكونات وأجزاء تشكل بنية، الا يمكن ان يكون عضواً وإذا كان عضواً الا يضفي عليه صفة المادية؟ ولكن ليست المادية الصلبة المتعارف عليها، بل المادية التي تتحقق وتلمس  من خلال الذات كما يقول بوبر الا يمكن للعقل إذاً أن يشكل مجالاً نوصف دراسته بالعلمية؟ وإذا كان العقل هو مجال إهتمام الفلسفة منذ قدمها الا تشكل الصور التي قدمها الفلاسفة لتشريح العقل ورسم أعضائه ومكوناته وتحديد وظائفها صوراً فسيولوجية؟ ألا يمكن لو وافقنا على هذا ان تحوز الفلسفة على لفظة علمية؟ الفلسفة تملك الإصالة في بحثها هذا الذي تجاهله العلماء وحتى بعد الأبحاث الفسلجية للدماغ مؤخراً بقت هي الوحيدة التي تمدنا بالبحث الفسلجي للعقل فطالما رسم في بال الفلسفة إذن أن العقل عضواً والا لما استطاعت أن تشرحه وتطرح وظائفه فسلجيا بهذه الصور الرائعة المتعددة بتعدد مذاهبها ولما استطاعت ان تظهر قوانينه ومبادئه وأجزائه ولكن بطريقة ذاتية متنوعة بتنوع انطلاقاتها؟ عند هذه النقطة تقف الفلسفة لتفترق عن العلم فهي لا تستوفي الشطر الثاني من تعريفات العلم الكامن في توحيد الحكم موضوعياً  حول القوانين والعمليات بصورة عملية وعلمية.

إن كبرياء الفلسفة لا يجعلها تلتفت للانضواء تحت إطار موحد الأمر الذي يبقي تفسيراتها ذاتية مما يمهد لان يرد الاحتجاج الأزلي على عمل الفلسفة القائل انها ما دامت لا تستطيع ان تقدم اجابة موحدة فأنها لا يمكن ان تكون علماً.. لكن يمكن تسبيط هذا الاحتجاج كون العقل من ناحية ليس جزءاً إفتراضياً بل هو حقيقي في الانسان وأن الفلاسفة بذكائهم الفطري قد فطنوا إليه وحاولوا تحليله بطرق تشريحية تشبه طريقة تشريح الاعضاء الجسدية.. ولكن كون العقل عالم يتجاوز الملموس والمنظور المادي وهو من الغموض حتى مع الكشوفات حول تشكيله في الدماغ جعل طريقة تناوله وتشريحه من قبل الفلاسفة تختلف عن طريقة تشريح العلماء للاعضاء الاخرى لأنه وبسبب ترفعه عن المادة جعله قابلاً للرؤية بأوجه متعددة ومختلفة وجعل الخيال يلعب دوراً في تصوره وصنع صور تحاول الإقتراب إلى حقيقته لاسيما في زمن لم تأخذ الكشوفات حول الدماغ بعداً واضحاً.. لكن من الضروري الإشارة الى أن العقل لم يجد أهتماماً بكونه عضوا قابل للتشريح سوى من الفلاسفة هذا من دون أن يكون حديثهم عنه اعتباطيا أو ضرباً من الخيال والدليل ان الفلاسفة وبجهدهم هذا قد نبهوا العلماء على وضعه تحت المجهر مؤخرا من خلال الدماغ وهكذا لا نكون ضاربين في الخيال اذا ما قلنا أن الفلاسفة ممكن توصيفهم كعلماء اختصاص بعضو الإنسان المتسامي (العقل) وفق مقاييس مناخهم الفكري كونهم قدموا توضحيات رؤاها مهمة لبناء علم الإنسان والعالم. وعليه من المبالغ القول أن الفلسفة أدخلتنا الى أرض لم يدخل العالم اليها وربما لن يدخل ابداً ويصح القول ان الإنسان محتاج لأن يرسم حدود هذه الأرض ويدخلها حتى بدون يقين العلم"(7) يمكن قول ذلك كون الفلاسفة يطرحون انفسهم كعلماء فهم قد اخترقوا عالم العقل كونهم علماء من دون حاجة الى يقينيات العلم  وان نبهوا بغير قصد العلماء بما قدموه من صور تشريحية وفسلجية واسئلة ومشاكل..

