اطبع هذه الصفحة


 

 

الرابع عشر من تموز مجد بارز في تاريخ شعبنا 2-2

عمر علي الشيخ

فيما يأتي الحلقة الثانية من مقالة الرفيق عمر علي الشيخ (أبو فاروق) الذي انغمر في النشاط الوطني والحزبي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي واتحاد الطلبة العام منذ أواسط الأربعينيات وشغل مراكز قيادية في الحزب عقوداً متتالية.

وكانت "طريق الشعب" نشرت الحلقة الأولى من هذه المقالة في عددها أمس الأول 15 تموز تحت عنوان "الرابع عشر من تموز مجد بارز في تاريخ شعبنا الجريح"

كانت هذه الخصائص تجلب انتباه الاوساط الاستعمارية وتسيل لها اللعاب وخاصة بريطانيا العظمى التي لم تكن تغيب الشمس عن مستعمراتها قبل الحرب العالمية الاولى وقبل ان تنشأ الدولة العراقية الحديثة بحدودها الراهنة.

ومن هنا هرعت بريطانيا لاحتلال البلاد وخاصة بعد ان قطعت الوعود والعهود لزعماء عرب في دنيا العرب من جهة ولزعماء الكرد من جهة ثانية ولزعماء الاشوريين من جهة ثالثة وذلك بتلبية مطالبهم القومية وهي حقوق ديمقراطية والنظام في بريطانيا عرف على انه من ارسخ واقدم الانظمة الديمقراطية.

واكثر من هذا فقد احتلت بغداد تحت لافتة "جئناكم محررين لا فاتحين".

وان ابناء الشعب صدقوا بكل اباء الوعود والتصريحات.

وماذا كانت النتيجة؟

تكونت الدولة العراقية الحديثة ووجدت البلاد نفسها في ظل الاحتلال واستمرت العقود الاربعة وحتى ثورة تموز عام 1958 والشعب يعاني مرارة الحياة في بلد الغنى والثروات والخيرات يعاني بقساوة من الهيمنة البريطانية السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية وغيرها في مسلسل حلقات الاحتلال والانتداب، قيود معاهدة الصداقة لعام 1930 وملحقاتها اتفاقية الاسترليني، المواثيق، الاحلاف، الاتفاقيات الثنائية ....الخ.

ومن هنا فقد اصبح الشعب العراقي بجميع مكوناته مرهف الحس تجاه الاحتلال سواء اطلق الاسم على المسمى ام لا وتجاه جميع الاتفاقيات التي تفرض في الظروف الشاذة وغير المتكافئة حتى لو خرجت من بئر زمزم.

وفي العقود الاربعة للهيمنة البريطانية شهدت البلاد العديد والعديد من النشاطات السلمية لمعالجة معاناة الفئات الاجتماعية المختلفة وما كانت تعاني من الفقر والجهل والمرض وحل المشاكل والازمات المستفحلة في البلاد ولكنها استقبلت بالتجاهل، وشهدت البلاد العديد من الانتفاضات في الارياف والمدن جوبهت كلها او الكثير منها بالسلاح والقمع وان شهدت البلاد بعض الانجازات، والتعامل الصحي احيانا الا ان هذه المنجزات ضاعت في بحر من اجراءات القمع والاستهتار حتى بالدستور والقوانين المشرعة مما دفع بابناء الشعب الى التحركات العسكرية.

ومن هنا سد بوجه الشعب امكانية تحقيق امنياته من خلال النضالات السلمية وعبر التطور السلمي، واغلب الظن لايخلو الامر من سمات البلاد وخبراتها وموقفها.

ومن هنا كان لابد من اتخاذ سبيل العنف المضاد لتحقيق اماني الشعب. وهذا ما حصل في ثورة تموز عام 1958 .

تراكم عوامل التفجر وتراص الصف الوطني

شهدت البلاد طوال عقود ما قبل الثورة كماً هائلا من المظالم والاستهتار ومن المعاناة والحرمان في بلاد الثروات الضخمة بلاد الرافدين، وشهدت المعوقات امام تطور البلاد وفي العديد من مجالات الحياة وازداد نهب ثروات البلاد واشتد التمايز والاستغلال دون ان تجد هذه المشاكل والمعاناة الحلول المطلوبة. فلابد والحالة هذه ان يتولد الاستياء والتذمر والسخط والتحدي وتتراكم عوامل التفجر وتشهد المناطق والمرافق المختلفة احتجاجات ونشاطات جماهيرية متنوعة واضرابات ومظاهرات في الفترات المختلفة مطالبة بمعالجة هذه المشاكل والمعاناة واذا بالسلطات تجد الحل الامثل لهذه المشاكل في ممارسة المزيد من الارهاب والتضليل والاجراءات القسرية وممارسة العنف والقمع الدموي بهدف اسكات كل صوت يطالب بالحقوق المشروعة وخلق حالة من كمَ الافواه وجو الهدوء والسكينة دون ان تدرك او تهتم بأن عوامل التفجر تظل كامنة وفي خزين مواقع الاحداث وتؤثر على توسيع دائرة الاستياء في عموم البلاد وتتحول الى روافد تصب في المجرى العام للتحرك والانفجار في البلاد عندما تتواجد شرارات اندلاع لهيب الانفجار كشرارة معاهدة بورتسموث عام 1948 وشرارة تأميم قناة السويس عام 1956 وغيرها.

