اطبع هذه الصفحة


 

 

"الشرعية الثورية"و"الشرعية التاريخية"

· د. عــدنـان عـاكـف

نشرت"طريق الشعب"في عددها 223 بتاريخ 15 تموز 2008 مقالا للأستاذ أ. د. سليم الوردي تحت عنوان"14 تموز 1958 سواء سمي انقلابا أم ثورة". و جاء المقال تعقيبا على مقال، نشرته الجريدة في عددها 216 (3 تموز 2008) للأستاذ جاسم الحلوائي، كان بعنوان"هل ما حدث في 14 تموز 1958 كان ثورة أم انقلابا عسكريا؟"

لا بد في البداية من الإشارة الى ان مقال الوردي، وان جاء في تناغم مع الكثير من المقالات التي كرست للذكرى الخمسينية لثورة تموز، والتي تمحورت حول السؤال: أهي ثورة أم انقلاب؟ إلا انه كان في نفس الوقت متميزا وخارجاً عن المألوف، وكان من المقالات القليلة التي خلت من الاتهامات المألوفة. حاول الوردي ان يقود القارئ خارج الطوق الفكري – ثورة أم انقلاب - الذي ساهمنا جميعا في إقامته منذ سنين. ولو عدنا الى مقالات أنصار الثورة سنجد انها في الغالب تنطلق من موقف الدفاع، ضد التهم العديدة والمتنوعة التي دأب أنصار الانقلاب توجيهها للثورة. ومع ان حرية الرأي والتنوع الفكري تمنح الحق لأنصارها ان يدافعوا عنها، إلا ان ذلك لا يمكن ان يكون مبرر لنا لنبقى ندور في ما يشبه الحلقة المفرغة. ولا بد من الاعتراف بان أنصار الانقلاب قد نجحوا والى درجة كبيرة في سعيهم لإبقاء الاهتمام محصوراً في ذلك السؤال القديم، وقد غاب عنا ان ما يعنينا بالدرجة الأولى من تلك الأحداث التي مضى عليها نصف قرن، هي العبر والدروس التي يمكن ان تقدمها لنا للتفكير بما ينبغي ان تكون عليه الثورة الحالية التي بدأت منذ أكثر من خمس سنوات، وكيف يمكن لثورتنا هذه ان تنقل العراق الى آفاق أرحب مما كانت عليه قبل خمسة عقود!! ما من شك ان قضايا مثل"ثورة أم انقلاب"و"شرعية ما حدث في تموز أو عدم شرعيته"ومسؤولية الثورة عن الانقلابات اللاحقة أو عدم مسؤوليتها، هي من المواضيع الحيوية والمهمة، ليس بالنسبة للماضي فحسب، بل وبالنسبة لحاضرنا ومستقبلنا أيضا. لكن ما هو حاصل الآن ممل ومكرور، وذلك بسبب عدم التواصل وانعدام لغة الحوار بين المتحاورين. وبكلمة أخرى نحن أمام حالة كلاسيكية لحوار الطرشان، حيث يتمترس كل فريق في خندقه ولا يرغب بسماع ما يقوله الجانب الآخر. ولا أستثني نفسي من هذه الحالة"...

"الشرعية الثورية"

يرى الوردي ان الحلوائي لم يكن بحاجة لبذل ذلك الجهد الكبير ليمنح ما حدث في 14 تموز الشرعية الثورية لأن"العهد الملكي كان أول من منح الشرعية لثورة 14تموز. وذلك بعد ان أغلق في 1954 ابواب الشرعية الدستورية أمام قوى المعارضة الشعبية...وبهذا سوغ لقوى المعارضة التوسل بأسلوب الشرعية الثورية وإن كان عن طريق الانقلاب العسكري".

قد يكون الوردي مقتنعاً بعدالة ثورة تموز وليس بحاجة لمن يقنعه اليوم بشرعيتها، لكني لا أستطيع ان أتفق معه بشأن عدم الحاجة الى الجهد الذي بذله الأستاذ الحلوائي (وهو جهد يشكر علية بالتأكيد) من أجل أن يثبت الطبيعة الثورية للحدث العسكري الذي وقع في تموز. قد يكون الحلوائي (ومعه الكثير منا) بحاجة الى توظيف تلك البيانات بطريقة أفضل لتنقلنا الى آفاق أخرى ومستويات أعمق للسجال الفكري، ولكن لو حاول الأستاذ الوردي ان يعود الى ما نـُـشرَ بمناسبة الذكرى الخمسين سيجد ان غالبية المقالات كانت مكرسة للإجابة على السؤال: هل ما حدث آنذاك كان ثورة أم انقلاب؟ وهذا يعني ان الحاجة ما زالت قائمة الى تلك البيانات والمعطيات.