اما في مجال الأفكار فيمكن اذا صح القول ان تكون كلمة تشريح anatomy العلمية** ملائمة لعمل الفلاسفة في طرح الأفكار كونه طرحاً يتتبع اسلوباً تشريحياً في توصيف الأفكار فإذا كان التشريح الطبي يتناول دراسة تفصيلية لمختلف انسجة الاعضاء وتمفصلاتها وكذلك معرفة الشكل الدقيق والموضع والعلاقات بين البنى المختلفة للجسم البشري*** فان الفلسفة في هذه  الارض ارض الأفكار قد فاقت كل المجالات العلمية وغير العلمية في قدرتها الواسعة على صنع المفاهيم والأفكار وتشريحها بطريقة تفصيلية تكشف عن نسيج العلاقات المتمفصلة الكامنة في بنية فكرة ما كتمفصلات الكوجيتو المحبكة وتناسق المونادا المتناغم وهندسة نظرية المثل الدقيقة هذا فضلاً عن موضوعات فرع الفلسفة الأخرى، حيث لم تطرح هذه الأفكار كمسميات فقط بل طرحت بطريقة تشريحية تقصت ادق التفاصيل بصيغة منطقية محكمة.. فالفلاسفة والفلاسفة وحدهم من استطاعوا ممارسة التشريح تشريح الأفكار وان لم يحددوا هذا الفعل بمسمى معين وهذا نجده حتى بعد اعلان العلم عن دور الدماغ في تشكيل العقل فالفلسفة المعاصرة لم ننسى وظيفتها العلمية في تشريح الأفكار كما في حدس برجسون واداة البراجماتيين ووجود وعدم سارتر.. إلخ هذا فضلا عن تقديم صور تشريحية للعقل وقدرة عالية على تفسير وظائفه.

وعليه فإذا كانت الفلسفة بطرحها الأفكار إنما تشرحها ويطرحها العقل ليس كتحصيل المعرفة ومصدرها بل كعضو يمكن رؤية أجزائه فسلجياً عندئذ لابد ان نقول ان الفلسفة علم.. لكن أي علم؟ اقول علم تشريح العقل والأفكار المجال المجاوز والحقل المترفع عن المادة الأمر الذي يجعل العلم هنا نوعاً خاصاً بعضو اساسي في الإنسان الذي تجاهله العلم لخاصيته غير المادية لحقب طويلة.. ولم نقل أن الفلسفة قد قدمت كشفاً علميا حول العقل لكنها استوعبت الحيرة العلمية مبكرا إزاء تفسير الوعي والذات وتفسير علاقته بالجسد ونشوئه من المادة والتي ما زالت الحيرة شاخصة وما زال علماء الفلسفة يقدمون صوراً للعقل عنها تناسب الصورة الحقيقية لذلك العضو المادي المعقد (الدماغ).

الهوامش

1- كورغانوف، فلاديمير، البحث العلمي، ت: يوسف اب فاضل وميشال ابو فاضل/ منشورات عويدات، بيروت- باريس ط1/ 1983 ص53.

2- فرانك، فيليب، فلسفة العلم، ت: علي علي ناصيف/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1/ 1983 ص8.

3- كونانت، جيمس، مواقف حاسمة في تاريخ العلم، ت: احمد زكي/ دار المعارف بمصر ص 50-51.

4- قنصوة، صلاح، فلسفة العلم/ دار الثقافة للنشر والتوزيع- القاهرة 1987 ص38.

5- بيصار، محمد عبدالرحمن، الفلسفة اليونانية/ منشورات المكتبة العصرية بيروت 1981 ص25.

6-ويكبيديا

* ويكبديا استطاع ارسطو ان يجد ان هذه العلاقة في تشريحه لاعضاء الحيوانات وتحديد وظائفها راجع كتابه طباع الحيوان.

7- الآلوسي، حسام، حول العقل والعقلانية العربية، دار القدس- عمان- الاردن ط1 2005 ص38.

** احد فروع علم الاحياء الذي يتناول دراسة بنية وتنظيم الكائنات الحية وتركيب اعضائها المتنوعة راجع التشريح/ ويكبيديا- الموسوعة الحرة.

*** راجع الشريح/ ويكبيديا الموسوعة الحرة.