عند الحديث عن مستقبل الثقافة المدنية والفكر الفلسفي في العراق يرى د. كريم
الجاف الأستاذ في الجامعة المستنصرية- قسم الفلسفة، ان مستقبل الثقافة يعتمد على
حرية التعبير والتفكير للنشاط الإبداعي المستقل، لكن نجد ان الثقافة الرسمية في
عالمنا العربي تعيش في أزمة، لانها متناقضة مع نفسها خالية من الأنساق
والمصداقية، وتهمل عن عمد ثقافة الوعي العقلاني والديمقراطي، بحقائق الأشياء
وواقع المجتمع والعصر كله.*
هذه الأسئلة هي محور اللقاء الذي أجرته صحيفة "طريق الشعب" مع الدكتور كريم الجاف
الذي يدرّس مادة الفلسفة المعاصرة في الجامعة المستنصرية.
*كيف يرى د. كريم الجاف مستقبل الخطاب الفلسفي في العراق؟
ـ لا شك إن الفلسفة أو النشاط الفلسفي يقوم على التفاعل النقدي بين الوعي
الإنساني والعالم وتسعى الفلسفة إلى إيجاد دور يتناسب مع طاقة الإنسان لفهم واقع
العالم وهي الى جانب ذلك ثورة في نظرة الإنسان إلى العالم عبر رسم وقائعه وأحداثه
بالمفاهيم والفلسفة كنشاط تفكري تكون ضعيفة وغير مؤثرة عندما لا تجد فضاء مفتوحاً
فيه، فضلا عن ان مستقبلها يعتمد على وجود حرية التعبير والتفكير التي ينبغي ان
تكفلها تشريعات الدولة ومؤسساتها.
*ألم يكفل الدستور الحريات في العراق الجديد؟
- الحقيقة أن الدستور لم يكتب بذهنية مدنية وإنما كتب بذهنية ثقافات ما قبل
الدولة، وبتعبير آخر أن معظم مواد الدستور لم تكتب بعقلية وثقافة المجتمع المدني
وحتى تلك المواد الدستورية من قبيل (38،39،40) لكي تكفل الحريات في الميدان
العام؛ أي الدولة فأنها سوف لا تكون نافذة إلا حينما تضعف ارادة وهيمنة مجتمعات
ما قبل الدولة (الطائفية، العرقية، العشائرية) ان النظام الديمقراطي في العراق ما
زال في المرحلة الابتدائية وان الثقافة المدنية بحاجة الى جيل كامل كي تنمو
وتترعرع وتزدهر.
* ما مفهومكم للثقافة المدنية؟
- الثقافة المدنية ثقافة حضارية وإنسانية وتتميز هذه الثقافة بقيم النقد والتحليل
وقبول الآخر انها ثقافة الميدان العام، فضلاً عن إن هذه الثقافة لا تسعى الى نبذ
الآخر بقدر ما تتبنى فكرة العيش المشترك، والنسبية الثقافية والحق في الاختلاف،
في حين ان ثقافات ما قبل الدولة، ثقافة الميدان الاعتيادي الخاص التي تسعى الى
الهيمنة على الميدان العام كيما تؤطره لقيمها وعبر سياسة الإقصاء ونبذ الآخر، ومن
المؤمل حقاً جداً ان الدستور كتب لحماية حقوق ومصالح الجماعات وثقافات ما قبل
الدولة، فهو اذا ليس دستوراً مدنياً يسعى لبناء دولة حضارية حديثة.
* هل تستطيع الفلسفة التخفيف من غلواء ثقافات ما قبل الدولة؟
- لا شك ان المدينة او دولة المدينة في العصر اليوناني كانت فضاء ميلاد الفلسفة
ومن ثم يمكن القول وبكل ثقة ان النشاط الفلسفي هو نشاط مدني بامتياز يتقاطع وقيم
الثقافات المغلقة التي تتميز بها قيم وثقافات ما قبل الدولة وأرى ان دور الفلسفة
في العراق يكمن في تأسيس مشروع ثقافي وطني يسعى لايقاف مد نفوذ وهيمنة قوى ثقافات
ما قبل الدولة في الميدان العام. تلك القوى التي تسعى الى اغلاق فضاءات التفكير
الحر، من خلال قيادة عملية توعية كبرى لمد نفوذ ثقافات وقيم المجتمع المدني التي
تهدف الى التسامح وقبول الآخر ونبذ كل قيمة غير مدنية لا تتناسب وطبيعة الدولة
الحديثة التي تتميز في كونها نظاماً اجتماعياً مدنياً يتخطى قيم الثقافات غير
المدنية عبر قيم وقوانين وتشريعات تساوي بين الناس عبر مفهوم المواطنة فضلاً عن
تحرير العقل من المفاهيم والتصورات التي تحجب عنه التنوع والفوارق والاختلافات
بين الناس عبر الاستخدام المدني للعقل والطائفة والعرق والدين، وتغليب منطق
الحوار على العنف.
