في المحور الثاني من المحاور
المعتمدة لهذا المؤتمر المهم توجد فقرة تتعلق بــ"دور التعليم الجامعي في تنمية
الحوار والتعايش بين الطوائف والاديان في مجتمع تعددي".
ومن بين اهداف المؤتمر هدف
نبيل هو "ترسيخ ثقافة التسامح وبناء الحوار بين مكونات المجتمع على اسس عادلة".
كما وضعته الهيئة التحضيرية للمؤتمر.
واحسب ان هذه الورقة المتواضعة
جدا يمكن ان تصب في المحور الثاني، وتخدم الهدف المشار اليه. ذلك ان منتسبي
الجامعات ينتمون الى الطوائف والاديان في مجتمعنا التعددي. وان ترسيخ ثقافة
التسامح والحوار البناء بينهم يقدم خدمة كبرى لمجمتعنا، بحكم ان منتسبي الجامعات
هم الجيل المرشح لقيادة الشعب في الاعوام القادمة.
ومن هنا فان ترسيخ ثقافة
التسامح يحتل مكانة مهمة في التعليم الجامعي، وفي تربية الجيل الجديد على قيم هذه
الثقافة، التي تعاني الضعف في واقعنا الحالي، مع الاسف الشديد.
فما التسامح كمفهوم حضاري؟ وما
حدوده؟ وكيف يمكن ان تساهم الجامعات في ترسيخه بين طلبتها واساتذتها، ومن خلالهم
في عموم المجتمع، بحكم المكانة التي يتمتع بها الاساتذة الجامعيون والمكانة التي
يؤمل ان يحتلها الطلبة في حياتهم الجامعية وفي حياتهم المقبلة، وفي المراكز التي
يشغلونها في اجهزة الدولة وفي الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية
للوطن؟
ان شعبنا في المرحلة الراهنة
مشغول باستكمال بناء النظام الديمقراطي الاتحادي التعددي في عراق مستقل كامل
السيادة. ولا يمكن استكمال النظام الديمقراطي المنشود من دون ثقافة ديمقراطية.
والتسامح يشكل قيمة اصيلة في الثقافة الديمقراطية، التي يفتقر اليها شعبنا الى حد
كبير، بسبب من طول ماعاناه في الحقب الماضية من الاستبداد والعسف والحرمان من
حقوقه الديمقراطية، ومنعه من ادارة شؤون البلاد بارادته الحرة.وبسبب من ان نسبة
كبيرة من النخب السياسية التي تصدرت المشهد السياسي منذ سقوط النظام الديكتاتوري
حتى الان، ليست ديمقراطية، وغير مؤهلة لان تتولى مهمة اشاعة الديمقراطية الحقيقية
وتعزيز حوار جدي ومسؤول بين مكونات المجمتع.
فما التسامح الذي ننشده، ويجب
ان نسعى الى ترسيخه بين مكونات جامعاتنا؟ انه اولا وقبل كل شيء، الاحترام والقبول
والتقدير للتنوع الغني لثقافات شعبنا وشعوب العالم كافة، ولاشكال التعبير والصفات
الانسانية.
ولتعزيز التسامح لابد من التسلح
بالمعرفة والانفتاح على الاخر، واحترام حرية الفكروالضمير والمعتقد.
ان افراد اى مجتمع، واى مكون من
مكونات المجتمع، ومن بينها منتسبو الجامعات، لايمكن ان يكونوا متطابقين في ما
يعتقدون وفي ما يحملون من افكار ونوازع. ولذا لابد من البحث عن ما يؤمن الوئام في
مابينهم في سياق الاختلاف والتباين. وان تجري معالجة هذا الاختلاف والتباين
بالاحترام المتبادل، والمجادلة بالتي هي احسن، كما يوصي القران الكريم، ويدعو الى
تجنب الغلظة والفظاظة التي تمنع التفاهم. فالاية القرانية تقول للنبي الكريم : "
وجادلهم بالتي هي احسن". "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك".
وفي مجتمعنا الذي يتوق للسلام
والامن والاستقرار، يلعب التسامح دوره في احلال ثقافة السلام محل ثقافة الاحتراب
والخصومات. فعن طريق ثقافة السلام يمكن ان يتعزز التفاهم، وحل الخلافات بالطرق
السلمية، وليس عن طريق العنف.
وهذه الثقافة تتطلب اتخاذ
المواقف الايجابية من الاخرين، والاعتراف بحقهم في التمتع بالحقوق والحريات التي
اقرتها الشرائع الدولية وفي مقدمتها لائحة حقوق الانسان الصادرة عن الامم المتحدة
في العام 1948. وكذلك الحريات والحقوق الاخرى التي تضمنتها المواثيق والعهود
الصادرة عن الامم المتحدة بخصوص حقوق المراة والطفل والحقوق الاجتماعية وحق العيش
بكرامة في ظل نظام عادل.
ان التسامح ينبغي ان يكون رديف
احترام حقوق الانسان، وان ممارسته لاتعني بالمرة، القبول بالظلم الاجتماعي، او
اجبار المواطن على التخلي عن معتقداته، او التهاون بشان الدفاع عنها. ذلك ان
الفرد، كل فرد، حر في التمسك بمعتقداته. وينبغي ان يقر بحقوق الاخرين في التمسك
بمعتقداتهم. وان يمتنع عن فرض ارائه ومعتقداته على الغير. ذلك ان التسامح مسؤولية
تشكل عماد حقوق الانسان والتعددية بما في ذلك التعددية الثقافية، والديمقراطية
والانصياع للقانون.
ولابد من ذكر ان هذه التعريفات
والتوصيفات للتسامح، وضروة ممارسته، وترسيخه، سبق وان اقرت عالميا من قبل منظمة
اليونسكو، التي دعت الى نشرها، وسعت الى تطبيقها من قبل جميع الدول والحكومات
والافراد، لتعزيز السلم والامن الدوليين، والتقريب بين الشعوب والثقافات بين جميع
البلدان ،وداخل كل بلد.
ولا شك في اننا مدعوون
لللاستفادة منها، في عراقنا الجديد. وان جامعاتنا وهيئاتنا التعليمية على جميع
المستويات، من الابتدائية حتى الجامعة، ينبغي ان تبحث عن سبل نشرها وتطبيقها بين
الطلبة والاساتذة والمدرسين والمعلمين. وان يجري العمل على تضمين المناهج
التعليمية منهج التسامح، وضرورة ممارسته على اوسع نطاق، وتخليص مجتمعنا من التعصب
الديني والمذهبي والسياسي. والابتعاد عن كل ما من شأنه انكار حق الاخرين في ان
يكون لهم راي مخالف لراينا.
فعن هذا الطريق يمكن ان نرسخ
مبدا التسامح، ونعتمد الحوار الودي بين مكونات شعبنا، وترسيخ الديمقراطية التي
يرنو اليها ابناء شعبنا وصولا الى تعزيز النظام الديمقراطي الاتحادي التعددي
لعراقنا الموحد المستقل.
------------------------
* بحث قدم في المؤتمر العلمي
السنوي الثالث لكلية العلوم السياسية/الجامعة المستنصرية