اذا كان العهد الملكي هو أول من منح الشرعية لثورة تموز، فهذا يعني ان ذلك العهد قد فقد شرعيته الدستورية أيضا. لهذا أرى ان الإصرار على وصف العهد الملكي بالدستوري، مع منح 14 تموز الشرعية الثورية هو تناقض واضح، و موقف منحاز وغير موضوعي، بغض النظر عن النتائج التي نجمت عن ثورة تموز والمآل الذي آلت اليه. ولو عدنا الى مقال سابق للأستاذ الوردي سنرى ان العهد الملكي فقد شرعيته الدستورية قبل عام 1954. كان الوردي قد نشر مقالا على موقع الإسلام والديمقراطية، العدد 15، بتاريخ 15/5/2006 بعنوان"العراق (ديمقراطيون... بلا ديمقراطية) تناول فيه إشكالية الديمقراطية في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية. وجاء هذا المقال تعقيبا على مقال للكاتب د. فاضل الجلبي نشر في جريدة الرائد العدد 143، بتاريخ 13/8/2005، بعنوان"العراق...ديمقراطية بلا ديمقراطيين". كان الجلبي قد ذهب في مقاله الى ان مشكلة الديمقراطية في العراق تعود الى غياب الشخصيات الديمقراطية الحقيقية عن الساحة السياسية، منذ نشوء الدولة العراقية. في حين ان الوردي يرى (وقد كان على صواب) ان المشكلة ليس في الأشخاص بل في البيئة العراقية التي لم تكن ملائمة لنشوء وتطور الفكر الديمقراطي. وبغض النظر عن الاختلاف في الموقفين (وهو اختلاف مهم وجوهري) غير انهما متفقان على عدم التزام الحكومات المتعاقبة بمواد الدستور. ومما جاء في مقالة الوردي:". تطرّق (الجلبي) إلى رؤية نوري السعيد إلى الحياة الدستورية والنيابية في العراق بوصفها لعبة بيد الحكومة والبلاط، ما يجعل صعود المعارضة إلى المجلس النيابي أمراً مستحيلاً. وكان من شروطه لتشكيل الوزارة خلو المجلس النيابي من معارضة حقيقية". وكان الجلبي قد استشهد بمواقف وتصريحات لنوري السعيد ليبرهن عن بعد هذا الرجل الذي انطبع العهد الملكي بشخصيته، عن الدستور والممارسة الديمقراطية..

العهد الملكي اغلق ابواب الشرعية الدستورية

لنعود الى إجراءات نوري السعيد في عام 1954 , مع ان العهد الملكي بتلك الإجراءات قد"أغلق أبواب الشرعية الدستورية أمام قوى المعارضة الشعبية"، إلا ان المعارضة لم تفقد أملها بالنضال السلمي ووفق ما يسمح به الدستور من أجل تحقيق مطالبها أو حتى جزءً من تلك المطالب. لكن النظام كان مصرا على قطع آخر الخيوط التي ما زالت تربطه ليس فقط بالأحزاب المعارضة، بل و بما تبقى من حلفائه التقليدين، من قبيل حزب صالح جبر وحزب الأمة، والكثير من الشخصيات السياسية التقليدية التي شغلت مناصب عليا في الدولة. في 1954 أقدم نوري السعيد على إلغاء مجلس النواب بعد أول جلسة له، وأجرى انتخابات بديلة في نفس العام. نترك المؤرخ عبد الرزاق الحسني يصف لنا تلك الانتخابات:"انتهت الانتخابات الجديدة بمأساة لم يشهد لها تاريخ البرلمان العراقي نظيرا لها. لعل أغربها ان الشرطة كانت تعتقل كل مرشح غير مرغوب فيه من قبل الحكومة وعلى هذا فقد فاز بالتزكية 121 نائبا من أصل 135. أما الباقون وعددهم 14 فقد فازوا بالانتخاب الصوري"!! كل هذا لم يكن قادراً على ان"يسوغ لقوى المعارضة التوسل بأسلوب الشرعية الثورية وإن كان عن طريق الانقلاب العسكري"، كما يقول الوردي. لم تفقد المعارضة الأمل بأسلوب النضال السلمي. بعد العدوان الثلاثي على مصر وتمادي النظام الحاكم في معاداته للقضايا القومية والوطنية وبعد القمع الذي جوبهت به انتفاضة عام 1956 أخذت الكفة تميل تدريجيا لصالح فكرة البحث عن أساليب أخرى للنضال الى جانب الأسلوب السلمي. وحتى بعد صدور البيان الأول لجبهة الاتحاد الوطني التي ضمت أهم الأحزاب السياسية المعارضة في البلاد (باستثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان في تحالف ثنائي مع الحزب الشيوعي) كان الهدف الأول هو إسقاط حكومة نوري السعيد وإقامة حكومة وطنية. وهكذا فان المعارضة الوطنية لم تلجأ الى الجيش لحسم الصراع مع النظام الحاكم، كخيارها المفضل، بل أقدمت على ذلك لكونه كان الخيار الوحيد.

