في كل عام وفي الرابع عشر من تموز يهرع البصريون إلى ضفاف الشط .. يخفون مسرنمين
كأنهم يلبون نداهة نداء خفي .. برغبة لا تقاوم . كأنهم على موعد لمشاهدة ميلاد
الشمس التي ما أن تطلق صرخات ميلادها الأولى حتى تحبو صاغرة لتنشر زغبها الطفو لي
في أراجيح الموج المثقل بطين الحياة ومرايا العثوق التي بدأت تثقل كاهل النخل
بحنين فواختها وصفرتها الذهبية في شط العرب أنها لعبة الحياة .. الشمس والماء
وتموز، بعد أن أطلقت أخبابا نقابها في الريح وأطفأت مجامر حزنها على ميدوزي ..
وعقدت كرنفالات للفرح والأمل. وعتقت حزنها الأزلي القديم في خوابي الذكرى . هبت
عواصفا تمطر أقحوانا وصباحات.. هكذا تختلط الحقيقة و الأسطورة في انتظار تموز في
ذاكرة البصريين فبين مواكب النائحين التي تسلك طريقا مبللا بالدموع والتوسل
والطقوس الفجائعية إلى بابل وبين هدير مكائن الدواكير وصخب العمال الذين يقفون
بوجه الانكليز للمطالبة ببعض حقوقهم .. وطقوسية خلايا العمال الأولى . حسين
الرحال (فهد).. عمال الموانئ.. عمال السكك.. الإضرابات التي بدأت تتفتح مثل
ربيعات قبل موعدها، ورصاص الدرك الملكي الذي طرز أشرف الصدور، ........ وبعدها
كان لتموز عرس كبير هتك عروش الطغاة وفتح الأفق واسعا لملايين الشموس لتتناسل حبا
وأملا وحياة ..وكان البصريون أول من يوقدون قلوبهم بدلا من الشموع على أعتاب فرح
هذه المواسم .. وأدمنوا ذلك بل صار مركز ذاكرتهم ووجدانهم .. وهاهم الآن وبعد نصف
قرن يهرعون الى شطهم الأثير في انتظار تموز.
في تحد كبير لقيض البصرة المعروف الذي زاد حدته ضعف الود بين التيار الكهربائي
والتيار الوطني حسب عريف الحفل الرفيق عباس الجوراني الذي أقام احتفاءه بتموز في
انقطاع شبه مستمر للكهرباء توافد المئات من أنصار التيار الوطني غير آبهين بالحر
أو انقطاع الكهرباء فهو تموز ربما هو البدء والخاتمة لدى بعضهم أو هو انتصار
الذاكرة ولهفة الحنين الى الماضي لدى البعض الآخر .. وأشاع النشيد الوطني (موطني)
الكثير من الحرارة في قلوب الحاضرين و التي مطرت ثلجا وبردا في رحاب القاعة التي
ضاقت بحشود الحاضرين ، بعدها قرأ السيد ماجد الساري أمين عام حركة الانتفاضة
الوطنية كلمة الأحزاب الوطنية في البصرة قائلا " نحتفل بمناسبة اليوبيل الذهبي
لثورة الرابع عشر من تموز الذي لم يكن حدثا عابرا أو طارئا في حياة العراقيين بل
كان نتيجة لتراكمات عقود من العسف والاضطهاد".
وأوضح أن " الحركة الوطنية الصاعدة أخذت على عاتقها في هذا التأريخ وقبل 50 عاما
تحقيق أهداف الشعب في الاستقلال والسيادة والحرية والديمقراطية ومحاولة إشاعة
حياة دستورية".
وتتكون احزاب التيار الوطني في البصرة من الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني
الديمقراطي وثوار الانتفاضة الوطنية والتجمع الشعبي الديمقراطي.
بعدها قرأ الشعراء احمد جاسم والشاعر مقداد مسعود وسلام الناصر بعض قصائدهم بهذه
المناسبة، كما شنف اسماع الحاضرين الملحن يوسف نصار (أبو سرور) بثلاث أغان وطنية
رسمت الطريق اخضرا ومزهرا الى موعد جديد مع تموز قادم وعراق يزهر بالشمس والكرامة
والحرية والإنسان.