اطبع هذه الصفحة


 

 

الزعيم عبد الكريم.. في شهربان

خالد حسين

رجل طويل القامة نحيل الجسم، بشوارب قصيرة.. بزة عسكرية متجانسة مع طوله الفارع. يقف هذا العسكري المغوار عصر كل يوم أمام النادي العسكري في شهربان، الذي يتوسط الساحة في نهاية السوق من الجهة الغربية.. والى جواره شجرة التكي يتفيأ بظلالها أيام الجمع والعطل الرسمية صباحاً على بعد منه العريف محسن تابعة.

نحن كنا طلاباً في المرحلة المتوسطة ننظر إليه من بعيد وخاصة أيام المناسبات، ومنها يوم 6 كانون الثاني عيد تأسيس الجيش العراقي، حيث توزع الحلاوة الطحينية الطيبة المذاق التي يشتهر بها الجيش العراقي يداعبنا بكلمات حلوة ويعطينا البقلاوة والزلابية التي كان يجلبها حانوت النادي من بغداد في شهر رمضان.

في احد الأعياد بعد ان جاء إلى محلتنا ليقدم التهاني إلى قائممقام شهربان، الذي كان يسكن قريباً من دارنا، مسكت يده وتصافحنا اذكر ذلك من هذا الإنسان الرائع الحنون الذي كان يحب الناس كثيراً دائماً نقف قبالة النادي بجانب الحديقة التي تزهو بأورادها الجميلة وأشجارها المتناسقة وكذلك حديقة النادي العسكري التي هي من ذوق هذا الرجل تحتفل بمختلف أنواع الورود وأشجار الزينة والبرتقال تنظر اليها من خلال سياج النادي المشبك بالخشب المصبوغ باللون الأخضر.

كنا نسمع عنه حكايات كثيرة عن صرامته العسكرية وجديته في العمل في معسكر المنصورية وعن تعامله العسكري العادل بشكل متساوٍ مع الجميع وكان المعسكر يزهو بحدائقه الجميلة ونظافته فكثيراً ما يتناقل الناس في المقدادية أحاديث عن هذا الرجل الشجاع. العسكري الصامت ويتناقلون حكايات سمعوها الواحد عن الآخر بقولهم عندما زار نوري السعيد معسكر المنصورية ونزوله من الطائرة (الهليكوبتر) التي أقلته من بغداد صافحه عبد الكريم قاسم واحتضنه ليدفعه عن الأرض ويعبر به جدولاً صغيراً. ما كان يدري ان حامله سيطيح به يوماً ويقود ثورة مباركة ضده وكان هذا ويوم الاثنين 14 تموز 1958.

ومن اخلاق هذا الرجل ذهبت يوماً لزيارة محكمة بداءة المقدادية قاضيها آنذاك علي المتولي وعندما هم بالدخول رأى الشاهد يضع يده على كتاب الله الكريم، ما حدى بالزعيم الوقوف على باب غرفة القاضي لم يدخلها حتى آذن له بذلك. هكذا كان رجلاً ناشطاً محباً لشعبه لم يفرط بأمواله مات شهيداً معززاً يشهد الأعداء قبل الأصدقاء ... ثم تأسفوا لما اقترفوه من جرم بحقه وبشعبه يبقى التاريخ يسطر حياة عبد الكريم قاسم بأحرف من نور ويبقى خالداً مدى الدهر.