اطبع هذه الصفحة

 

القصة والرواية العراقية السريانية

هيثم بهنام بردى

إذا استثنينا الشعر، الذي يكتب فيه الكثيرون فان من يكتب السرد من الأدباء السريان قليل جداً، فمنذ نشوء القصة العراقية إبان عشرينات القرن الماضي وحتى الآن نجد للأدباء السريان الذين كتبوا باللغة العربية مكانة متميزة في مسيرة السرد العراقي، ففي القصة القصيرة نجد العشرات من الأسماء القصصية المميزة في القصة العراقية من السريان الكثير منهم أصدروا كتبا قصصية، والعشرات من الأسماء التي سجلت حضورا واضحا دون أن يصدروا مجاميع قصصية.

وفي الرواية نجد العديد أيضاً من الروائيين العراقيين السريان الذين أصدروا رواياتهم باللغة العربية وكانت بحق من الأسانيد التي دفعت عجلة الرواية العراقية إلى أمام.

هذه الكوكبة من القصاصين والروائيين السريان الفاعلين في رحلة القصة والرواية العراقية، وأسماء أخرى كثيرة، منها الكثير الذي أومض كالشهاب ثم اختفى مثلما ظهر بغتة، ومنها من بقي يقاوم عوادي الزمن ولكن لوهنه وخوره ركع أمام الحقيقة وتنكب النسيان، وأخرى كان مثل فقاعة صابون بعدما اكتمل تكوره لبى نداء الانتهاء فانفجر وحملته نسمات الهواء إلى اللاشيء، المهم في الأمر أن كل هذا السيل من الأسماء لم يقابلها ممن كتب باللغة السريانية إلاّ كتاب لا يربو عددهم على الإصبعين، فالرواد هم ( جان الخص، ليلى تامرز، بنيامين ارسالس، بختيشوع زيعا، يعقوب عبادري، بنيامين يوخنا، وغيرهم) "1"، نشرت قصصهم مجلة كلكامش التي ( صدرت في نيسان 1952 واستمرت لغاية كانون أول 1961 ) "2". وتواصل عدد محدود جداً من القصاصين السريان الذين كتبوا إبداعهم باللغة الأم وهم:

• ميشيل لازر عيسى الذي أصدر مجموعته القصصية (جوهرة أمام الخنازير) عام 1950.

• يونان هوزايا الذي أصدر مجموعته القصصية (خبز السواتر) عام 1997.

• عادل دنو الذي أصدر مجموعته القصصية (سوار الذهب وقصص أخرى) عام 2000.

• كوركيس نباتي الذي أصدر مجموعتين قصصيتين هما:

1. عودة الأمل عام 2005.

2. حكايات من الماضي عام 2007.

• روبين بيت شموئيل الذي أصدر مجموعته القصصية (أحلام تبحث عن رأس) عام 2009.

ولنا أن نتصور حجم المأساة عندما تتوزع الكتب القصصية الست على مساحة زمنية تقارب ستة عقود.... هل هذا معقول؟؟!. وإذا غربلنا مستوى القصص السريانية المكتوبة خلال العقود الستة أي منذ استهلال صدور مجلة كلكامش كما مر ذكره عام 1952 وحتى هذا العام 2009 نجد من خلال بعض التراجم للمتميز منها_ بإستثناء بعض الكتب القصصية الواردة آنفاً-، نجدها لا ترقى إلى مستوى استهلال الجيل الأربعيني في القصة العراقية. وهنا يتآصر في وجداننا تساؤل طرحته علىّ نمرود في معرض إجابتي عن سؤال يخص مستوى القصة السريانية المترجمة إلى اللغة العربية: (هل الخلل يكمن في القصة أم في مترجم القصة؟؟!)، وأحسب أن الوهن يكمن في القصة المكتوبة باللغة الأم السريانية، لأن النص المكتوب بلغة جزلة متينة وبتركيبة لغوية مترابطة وبسرد يتسربل ثياب القص المعاصر الذي يستمد من الحداثة جوهرها، تحتم على المترجم أن يلهث وراءها ويبذل كل ما يمتلك من مفردات وإشارات اللغة المترجمة إليها لكي يقترب من روح النص الأصلي.