الشرعية التاريخية

يخصص الكاتب الجزء الأخير من مقاله للحديث عن الشرعية التاريخية، ويرى انها، وبحكم ديناميكيتها لا تصدر أحكاما قطعية بل أحكاماً متجددة باستمرار وتبقى مفتوحة على المستجد من البيانات. يرى الوردي ان الشرعية الثورية التي استندت اليها ثورة تموز"سرعان ما انقلبت وبالاً عليها، حين وظفتها الزمر الانقلابية للانقضاض عليها. ان جميع الانجازات والمكاسب التي تحسب لثورة 14 تموز لتبدو باهتة بالقياس الى التداعيات المأساوية والدموية لتطبيق موضوعة"الشرعية الثورية"على أيدي الزمر الانقلابية المغامرة".

لنفترض جدلا ان الكاتب محق فيما ذهب اليه، وان انجازات الثورة لا تضاهي النتائج المأساوية والدموية التي تمخضت عنها. فماذا كان على قوى المعارضة الشعبية ان تفعله بعد ان أغلق العهد الملكي الأبواب أمامها. أن تستسلم للأمر الواقع وتنتظر مكتوفة الأيدي لعل نوري السعيد يعود الى رشده ويستيقظ ضميره؟ ان الاعتراف بان العهد الملكي قد أقفل أبواب الشرعية الدستورية أمام قوى المعارضة يعني ان ذلك العهد قد ألغى وجود أي احتمال لإمكانية النضال السلمي، وهو لم يلغ من برنامجه إمكانية التداول السلمي للسلطة، لأن ذلك المبدأ لم يكن وارداً على الإطلاق في حساباته، بل ألغى حتى النضال السلمي من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية والاجتماعية، ولو بحدودها الدنيا. أليس لجوء النظام الى زج القوات المسلحة في حلبة المصارعة السياسية مع قوى المعارضة هو استخدام للعنف؟ لماذا يحق للفئة الحاكمة ان تلجأ للجيش ويحرم على قوى المعارضة القيام بذلك؟ وعلينا ان نتذكر أيضا ان ثورة تموز اكتسبت شرعيتها ليس فقط لأن العهد الملكي أغلق أبواب الشرعية الدستورية بوجه المعارضة، كما تمت الإشارة اليه من قبل، بل لأن الانقلاب العسكري كان يعبر عن طموحات الغالبية العظمى من الشعب ومنتسبي الجيش. وقد بين نزول الجماهير الى الشارع والسهولة التي تمت بها السيطرة على الوضع ان ما اقدم عليه الجيش كان تلبية لإرادة الشعب.

أما تحميل الشرعية الثورية لتموز تبعية ما آلت اليه نتائج الثورة بسبب لجوء الزمر الانقلابية لاحقا الى استخدام نفس"الشرعية الثورية"فهو ما لا يمكن الاتفاق معه. يمكن الاتفاق مع الوردي في حالة واحدة فقط، وهو ان تلك الزمر الانقلابية جاءت لمواصلة مسيرة تموز وتحقيق الأهداف التي قامت من أجلا. ولكن الجميع يعرف ان هدف تلك الزمر كان ضرب الثورة وحرفها عن مسارها والإجهاز على المنجزات التي حققتها. ومن أجل تحقيق ذلك الهدف اتحدت تلك الزمر مع القوى الرجعية والمحافظة وجميع الفئات التي تضررت مصالحها وبالتعاون والتنسيق مع الكثير من دول الجوار والدول الاستعمارية. وبهذا الشأن يرى د. خدوري خدوري"ان الانعطافات والتغييرات الحادة في طبيعة الصراع داخل المجتمع العراقي، منذ ثورة 14 تموز حتى الآن، ترتبط أساسا بالاتجاه الموضوعي بعد تموز نحو بلورة طبقة جديدة من كبار الضباط الجيش والبرجوازية الصاعدة، مناهضة لطبقات النظام القديم من جهة، ومتناقضة مع القوى والطبقات الاجتماعية الديمقراطية من جهة أخرى".

