اطبع هذه الصفحة

 

انتفاضة تشرين الثاني 1952
صفحات مجيدة من نضال الشيوعيين العراقيين

لم تستطع الانتكاسة الخطيرة، التي أصابت الحزب بعد الحملة الإرهابية التي شنتها الفئة الملكية الحاكمة منذ أيار 1948 تحت غطاء حماية مؤخرة الجيش الذاهب إلى فلسطين، وتتويج هذه الحملة بإعدام الرفاق فهد و حازم و صارم، أن تـُخرج الحزب من ساحة النضال. إذ سرعان ما تغلب على الصعوبات التي واجهته، وعاد إلى ميدان النضال مولياً الحركة العمالية اهتمامه الأكبر، فقاد إضرابات العمال في الميناء في أواخر 1949 وعمال السكك في البصرة في شباط 1950 وعمال شركة كري مكنزي في البصرة في آب،1950 وإضراب عمال شركة الغزل والنسيج وفرض نقاباتهم. وشكل العمال، بقيادة الشيوعيين، مكتب النقابات الدائم في مطلع عام 1951. وأعقبت ذلك حملة إضرابات في شركة نفط البصرة والغزل والنسيج في بغداد والنجف.

وفي حزيران 1952 اضرب العمال في قاعدة الحبانية، فقتلت القوات البريطانية أربعة منهم. وأعقب ذلك إضراب عمال القاعدة العسكرية البريطانية في الشعيبة. وعاد عمال الميناء في آب 1952 إلى الإضراب، ونظم الحزب حملة جماهيرية للتضامن معهم في البصرة وبغداد. كما أضرب عمال الفاو في شباط 1952. وحقق العديد من هذه الإضرابات بعض مطالب العمال التي اضربوا من أجلها.

وأولى الحزب اهتمامه للحركة الفلاحية ونظم الجمعيات الفلاحية السرية لتوعية الفلاحين وقيادة نضالهم في سبيل الأرض وضد مظالم الإقطاعيين، فقاد انتفاضة فلاحي آل ازيرج في العمارة، الذين تحدوا الإقطاعيين و حوشيتهم وشرطة العهد الملكي. واغتال جلاوزة الإقطاعيين ثلاثة فلاحين. واشتدت المعارك بعد ذلك حيث شنت الشرطة حملة واسعة ضد الفلاحين قابلوها بالسلاح، فاستشهد خمسة منهم بينهم الفلاحة فاطمة السيد محمد وجرح العشرات، وصدرت أحكام ثقيلة بحق الكثير ممن اعتقلوا في تلك الانتفاضة.

وعمل الحزب على تشكيل المنظمات الديمقراطية للطلبة والشبيبة والنساء، فعاود اتحاد الطلبة العام، الذي أقامه الطلبة في 14 نيسان 1948 نشاطه وشكل لجانه السرية التي قادت الكثير من النشاطات في الكليات والمعاهد والمدارس الثانوية.

وتأسست في آذار 1952 رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، وكذلك تم تأسيس اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي، ونشطت حركة السلم التي لعبت دورا كبيرا إلى جانب فصائل الحركة الوطنية ضد التكتلات والأحلاف العسكرية الاستعمارية.

وانتعشت الحركة الوطنية، وعادت الأحزاب التي جمدت نشاطها في فترة الإرهاب القاسي إلى مزاولة عملها، وتأسس حزب الجبهة الشعبية وأجيزت بعض الصحف الوطنية، وتأثر الوضع بمجريات الأحداث في إيران حيث جرى تأميم النفط الإيراني. واشتد الصراع بين الحركة الوطنية المصرية وحكومة النحاس من جهة والحكومة البريطانية من جهة أخرى، وألغيت معاهدة 1936 مع بريطانيا.

وحظيت تطورات الأوضاع في إيران ومصر باهتمام الحركة الوطنية العراقية فتعالت المطالبة بتأميم النفط في العراق، ونظمت الأحزاب الوطنية إضرابا عاما في 14 تشرين الثاني 1951 وقامت بمظاهرات احتجاجية. وكان لانتصار ثورة يوليو/تموز 1952 في مصر أثر كبير على الأوضاع في العراق.

ومن الجدير بالذكر أن عام 1952 شهد منذ بدايته نضالات وطنية، بينت تصاعد استعداد الجماهير للنضال ضد الطغمة الملكية الرجعية ومشاريعها لربط العراق بالأحلاف الاستعمارية.

ففي 27 كانون الثاني 1952 نظم الحزب الشيوعي العراقي مظاهرة في ذكرى الوثبة التي انطلقت من كلية الحقوق، وحوصر المتظاهرون في كلية الآداب طيلة نهار كامل، وفشلت الشرطة في اقتحام الكلية، رغم استخدامها القنابل المسيلة للدموع لأول مرة في تاريخ العراق.

وفي شباط 1952 قامت الحكومة على الضد من إرادة الشعب، بالالتفاف على مطلب تأميم النفط، وعقدت اتفاقية المناصفة بالأرباح التي جوبهت بإضراب سياسي شامل، ومظاهرات نظمتها القوى الوطنية. كما طالب عدد من النواب الوطنيين بـتأميم النفط.