* وبهذه المناسبة كيف ترى واقع المدينة العراقية الآن؟
- يشهد واقع المدينة العراقية تحولاً خطيراً ألا وهو ظاهرة (تطئيف المدينة) تلك
الظاهرة التي بدأت تسود اغلب مدن العراق لاسيما مدينة بغداد، إذ نجد ان معظم
احيائها قد بدأت تنتظم وفق المبدأ الطائفي ويعد هذا التحول الخطير هو الثاني
فالتحول الاول سادت فيه ظاهرة ما يعرف بترييف المدينة، ولاشك ان هاتين الظاهرتين
قد اغلقت فضاءات التفكير الحر والمدني فضلاً عن غياب مظاهر التمدن على اغلب مدن
العراق ونستثني من ذلك مدن اقليم كردستان. ومن الجدير بالذكر ان هاتين الظاهرتين
لم تكن موجودة في النصف الاول من القرن العشرين إذ كانت بغداد تتميز حينها بمظاهر
المدينة والعمران.
* كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة في ضوء التجربة العراقية المعاصرة؟
- ارى ان السؤال ينبغي ان يكون كالآتي: ما هي طبيعة العلاقة بين المثقف والحكومة،
لأن السؤال عن علاقة المثقف بالسلطة هو سؤال كبير يطرح اشكالات عديدة لا يمكن
حصرها في لقاء صحفي قصير.
لا شك ان الحكومات التي تدير العملية السياسية في العراق الراهن لاسيما في ظروف
الواقع العراقي المعقد لا يمكن لها ان تدير العملية السياسية بمفردها إذ ان عليها
ان تأخذ بالحسبان دور النخب الثقافية (الفكرية، العلمية، الاكاديمية) واشراكها في
رصد المشكلات والتحديات لايجاد الحلول لها، وأنا شخصياً وضعت تصوراً لصيغة
العلاقة بين الحكومة والنخب المثقفة اسميتها (الحكومة الذكية) ولا أعني بها
الحكومة الالكترونية وانما الحكومة التي يكون للنخب دور مهم في تقديم الافكار
والمشروعات والاسهام في حل المشكلات التي تواجه العملية السياسية فضلا عن الاسهام
في صنع القرارات ذات الطابع الوطني والاستراتيجي، ولا شك ان صيغة الحكومة الذكية
هي احدى المحاولات الداعية الى ردم الهوة بين المثقف والسلطة او بين السيف والقلم
على حد تعبير المفكر الاسلامي ابن خلدون.
*ما المشروع الذي تحلم بتحقيقه؟
- احلم بتحقيق مشروع (عولمة الفلسفة) وارى انه المشروع المناسب لتشكيل وعي عالمي
يسهم في تطوير الثقافات الانسانية ولاسيما المغلقة منها لجعلها اكثر انفتاحاً على
العالم واكثر قدرة على العيش المشترك عبر تنمية قيم انسانية تقوم على مبدأ الحق
في الاختلاف فضلا عن الاهتمام بالتحديات المعاصرة ذات الطابع الاشكالي كالعولمة
وصراع الحضارات والبيئة والمساواة بين الناس. وهذا بالتأكيد لا يتم ما لم يعمم
الدرس الفلسفي وتبسيط لغته كي يفهمها غير الاختصاص واستعمال وسائط الاعلام
المتعددة لايصاله ونشره.
