اطبع هذه الصفحة

 

خرق فاضح للدستور وتكريس لمبدأ الغنيمة السياسية !!!

ماجد لفته العبيدي

لم تتوقع القوى الديمقراطية الحقيقية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، ان يخرج البرلمان العراقي بقانون منصف وعادل، بعد العراقيل التي واجهت القانون خلال الاسابيع الماضية، وقد عقد النائبان الشيوعيان الاستاذ حميد مجيد موسى، والاستاذ مفيد الجزائري مؤتمرا صحفيا داخل قبة البرلمان العراقي، أشار فيه الى ست نقاط اساسية للتوصل الى قانون منصف وعادل للانتخابات، مع تحذيرهم من مخاطر خلط الاوراق عبر قضية كركوك والتي سعى الجميع لاستخدامها كورقة ضغط لتكريس الامر الواقع، وجاء القانون الجديد ليؤكد صحة تلك التحذيرات التي اشار اليها الشيوعيون والديمقراطيون المعارضون لسياسة المحاصصة الطائفية والقومية العقيمة.

عراك على الغنيمة

فقد أقر البرلمان العراقي القانون الجديد لتنظيم الانتخابات البرلمانية القادمة في 16 كانون الثاني 2010، في جلسته يوم الاحد الثامن من تشرين الثاني 2009، بعد تجاذبات ومناوشات وصراعات بين الكتل الكبيرة على تقسيم الغنيمة السياسية وإقصاء الاقلية بمختلف اتجاهاتها عن التمثيل البرلماني لضمان أغلبية مريحة للفوز في الانتخابات. والذي يطلع على نص القانون الجديد الذي جاء بعد تعديل قانون رقم 16 لسنة 2005، يرى فيه خرقا فاضحا لروح ونص الدستور العراقي الذي تم اقراره في الاستفتاء العام 15تشرين الأول 2005 .

فهذا القانون الجديد يتناقض مع روح الدستور الذي يؤكد على المواطنة الاتحادية، من خلال تكريسه المحاصصة الطائفية والقومية، وتكريس روح الاستحواذ القسري على اصوات الناخبين، والذي شرعته المادة الاولى فيما يتعلق في المقاعد التعويضة بتقليصها من 45 الى 15 مقعداً، والمادة الثالثة المتعلقة بتوزيع المقاعد الشاغرة على القوائم الفائزة، بدلا من توزيعها على اكبر الاصوات للقوائم الخاسرة الذي تم العمل فيه القانون السابق 2005 رقم 16.

ويتناقض القانون الجديد أيضا مع نصوص الدستور في المادة الثانية في الفقرة (ب) والتي تنص على (لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية) وكذلك مع الفقرة (ج) من نص المادة المذكورة والتي تنص على عدم جواز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور، وقد اوغل القانون في تعارضه مع روح الدستور العراقي حيث نرى ذلك التعارض مع المادة السادسة التي تنص(يتم تداول السلطة سلميا عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور)، فالقانون الجديد يقطع الطريق على هذا التداول ويشرعن المحاصصة الطائفية والجهوية السياسية وهو في هذا المنحى يخنق اي صوت معارض للاغلبية التي تعتمد المحاصصة في توزيع المغانم السياسية .

خروج على الدستور

ونكتشف ايضا من خلال قراءتنا المتأنية للدستور العراقي مدى تناقض القانون الجديد معه في الباب الثاني منه المعنون (الحقوق والحريات الاساسية، اولا المتعلق في الحقوق السياسية والمدنية من المادة :(14) والتي تنص على أن (العراقيون متساوون امام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي)، ونراه ايضا يتناقض مع المادة (20) والتي تنص على (للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.) وكذلك في المادة (35) الفقرة ثانياً والتي جاء فيها (تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني)، لان القانون الجديد يكره المواطن على منح صوته للقوى التي يختلف معها سياسيا وفكريا ودينيا وهو لم يصوت لها اصلا، ووفق رؤى المشرعين لهذ القانون، سوف يمنحهم الاغلبية المريحة للفوز في الغنيمة، بحيث يجري الاستيلاء على جميع اصوات الناخبين بالرغم من أرادتهم عبر توزيع اصوات الكتل التي لم تصل الى مئة الف صوت، حتى ان حصلت على تسعة وتسعين الف صوت على القوائم الفائزة، فأي اجحاف في حق الاقليات السياسية والقومية والدينية المشاركة في الانتخابات!!!!

ويتعارض القانون ايضا مع روح المادة 39 من الدستور العراقي والتي تنص على (العراقيون احرارٌ في الالتزام باحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون.)

وقانون الانتخابات البرلمانية الجديد يعد خرقا واضحا لا يقبل الجدل لمواد الدستور (40،44،47)

وخصوصا المادة (44) والتي تنص على (لا يكون تقييد ممارسة أيٍ من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور او تحديدها الا بقانون أو بناءً عليه، على ان لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية).

اليوم بعد اقرار البرلمان للقانون الجديد تعول بعض القوى الديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي حسب ما ورد في بيان مكتبه السياسي، على تعديله من خلال رفض الرئاسة العراقية لبعض بنوده المجحفة، ورده الى البرلمان العراقي لمناقشته من جديد، أن هذا التعويل صعب المنال، لان الرئاسة ليست جهة مستقلة، وهي تعبير مكثف للمحاصصة الطائفية والقومية السياسية، التي تجد تعبيرها الاوسع داخل قبة البرلمان.

ولابد ان نقول أن هذا التعويل ليس في محله، لان القوى المتنفذة في المحاصصة السياسية الطائفية تعي دور القانون الذي يمثل أنشوطة رقبة لخنق الديمقراطية وتكبيل قواها الحقيقية، التي تعاني أصلا من التشرذم بفعل تركة الدكتاتورية واثار الاحتلال. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الحزب الشيوعي العراقي والقوى القريبة منه لتشكيل جبهة ديمقراطية لخوض الانتخابات، لكن هذه الجهود لم تصل للغاية المرجوة منها ولم تجن ثمارها، فقد أختتم مؤتمر القوى الديمقراطية المنعقد في بغداد 16 أكتوبر 2009، من دون التوصل الى نتائج تذكر، بل زاد من تشرم القوى الديمقراطية في أجواء المزادات الانتخابية!!

(...)

من هنا في ظل هذه الاجواء التي خلقها القانون الانتخابي الجديد، يواجه الحزب الشيوعي العراقي والقوى والشخصيات الديمقراطية القريبة منه والحليفة له؛ خيار الدعوة لعقد مؤتمر لكل القوى الرافضة لقانون الانتخابات والمتضررة منه والتي تقدر باكثر من مليونين ناخب وفق إحصائيات المفوضية العليا للانتخابات على ضوء انتخابات مجالس المحافظات، والاتفاق معها للتصويت للاحزاب الرافضة والمتضررة من القانون والتي نالت نسبة اصوات كبيرة في المدن العراقية المختلفة للحصول في الدائرة الانتخابية الواحدة على نسبة 100 ألف صوت، وترك الخيار لهذه القوى في تشكيل كتلة بعد الانتخابات او بقائها منفردة في التمثيل البرلماني. (...).