"1" و "2": نباتي: بطرس هرمز/ كتاب من بحوث مؤتمر الأدب السرياني الثالث، محطات في مسيرة القصة السريانية، ص 114.

وكادت نظرتي تتعمق إحباطاً فيما يخص الرواية، لافتقادنا إلى رواية واحدة لولا أن أومض في الأفق البعيد شهاب برق ولم ينطفئ، لولا ميشيل لازر عيسى وروايته – وروايتنا السريانية الوحيدة- (بابنا المغلق)، فكانت هذه الأسطر التي دونتها في مفكرتي حال إتمامي قراءتها:

ميشيل لازر عيسى

1920-1967

إذا كانت الرواية المكتوبة باللغة السريانية في نهايات العقد الخامس من القرن الماضي بهذا المستوى الذي يَبزَ فيه الإنتاج الروائي العراقي، بل أنها تقف في الصفوف الأولى من الروايات العراقية القليلة المتميزة، فإن التساؤل له ما يبرره ونحن ننهي رواية ميشيل لازر عيسى، الروائي العراقي السرياني الذي كتب روايته (بابنا المغلق) وأصدرها باللغة السريانية عام 1958، والتي أصابتني بالدهشة لمستواها الفني الجيد. ولمواكبتها آليات وتقانات الكتابة الروائية العراقية، وان تهيأ لها ناقد جيد منصف لوضعها في خانة الروايات العراقية التي سجلت حضورها الرائد في مسيرة الرواية في العراق.

لست – هنا في تقديمي البسيط – في معرض الخوض في مستواها الفني وتفكيكها لإظهار جودتها، ولكن – ومن باب ذائقة قارئ مزمن – أضع هذا السؤال أمام المتلقي: إذا كانت (بابنا المغلق) رواية عراقية سريانية، أصابت ما أصابته من نضج فني، ومكتوبة باللغة السريانية، ومنشورة كإصدار قبل خمسة عقود، فأين هي الرواية السريانية الآن...؟!

وإزاء الخواء الذي أصاب النتاج العراقي السرياني في العقد الستيني وما تلاه وإلى الآن...اعزز سؤالي: هل اللغة السريانية عاجزة عن مواكبة الإبداع الروائي...؟، أم ثمة ازورار من قبل المبدع في الإتيان بإبداع روائي يمشي في ركب (بابنا المغلق)، ويتعاضد مع ميشيل لازر عيسى؟ ... أم ثمة أسباب أخرى نجهلها..؟

تبقى هذه الأسئلة بحاجة إلى إجابة شافية مقنعة وتفصيلية، وهذا شأن يحمل مسؤولية رهط النقاد والمتابعين والمنظرين.

والآن.... هل تتكئ ذقوننا على سبابات أصابعنا وننظر إلى الأفق ننتظر غودو الذي تنكب ذاته وذهب إلى غايته، ونبقى وقد صالب ذائقاتنا الانتظار الطويل، أم نتجه إلى تفعيل الفراغ بالكتلة والحجم والوزن ونستعير هذه المفاهيم الفيزياوية لنستعيد كينونة السريان الفاعلة ابد الدهور.

إنها دعوة مخلصة لكي نرتقي بالسرد السرياني إلى مستوى أدنى من الطموح لنبدأ بعدها بتحقيق المقولة الصينية المعروفة.

لكوني أجيد السريانية نطقا دون الكتابة وأصولها وقواعدها اقتصر بحثي عن الذين كتبوا قصصهم باللغة العربية، وبعد بحث مضنٍ في بطون الدوريات والمجلات والكتب، تجمعت لدى معلومات كانت بعضها عالقة في ذاكرتي وذائقتي منذ البواكير، وكنت إبان الستينات وبدء السبعينات أحس بالزهو والفرح وأنا أقرأ هذه الكوكبة المتألقة من القصاصين السريان، فمن منا لا ينتابه أحساس بالفخر وهو يقرأ للقاص المبدع المتجدد يوسف متي الذي كان نسيجا وحده في أسلوبه الحديث المتقدم على زمانه وعصره عبر قصصه القصيرة القليلة المتناثرة في حنايا الصحف والمجلات والتي لم يصدرها في كتاب، ولأهميته أقدم الناقد سليم السامرائي على جمع قصصه ونشرها في كتاب مستقل في سبعينات القرن الماضي.