وعلى إثر هذين الحدثين (المظاهرة والإضراب) طلب وزير المعارف من عمادة كلية الحقوق فصل طالبين شيوعيين هما عبد الرزاق الصافي وعدنان جميل أسود، كانا متهمين بالمشاركة في مظاهرتي ذكرى الوثبة والإضراب ضد اتفاقية النفط.

وكان إعلان فصل الطالبين، الشرارة التي أشعلت إضرابا شمل جميع الكليات والمعاهد في بغداد، وعددا من المدارس الثانوية في بغداد وخارجها.

كما ضمت زيارة أربعين الإمام الحسين (ع) في 20 صفر في كربلاء في ذلك العام، جماهير غفيرة قاربت نصف مليون زائر. وكانت غالبية الأهازيج، التي رددتها المواكب الحسينية يوم ذاك، تندد بالإقطاع وبالمشاريع الاستعمارية وتناصر السلم وتطالب بالحريات وغير ذلك من مطالب الحركة الوطنية.

وساهمت إضرابات السجناء السياسيين، وغالبيتهم الساحقة من الشيوعيين، عن الطعام وحملات التضامن معهم ومظاهرات عوائلهم وأصدقائهم التي نظمها الحزب ودعم الصحافة الحزبية والوطنية لمطاليبهم، في إثارة الرأي العام ضد السلطة وإجراءاتها التعسفية.

وفي تلك الأجواء، وتحت تأثير العوامل التي مر ذكرها مجتمعة، قدّمت الأحزاب الوطنية مذكرات إلى البلاط الملكي تطالب بالحريات السياسية وحرية تشكيل النقابات وتعديل القانون الأساسي (الدستور) بما يضمن سيادة الشعب وإلغاء النصوص التي تخول الملك إقالة الوزراء وإجراء انتخابات حرة مباشرة وحماية حقوق المواطنين والعفو عن المحكومين السياسيين وتطهير جهاز الدولة وإلغاء الإقطاع وغيره من المطالب الوطنية.

جوبهت هذه المطالب بالرفض من قبل الفئة الحاكمة، وجرى إبلاغ رؤساء الأحزاب بذلك في 28 تشرين الأول. واستمرت الحكومة في إجراءاتها لانتخاب مجلس نيابي جديد. فدعا الحزب الشيوعي إلى مقاطعة الانتخابات، ولاحظت "القاعدة" جريدة الحزب المركزية، استعداد الجماهير للنضال لتحقيق مطاليبها. كما أصدرت الأحزاب الوطنية في 2 تشرين الثاني 1952 بيانات تعلن مقاطعتها للانتخابات لانعدام الديمقراطية وسيادة الإرهاب وبقاء القوانين الرجعية.

وفي ذلك الجو الملتهب تحول إضراب طلابي في كلية الصيدلة والكيمياء احتجاجا على اعتداءات قام بها عملاء السلطة على الطلبة، تحول إلى إضراب طلابي عام دعا إليه اتحاد الطلبة يوم 20 تشرين الثاني 1952، ومن ثم إلى انتفاضة شعبية واسعة كانت نتيجة لنضالات كل الأحزاب الوطنية المعادية للاستعمار التي هيأت للانتفاضة.

وشهدت شوارع بغداد صدامات دموية بين الشرطة والمتظاهرين، قتل فيها أحد المتظاهرين وجرح العشرات، بينهم 38 شرطيا يوم 22 تشرين الثاني 1952. واستمرت المظاهرات والمصادمات في اليوم التالي واستشهد فيها ثمانية عمال. وجرى في هذا اليوم إحراق مركز الاستعلامات الأمريكي ومركز شرطة باب الشيخ. وحدثت مظاهرات صاخبة وصدامات مع الشرطة في النجف والديوانية والسليمانية وكويسنجق وكربلاء والناصرية والبصرة والعمارة التي استشهد فيها الشيوعي حسن صبيح العلاق.

وطالبت جماهير بغداد بحكومة ديمقراطية برئاسة كامل الجادرجي. واستقالت وزارة مصطفى العمري اثر هذه الأحداث وأريد تشكيل حكومة برئاسة جميل المدفعي، غير أن تصاعد السخط الجماهيري وخشية الفئة الحاكمة من تطور الأحداث، خصوصا وأن الجماهير هتفت بسقوط النظام الملكي ودعت إلى قيام الجمهورية، حملت البلاط وأقطاب الحكم الملكي على استخدام الورقة الاخيرة، وذلك بإصدار أوامر مشددة بالقمع وتشكيل حكومة عسكرية برئاسة الفريق نور الدين محمود رئيس أركان الجيش وإعلان الأحكام العرفية، ومنع التجول والتظاهر وتعطيل الصحف والقيام بأوسع حملة اعتقالات شهدتها البلاد طيلة أيام الحكم الملكي شملت نشطاء الحركة الوطنية من شيوعيين وديمقراطيين، وقادة الأحزاب الوطنية وعددا كبيرا من الشخصيات الوطنية والنواب والصحفيين.

وكانت حصيلة حملات القمع ضد المتظاهرين مقتل 18 وجرح 84. كما تم تقديم المئات إلى المجلس العرفي العسكري الذي أقيم في عهد الوزارة الجديدة وحكم على كثيرين بالسجن وعلى اثنين من المعتقلين بالإعدام.

* شهداء الحزب شهداء الوطن الجزء الأول.