هل تتحمل الثورات مسؤولية انتكاساتها

لو اعتمدنا هذا المقياس في تقييم الثورات لكانت النتيجة حتما لصالح القوى المحافظة والرجعية منذ بدأ الصراع بين المُستغِلين والمُستغـَلين، بدأ من ثورة سبارتاكوس، مرورا بثورة الحسين وثورة الزنج، والقرامطة، مرورا بثورة العشرين ووثبة كانون 1948 وانتفاضة تشرين 1952. ولا أظن ان فيما أقوله مبالغة. وجدير بالذكر ان مثل هذه المعايير المعتمدة لتقييم أهمية الحركات النضالية التي عرفتها شعوب كثيرة في العصر الحديث قد انتشرت كثيرا في بلدان عديدة، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وعرفتها الكثير من الدول العربية بعد التراجع الكبير الذي شهدته حركة التحرر العربية في منذ نكبة حزيران 1967. خلال إقامتي في الجزائر، أخذ عدد من المثقفين الجزائريين بطرح السؤال التالي: هل ان ما حققته الثورة الجزائرية يستحق تلك التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الجزائري والتي تمثلت بأكثر من مليون شهيد، إضافة الى الدمار الكبير الذي تركه الاستعمار الفرنسي بعد رحيله؟ كانت تلك الأصوات خجولة في بادئ الأمر، ولكن بعد الشروع بسياسة الانفتاح والتي كانت إشارة للبدء بسرقة المال العام وقيام البرجوازية الطفيلية بسرقة المؤسسات والمشاريع الحكومية بدأ أنصار هذا التيار بالتكاثر. ومع بدء البريسترويكا أخذت أصوات الديمقراطيين والليبراليين ترتفع مطالبة بمحاكمة الحزب الشيوعي السوفيتي بسبب سياسته الخاطئة تجاه هتلر. إذ كان هؤلاء يرون بان مقاومة الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي هي التي تسببت بوفاة أكثر من 20 مليون مواطن سوفيتي سقطوا خلال الحرب، إضافة الى ان البلاد تحملت القسط الأكبر من الخراب والدمار. وترددت أصوات مشابهة تطالب بتقديم المناضلين في المقاومة السرية للقوات الألمانية في بعض بلدان أوربا الشرقية للمحاكمة بتهمة تعريض مصالح شعوب تلك البلدان للخطر.

من شرعن الانقلابات العسكرية؟

"لقد شرعنت ثورة 14 تموز – شئنا أم أبينا – الانقلابات العسكرية، وتغلغلت الرؤية الانقلابية شيئاً فشيئاً في ثقافة المجتمع العراقي ومعظم قواه السياسية. ويعدّ هذا، بحد ذاته، نكوصاً في الوعي السياسي للعراقيين عن ثقافة المجتمع المدني، ودور الجماهير في إحداث التغيير. وبات من شبه المستحيل أن تتفجر وثبة جماهيرية كوثبة كانون 1948، أو انتفاضة تشرين 1952، فقد منحت الجماهير ثقتها المطلقة للنخبة العسكرية، مما غذّى لدى الأخيرة نزعة الاستبداد والتفرد بالسلطة...".

لا أظن ان الأستاذ سليم الوردي بحاجة الى من يذكره بان العهد الملكي الذي منح ثورة تموز شرعيتها الثورية بسبب سياساته الرعناء ونهجه طوال أكثر من ثلاثة عقود هو نفسه الذي شرعن الانقلابات العسكرية، وجعل منها أسلوبا"نضاليا"اعتياديا وسهلا لإسقاط الحكومات واستبدالها أو للضغط من أجل فرض شخصيات معينة في مواقع معينة.. يكفي الإشارة إلى أنه منذ عام (انقلاب بكر صدقي)1936 وحتى عام 1941 (انقلاب العقداء الأربعة) نظم الجيش أو كان وراء سبعة تغيرات حكومية أو انقلابات عسكرية. لم يقتصر تدخل العسكريين في الحياة السياسية على الاستخدام المباشر للجيش كأداة عنف في الصراع السياسي بين المجموعات المتصارعة على السلطة، والتي كانت جميعها تنتمي الى النظام الحاكم، أو على استخدام الجيش لحسم الصراع بين النظام والمعارضة، وذلك من خلال استخدامه كقوة ضاربة لقمع المظاهرات والإضرابات، ولتنفيذ الأحكام العرفية، بل أصبح هؤلاء (العسكريون) طرفا فعالا في العملية السياسية. فقد كانت لهم أحزابهم وتحالفاتهم وبرامجهم السياسية والاقتصادية، وكانوا يتداولون المواقع بين السلطة والمعارضة (الشكلية)، حتى دون الحاجة للجوء الى فتح أبواب الثكنات العسكرية.