* في ضوء ما تقدم هل نحن بحاجة الى مثقف تنويري لايقاف مد ونفوذ قوى وثقافات ما
قبل الدولة؟
- نحن بحاجة الى مثقف تنويري ولكن ليس على طريق أهل التنوير والعقلانية الاوربية
التي حاربت واقصت كل ما هو غير عقلاني وغير مدني بقدر ما نحن بحاجة الى مثقف يسعى
الى جعل تلك الثقافات اكثر انفتاحاُ ومدنية وانسانية عبر تخليصها من الاساليب
الشعبية التي تبالغ في التطرف وامتلاك الحقيقة وتدمير الآخر وعلى المثقف العراقي
ان يضع طرائق لفهم الآخر في مجتمعه أي طرائق ومناهج لفهم أحدنا الآخر وفق قيم
الحق في الاختلاف والنسبية الثقافية والحث على الاحترام المدني للعقل والدين
والعرق لأجل تحقيق السلام الاجتماعي في الميدان العام، ميدان الدولة المدنية
الحديثة.
*سؤال اخير كيف يمكن تحديد ملامح الواقع الثقافي الذي يسود عالمنا الراهن؟
- لا شك ان هناك تغير مناخي للواقع الثقافي العالمي اشبه بالتغير المناخي الذي
اصاب بيئة عالمنا الارضي ويمكن تسمية هذا التغير على المستوى الفكري والثقافي
بالتغير ما بعد الحداثي الذي بدأت تتشكل ملامحه عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصال
والاعلام التي استطاعت تغيير واقع الوجود الانساني ونظامه الاجتماعي فضلاً عن
بروز ما يطلق عليه بالواقع الافتراضي الذي قلص عنصري الزمان والمكان وجعل الانسان
يعيش في العالم كله متخطياً محليته الى فضاء العولمة.
* وعلى المستوى الفلسفي ؟
- ان الوضع ما بعد الحداثي قد افرز رؤية جديدة للذات في فهم العالم فالذات لم تعد
كما كانت في الوضع الحداثي حينما كانت مصدراً ذاتياً للمعرفة والحقيقة كما تجلت
في فلسفة ديكارت وكانط وانما انفتحت على الغير وبذلك فانها لم تعد ذاتاً في حد
ذاتها وانما ذات تشكيل معارفها من خلال مفاهيم من قبيل الآخر غير الذات كالآخر
الثقافي او الايديولوجي او الاستعماري، او العرقي.. الخ او الجسد كما في فلسفة
نيتشة حيث البعد الحيوي اصبح مصدراً اساسياً في ادراك العالم او الذات بوصفها
زمانية وتاريخاً كما في فلسفة هيدغر او الذات بوصفها جيداً في العالم كما في
فلوميرلو بونتي او الجانب اللاشعوري للذات كما عند فرويد فضلاً عن بروز الخيال
كقوة خلاقة للابداع واعادة انتاج موروثات الماضي ولكن بشروط الزمن الحاضر
وتقنياته.
* هل يمكن القول انه بوجود عنصر الخيال في ثقافاتنا الاجتماعية سيسهل من دخولنا
الى عصر ما بعد الحداثة؟
- لاشك ان انبعاث الخيال في صيغته المابعد حداثية كما نجده عند الغرب قد جاء بعد
فشل المشروع التنويري الذي تميز بالاستخدام المطلق للعقل في النظر الى العالم
وتهميش كل ما هو لا عقلاني والذي اضر بمشروعه الثقافي واكن بعد التطورات
التكنولوجية المعاصرة والمراجعات النقدية للمشروع الحداثي التنويري برز مفهوم
الخيال الابداعي بقوة لتقليص مساحات التقليد العقلاني والتقليل من غلوائه لقوة
مطلقة ووحيدة لفهم العالم.
اما في ثقافاتنا الاجتماعية لاسيما الثقافات الدينية والمذهبية نجد ان الخيال لا
يمارس وظائف ابداعية بقدر ما اصبح قوة معرقلة لحركة تاريخ العالم فهو يدفعنا الى
استعادة عوالم الماضي ذات الطابع الديني وغيره من العوالم التي مضت وانقضت ومن ثم
يمكن القول اذا كان الغرب قد احتاج الى الخيال لإيقاظ العقلانية في مشروعه
المابعد حداثي فأننا بحاجة الى مزيد من العقلانية لإيقاف الخيالي واعني الخيالي
الإبداعي لإنجاز ما بعد حداثتنا او لتأسيس مشروع ما بعد حداثي خاص بنا.
ــــــــــــــــ
*استاذ جامعي عراقي في الجامعة المستنصرية/ كلية الاداب/ قسم الفلسفة
يدرس مادة الفلسفة المعاصرة، له العديد من البحوث والمشاركات في المؤتمرات
الفلسفية وغير الفلسفية.