انسان
ومناضل شيوعي وقائد عسكري
خطط ونفذ ودافع عن ثورة 14 تموز ومنجزاتها
وختم حياته بالشهادة دفاعاً عنها
الشهيد حسون أسود بانيه الزهيري
مر ت هذه الايام الذكرى الخمسون لثورة 14 تموز
المجيدة 1958 والتي ما زالت ذكراها خالدة وما زالت منجزاتها وما حققته على
الاصعدة كافة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ماثلة في ضمائر وحياة
وقلوب الناس الى يومنا هذا لقد كانت وما تزال وستبقى هذه الثورة مأثرة عظمى
وحدثاً تاريخياً هاماً في حياة الشعب العراقي يطبع الوضع السياسي العراقي بكل
تجلياته وتفاصيله بل وأكاد أجزم ان هذه الثورة الوطنية التحررية وما حققته لابناء
شعبنا العراقي سيستمر الى امد ليس بالقريب ومع تقدم العملية السياسية وتطورها
الناجز نحو الديمقراطية وبناء الدولة المدنية وتحقيق الاستقلال الناجز سوف تنير
هذه الظروف جوانب اخرى غيبت او غابت بفعل عوامل عديدة كان الهدف منها التقليل من
شأن هذا الحدث وحصره في زاوية ضيقة لا تتعدى ان يكون فعلاً انقلابياً.
لست بصدد كتابة بحث عن الثورة ومنجزاتها ولست بصدد
الكتابة عن الظروف الموضوعية والذاتية التي مهدت الطريق لاندلاع الثورة واسباب
نجاحها وانتكاستها وانما اردت فقط ان استذكر احد رجالاتها الابطال ممن كان لهم
الدور الوطني المشرف مع قادتها والقوى الوطنية التي ساهمت في الاعداد والتخطيط
والتنفيذ لها وفي حمايتها والدفاع عنها حتى ختم حياته بالشهادة انه ابن الكاظمية
(الرئيس حسون اسود بانيه الزهيري) رغم ان هذا الانسان البطل ما تزال ذكراه حية في
ضمائر الذين واكبوا الثورة ومن عاصروه يذكرونه بفخر لشهامته وجرأته الوطنية
ومواقفه البطولية في حماية ثورة 14 تموز ووقوفه ضد المؤامرات والمحاولات
الانقلابية التي يحوكها المتربصون بالثورة ومنجزاتها التقدمية بدعم عربي واقليمي
ودولي ومشاركة بعض الاحزاب القومية وبقايا العهد الملكي.
حسون أسود الزهيري ولد في الكاظمية عام 1925 وترعرع
في اسواقها وأزقتها ونهل من اجوائها الوطنية ومناخاتها، اكمل دراسته الابتدائية
والمتوسطة والاعدادية في مدارسها، دخل الجيش العراقي عام 1944 وتخرج من الكلية
العسكرية عام 1946 برتبة ملازم ثانٍ وعندما اندلعت حرب فلسطين عام 1948 ضد الحركة
الصهيونية كان حسون الزهيري من اوائل الضباط المشاركين فيها.
عاد الى العراق بعد انتهاء الحرب وانسحاب الجيوش
العربية من فلسطين ومنها الجيش العراقي في اعقاب الهدنة بعد ان سطروا ملاحم
بطولية خالدة في الدفاع عن فلسطين، عوامل كثيرة ومتعددة دفعته للانضمام الى الجيش
العراقي ولاحقاً الى الحزب الشيوعي العراقي حيث ظل يعمل بجد وصمت ومثابرة عالية
داخل القوات المسلحة حتى حانت فرصة الانضمام الى تنظيم الضباط الاحرار قبيل تشكيل
جبهة الاتحاد الوطني التي اطاحت بالنظام الملكي، عمل بهمة الشيوعي الغيور على
تأسيس وتقوية تنظيمات الحزب داخل القوات المسلحة مما كان له الأثر الكبير في
التهيئة للاطاحة بالنظام الملكي.
عندما قامت ثورة الرابع عشر من تموز كان الرئيس (حسون
الزهيري) يعلم بموعد انطلاقها وساعة الصفر التي حددت لها ساند الثورة بكل ما
استطاع من قوة وكان عوناً لقيادتها وزعيمها عبدالكريم قاسم في ترصين الثورة ومنع
المتسللين الى اجهزتها وكشف المتآمرين على الثورة وزعيمها وليس ادل على ذلك من
دوره في كشف مؤامرة رشيد عالي الكيلاني والتي كانت تستهدف الجمهورية ومكاسبها
وزعيمها. كان الشهيد حسون الزهيري حينذاك مسؤولاً في حامية الحبانية وكان من
المفترض ان يمر السلاح والسيارات المحملة بالمتظاهرين عبر المواقع التي كانت تحت
أمرته والاكثر من ذلك ان احد المشاركين في المؤامرة قام بمفاتحته بالانضمام اليهم
بعد أن أغراه بالمال والمنصب الكبير ان هو تعاون معهم. فما كان منه الا ان توجه
فوراً الى وزارة الدفاع واطلع الزعيم عبدالكريم عن تفاصيل المؤامرة فأمره الزعيم
بان يستمر معهم ومجاراتهم بهدف كشف المزيد من تحركاتهم وكشف المزيد من المنضمين
للمؤامرة ومعرفة توقيتات الانقلاب وساعة الصفر وبالفعل استطاع ومعه عدد من رفاقه
المدنيين والعسكريين من كسب ثقة المتآمرين وكشف نواياهم وموعد ساعة الصفر وكل
تحركاتهم في الوحدات العسكرية والمناطق المدنية في المحافظات وقد سلمه المتآمرون
سيارة نوع بيوك محملة بالاسلحة مع مبلغ (2500 دينار) قبل يومين من ساعة الصفر فما
كان منه الا ان ذهب الى وزارة الدفاع واخبر الزعيم بكل تفاصيل المؤامرة وعلى أثر
ذلك تحركت القوات الحكومية والقت القبض على قادة الانقلاب العسكريين المكلفين بها
وقدموا جميعهم الى محكمة الشعب واصدرت المحكمة عليهم احكاماً بالاعدام الا ان
أياً من هذه الاحكام لم ينفذ كما ورد في (سيرة مناضل/ ثمينة ناجي يوسف/ مؤامرة
رشيد عالي الكيلاني) بعد ذلك عرض عليه الزعيم رتبة عسكرية (قدم) لاخلاصه وتفانيه
وان يكون مدير شرطة بغداد ومكافأة (4000 دينار) الا انه رفضها جميعاً شعوراً منه
بواجبه الوطني.