هذا في فترة الثلاثينات حيث بزغ ومن ثم انطفأ على عجل نجم يوسف متي، ولكن رجاءنا هو رصيده في ذاكرة مؤرخي القصة العراقية وذاكرة الزمن.

أما فترة نهاية الخمسينات فهناك القاص والروائي والمسرحي المثابر أدمون صبري الذي شق لنفسه بتواصله العجيب وعطاءه الغزير وتواجده الدائم في الساحة القصصية عبر عقدين ونيف، يكتب وينشر المجاميع القصصية والروايات والمسرحيات حتى رحيله منتصف السبعينات، ولعل هذا القاص يشير إلى ظاهرة لفتت نظر الوسط الثقافي، فأنه عبر مسيرته الإبداعية ظل وفيا لمنهج القص الأربعيني في القصة العراقية وتحديدا نهج (ذو النون أيوب) في الواقعية التي تصل حد النقل الصوري مما أثار لغطا حول جدوى كتاباته فتجاهله النقاد بل أن البعض هاجمه بضراوة، ولكن رغم كل شي، بقى أدمون صبري أسما لا يمكن نسيانه أو تجاهله في رحلة القصة العراقية.

وهناك في المشهد الخمسيني القاص يوسف يعقوب حداد الذي واكب القصة العراقية منذ الخمسينات وحتى رحيله في نهاية التسعينات، فهو يعد من الأسماء المعروفة في ساحة القصة العراقية عبر عطائه المتواصل ومجاميعه القصصية التي أثرت القصة العراقية.

أما سركون بولص، القاص والشاعر والفنان الستيني فقد طرح نفسه في الميدان كأحد المؤسسين للتيار الستيني الذي كان علامة مميزة في رحلة القصة العراقية والذي أثار هذا الجيل جدلا لم ينته إلاّ باعتراف النقاد على انه من أكثر التيارات المؤثرة في القصة العراقية والذي لا يزال يرفد بالجديد والمتقدم من فن القص، والحديث عن تجربة سركون بولص قد تحتاج إلى وقفة متأملة متعمقة لعمق تجربته وثراءها عبر قصصه القليلة التي نشرها.

ثم جاءت فترة السبعينات التي أفرزت أسماء اجتهدت أن تجد لها مكانا في المشهد القصصي العراقي مثل د. سعدي المالح، فاضل نوري، بنيامين حداد.

سعدي المالح نشر مجموعته البكر (الظل الآخر لإنسان آخر) عام 1971، وفاضل نوري أصدر مجموعته القصصية الأولى (السعادة السوداء) عام 1974، وبنيامين حداد نشر قصصا لا تربو على أصابع اليدين ولكنه سجل لنفسه شرف المحاولة.

فترة الثمانينات أفرزت أسماء قصصية كهيثم بهنام بردى، وسعيد شامايا و د. سها رسام، فقد نشر الأولان قصصهما في النصف الثاني من عقد السبعينات ولكنهما تواصلا في الثمانينات وبحضور ثقافي عزّز من وجودهما في العقد الثمانيني، أما سها رسام فقد نشرت قصصها في مستهل الثمانينات ثم غابت.

وفي المشهد القصصي التسعيني يبرز: عادل دنو، بطرس هرمز، بولس آدم، نوري بطرس، يوسف يلدا، جوزيف حنا يشوع، مرشد كرمو وآخرون.

هذه هي باختصار مسيرة القصاصين السريان في رحلة القصة القصيرة العراقية من المهاد وحتى كتابة هذه السطور.