أما الجزم بان ثورة تموز تتحمل مسؤولية تغلغل الرؤية الانقلابية في ثقافة المجتمع العراقي ومعظم قواه السياسية فهو تجنٍ على تلك الثورة لا نجد ما يبرره على الاطلاق. فلو عدنا الى مقالي د. فاضل الجلبي و الأستاذ الوردي، اللتين أشرنا اليهما في بداية مقالنا سنرى ان (أبو) الديمقراطيين العراقيين ورائد الديمقراطية في العراق، المرحوم كامل الجادرجي، قد شرعن استخدام العنف، ومنح المعارضة السياسية الحق في اللجوء الى مساعدة الجيش في صراعها مع النظام الحاكم في حالة اصرار ذلك النظام على إغلاق جميع الطرق أمام عملية التغيير السياسي والاجتماعي. توقف الوردي مطولا عند رأي د. الجلبي في سلوك الجادرجي السياسي منذ الثلاثينات، وخاصة موقفه من انقلاب بكر صدقي. وانتقد بشدة ضلوعه بالانقلاب، وقال:"وبهذا يكون الجادرجي قد شارك في التأسيس لعقيدة انقلابية عملت على تعطيل الحياة الدستورية"... ومن الواضح ان الوردي كان متناغما مع الجلبي في إدانته لموقف الجادرجي من انقلاب 1936، وذهب أبعد من ذلك في إدانته لتأييد الجادرجي لانقلاب 1958. يقول الوردي:"حين نقرأ مذكرات الجادرجي يتضح لنا ندمه على المشاركة في إنقلاب بكر صدقي. لكن ضلوعه في إنقلاب تموز 1958 يؤكد تعذّر تحرره من الرؤية الانقلابية. ولم يكن تكرار ضلوعه في إنقلاب عسكري مجرد شطحة ثانية، بل رؤية سياسية تطرّق لها في مذكراته (السرية للغاية) عن (الاشتراكية الديمقراطية) التي قدمها إلى المركز العام للحزب الوطني الديمقراطي في 15 آب 1947، حيث يقول: (إذا سدّت بوجه الشعب جميع السبل الديمقراطية فلا بد آنذاك من اللجوء إلى استعمال القوة. لكني أرى أن مفعول القوة يجب أن يقف عند حده حينما تتحقق الديمقراطية، أي حينما يســـــترد الشـــعب حقوقـه الدستورية). وأتعجّب كيف توهّم الجادرجي ثانية بعد تجربته القاسية مع إنقلاب بكر صدقي سنة 1936، إن العسكر يمكن أن يحملوا الديمقراطية و الحياة الدستورية للبلد! نعم يجوز لنا أن نحكم"...

تبقى هناك ملاحظة أخيرة تتعلق بموقف الجماهير من الانقلابات العسكرية. لا نعتقد ان من الصواب تعميم ظاهرة الانقلابات العسكرية واعتبارها سمة أساسية ميزت العقلية السياسية في العراق ما بعد ثورة تموز 1958، كما يوحي بذلك الوردي. لو عدنا الى تلك الانقلابات سنجد انها كانت من تدبير نفس الطاقم العسكري والسياسي، بدأ من حركة الشواف في الموصل ومحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، مرورا بانقلاب 1963 الدموي والانقلابات التي تلته. على الرغم من سياسة البطش التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بعد انقلاب شباط، إلا ان غالبية تلك القوى لم تنجر الى تبني سياسات متطرفة، بل حاولت بكل الوسائل ان تعيد عربة القطار السياسي في البلاد الى سكة الصراع السلمي. وقد أقدمت بعض القوى السياسية المعروفة على مغامرات سياسية، كادت ان تطيح بمستقبلها، من أجل التوصل الى تفاهم مع نظام البعث بعد انقلاب 1968، كما حصل مع القوى الكردية وتوقيع بيان 11 آذار، وتوقيع الجبهة مع الحزب الشيوعي العراقي