كما انه ساهم وشارك في كشف مؤامرتين اخريين في
حامية الحبانية في بداية التخطيط لها وجلب المتآمرين الى وزارة الدفاع والمخططات
في ايديهم.
لابد من الاشارة ايضاً الى انه اصبح الضابط المسؤول
عن حامية الحبانية وقد شغل بعد الثورة منصب رئيس الهيئة العسكرية التثقيفية في
القرى والارياف وكان على رأس الموكب الذي انطلق من بغداد باتجاه مدينة الكاظمية
وقد استقبله اهالي مدينة الكاظمية بالتصفيق والاهازيج ثم انطلق الموكب "رتل
عسكري" باتجاه منطقة التاجي والطارمية وسامراء وقد استغرق الموكب في جولته مدة
خمسة عشر يوماً وكان كلما يصل منطقة ريفية يجتمع مع اهلها ويلقي عليهم الخطب
الحماسية وكان دائماً يردد في خطبه (لايمكن عزل الشيوعيين عن الحكم مطلقاً).
بسبب نشاطه المتميز ودوره الفعال في حماية الثورة
والدفاع عن منجزاتها تمت مناصبته العداء لكونه شيوعياً اولاً ولكونه أميناً
لثورته ثانياً من قبل جهات كثيرة.
وفي اواسط عام 1959 صدر أمر باحالته على التقاعد مع
ستة ضباط آخرين كان من ضمنهم الزعيم داود سلمان الجنابي قائد فرقة كركوك اضافة
الى ان قرارات ومراسيم الاحالة على التقاعد شملت اعداداً كبيرة من الضباط
الوطنيين والشيوعيين.
ورغم ابعاده عن الجيش الا أنه ظل ذلك الشيوعي
المناضل والامين على ثورته وحزبه وبدأ ينشر مقالات في صحيفة (صوت الاحرار) باسم
مستعار (بقلم ابو علاء) كان يحذر فيها من المتآمرين والحاقدين وخاصة المندسين في
اجهزة الامن والقوات المسلحة وخاصة بعد محاولة اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم في
شارع الرشيد ظل يعمل في بغداد في مهن مختلفة منها عمله مقاولا لبناء ردهات
لمستشفى مدينة الطب وكذلك عمل مجهزاً للطعام والارزاق الى الجيش بعد احالته على
التقاعد.
عندما
حدث انقلاب 8 شباط كان حسون الزهيري متقاعداً وكان في داره في اليرموك ينتظر
التعليمات من الحزب غير ان احداً لم يتمكن من الوصول اليه ولم تصل اليه أية
توجيهات مما زاد الموقف تعقيداً وارباكاً كان واقفاً صبيحة الانقلاب امام داره
ممسكاً بسلاحه بيده ينتظر أي اتصال او توجيه حزبي ومما زاد الطين بلة ان
الانقلابيين اصدروا بياناً رصدوا فيه مبلغ (500) دينار كمكافأة لمن يلقي القبض
عليه او يدلي باية معلومات تؤدي الى اعتقاله ووزعت صوره على السيطرات العسكرية
كافة وسيطرات الحرس القومي في حينها.
بعد عدة ايام تم القاء القبض عليه في داره بعد ان
تعهد الانقلابيون بالتحقيق معه واطلاق سراحه كونه كان متقاعداً منذ اواسط عام
1959، أقتيد مرفوع الرأس الى سجن رقم (1) وفي هذا السجن سطر الشهيد حسون الزهيري
ورفاقه الابطال كما في قصر النهاية ملاحم بطولية فذة في الصبر والجلد والثبات على
المبدأ وبعد ان ارتكب الاوباش الفاشست جريمتهم البشعة بتصفيته تحت التعذيب هو
ورفاقه.
اصدروا بياناً باعدام (11) مناضلاً عسكرياً كان من
ضمنهم الشهيد حسون ولكي يخفوا جريمتهم النكراء قاموا بوضع جثث الشهداء في اكياس
وربطها بالحجر ورميها في النهر قرب ديالى بضمنها جثة الشهيد الزعيم عبدالكريم
قاسم والشهيد وصفي طاهر والشهيد فاضل عباس المهداوي وغيرها العشرات من الجثث من
قيادات الثورة ومناضلي الحزب الشيوعي العراقي مدنيين وعسكريين. وقد تم اخبار
والده واقاربه الذين كانوا يبحثون عنه من قبل بعض الناس الذين شاهدوا وسمعوا عن
العملية.
لقد مر اكثر من 45 عاماً على استشهاده، كان الشهيد
قد تزوج عام 1962 له بنت واحدة فقط تركها وهي ما زالت جنيناً في رحم والدتها ولدت
بعد استشهاده عام 1963 ما تزال عائلته ورفاقه يتطلعون الى اليوم الذي ينصف فيه
هذا الشهيد ورفاقه الابطال.