اطبع هذه الصفحة

 

قانون الانتخابات انعكاس مكثف لتوازنات اللحظة الراهنة و صراعاتها

حسان عاكف

وصف كثيرون قانون الانتخابات التشريعية القادمة، الذي اقره مجلس النواب في الاسبوع الماضي، بانه مجحف وظالم وغير عادل ومجسد  لحق "البقاء للاقوى"، وغيرها من الاوصاف السلبية الاخرى التي يستحقها القانون ويستحق عشرة أمثالها.

 وقال عنه فريق ثانٍ من المستاءين، وهم على حق، بانه جاء خارج منطق الدستور وسياقه في مساواة المواطنين حين ميًز بين عراقيي الداخل والخارج، وحين ضيق على الديمقراطية من خلال ضيق الصدر الذي ابداه المتنفذون بالتنوع والتعددية الممثلة لجميع الوان الطيف السياسي، حيث شرعوا  للاستحواذ العلني على أصوات ملايين الناخبين  من خلال التاكيد على اشغال المقاعد الشاغرة من قبل القوائم الفائزة و ليس القوائم التي حصلت على اعلى الاصوات.

فريق ثالث من المنتقدين تحدث عن مطبخ الكتل السياسية المتنفذة الذي "دبر الطبخة بليل"، بعد ان مارست  تلك الكتل التشويش على وعي المواطنين مستغلة سنوات التجهيل والافقار السياسي والفكري للدكتاتورية، وافتعلت مسألة كركوك و"ملأت الدنيا وشغلت الناس" على مدى اسابيع عدة  بالحديث عن "عقدة كركوك وازمة كركوك و قرب انفجار  قنبلتها الموقتة..". ثم فجأة  و"بقدرة قادر" اختفى كل شيء وهدأ غبار الصراع وغاب الحديث عن التعريب والتكريد والتتريك، حين جرى الاتفاق على اقتسام الحصص والمقاعد النيابية، و بدا وكأن الامر كان متعلقا بمقعدين اثنين لا غير!.

 فريق ثالث ورابع و خامس من المحتجين على القانون اشار الى دور كل من "الشيفين" الامريكي والبريطاني في اختيار توابل هذه الطبخة واخراجها بنكهتها "الماصخة" التي ظهرت بها النسخة الاخيرة للقانون.

المستاؤون من القانون الجديد و اصحابه، وبعد ان عاشوا الاستعصاءات والاخفاقات التي رافقت اقراره، عبروا عن خيبة املهم بالقوى السياسية المتنفذة، إذ انهم بعد ان ظلوا يراقبون مبنى البرلمان مساء كل يوم بانتظار الدخان الابيض، فاجأهم اصحاب المصالح الانانية والحزبية الضيقة، كما في كل مرة، بدخانهم الاسود.

وبعيدا عن صخب الشعارات والحديث عن مصالح المواطنين وحقوق المكونات، الذي رافق عملية اقرار قانون الانتخابات ينبغي الا يغيب عن الذهن ان المعركة السياسية حول القانون، التي اجبرنا على العيش في اتونها طيلة الاشهر القليلة الماضية، كانت نزالا سياسيا من الطراز الاول لتحديد من يفوز ومن يقود ومن يربح المواقع الافضل ويستاثر بها، ومن الخاسرون الذين ينبغي ان يخرجوا من حلبة الصراع؟.

علينا ان ندرك، نحن الذين عبرنا عن خيبة املنا بالقانون، ان هذه المعركة تجري اليوم في واحدة من اهم لحظات الصراع التي يمر بها مجتمعنا؛ وهو صراع من اجل السلطة والنفوذ والهيمنة والقيادة، وصراع من اجل تحديد الملامح السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعراق الجديد ومستقبله وشكل دولته القادمة.

 وفي هذا الصراع تلتقي مصالح وتتقاطع ارادات داخلية واقليمية ودولية عديدة. ولا يتردد الجميع في خضم ذلك عن استخدام كل ما بحوزتهم من ادوات واسلحة سياسية وفكرية واعلامية ومالية وتشريعية وغيرها من ادوات الضغط والتاثير والتشويش.

ولن نغالي عندما نقول ان الجدل الذي دار حول قانون الانتخابات شكل صفحة واضحة من سجل هذا الصراع المتواصل والمركب. كما اننا لسنا مبالغين حين نؤكد ان قانون الانتخابات ومواده جاء بمثابة "مستخلص"سياسي فكري قانوني لصراعات اللحظة الراهنة وموازين القوى فيها.