ومن الجدير بالذكر هنا بأن حركات عفوية قد تتفجر جراء تراكم عوامل التفجر. وهذه الحركات لا تخلو من عنصر الوعي الاَ ان مشاهد قد تبرز احيانا يرى المرء فيها المواطن المتذمر والساخط يصب جام غضبه على كل ما له صلة بالسلطة عن قريب او بعيد قتلا وتدميرا دون الادراك بان هذه النشاطات لا تخدم امنياته.

الأزمة الثورية

في فترة ماقبل الثورة استفحلت الازمة الثورية وبرزت في اشكال من انعزال الفئة الحاكمة وازدياد وبروز التناقضات بين قطبي الحكم نوري سعيد والوصي وانصارهما وعجز السلطة عن حل المعضلات بالاساليب المعتادة. وقد ازداد التذمر والتحدث ضد النظام في كل مكان ونضج تراكم عوامل التفجر اكثر.

إن تفجر الوضع وتحوله الى موجات بشرية غاضبة هادرة من الجماهير تقتحم كل ما يعترض طريقها في النشاط لا يكفي لبلوغ الاهداف وتحقيقها بالشكل المطلوب.

فهو بحاجة الى المزيد من الوعي والتعبئة والتنظيم والى التنسيق وتوحيد الطاقات والارشاد والتخطيط كل هذه الشروط والمستلزمات تمتلكها الاحزاب والمنظمات والحركات السياسية كحصيلة لتجاربها النضالية.

وعند توحيد الصف الوطني وتفعيل هذه الشروط والمستلزمات تتوفر امكانيات تحقيق النصر.

تواجدت قبل الثورة على المسرح السياسي ومنذ عام 1957 التنظيمات المتجسدة في جبهة الاتحاد الوطني التي كانت مؤلفة من (الحزب الوطني الديمقراطي والاستقلال وحزب البعث العربي-قطر العراق والحزب الشيوعي العراقي) والى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني المتعاون في جبهة ثنائية مع الحزب الشيوعي. والاخير كجسر للصلة مع جبهة الاتحاد الوطني بالاضافة الى منظمة الضباط الاحرار.

إن هذه الكيانات التنظيمية السياسية لم تنبثق على المسرح السياسي في ليلة وضحاها.

فقد نشأت في العقود السابقة احزاب ومنظمات وحركات سياسية ناضلت من اجل اهداف الشعب وتعرضت الى الارهاب فمنها ما اضمحلت ومنها ما تعرضت الى الانشقاقات ومنها ما صمدت.

وفي مجرى تطور النضال والاستقطابات والتجاذبات والتنافرات واعادة بناء التنظيمات برزت هذه الاحزاب الخمسة كحصيلة لمسيرة الحياة الحزبية في البلاد.

دور احزاب الجبهة

ان اهم ما في الامر هو ان هذه الاحزاب الخمسة وبدرجات مختلفة كانت لها تنظيماتها الواقعية المحسوسة وباعداد محدودة ومنها ما لها اضعاف هذا العدد يعانون من الانقطاع التنظيمي بسبب الارهاب ولكل منها نضالاتها الفكرية والسياسية وتجاربها وضحاياها ولها جمهورها وصلاتها باحزاب وقوى حركة التحرر العربي او الاقليمي والاممي. لها اعضاؤها وانصارها وربما تنظيماتها داخل القوات المسلحة ولها تواجدها في عقر دار اصحاب القرارات في الدولة.

وهي قد اصبحت متراصة الصفوف وبامكانها استثمار جل الامكانيات المتوفرة وقادرة على تفجير طاقات الشعب الهائلة لتحقيق الاهداف المشتركة المنشودة، وسوف تنظم الى موكب الثورة في حالة التحرك الموحد للاحزاب طاقات هائلة غير حزبية وهي غير مستعدة للانضمام الى موكب اي حزب لوحده.

ومن هنا فقد توفر العامل الذاتي والموضوعي للثورة داخل البلاد، كما ان ميزان القوى على المسرح العربي وعموم بلدان العالم الثالث والدولي بتواجد الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية سابقا كان لصالح الثورة في البلاد.

ففي مثل هذا الظرف التأريخي وقعت ثورة الرابع عشر من تموز وكانت مستلزمات تحقيق النصر للمهمة الملحة في الاطاحة بالنظام الملكي متوفرة.

وفي صبيحة الرابع عشر من تموز تحركت القطعات العسكرية وفق الخطة المرسومة بزعامة ابن الشعب البار الشهيد عبدالكريم قاسم متوجهة نحو بغداد ونفذت واجباتها. وقد كانت الاحزاب الخمسة كلها او بعضها على علم بالفترة الزمنية التي يبدأ فيها التحرك، ووضعت كل امكانياتها وهي غير قليلة للدعم والمساهمة في الثورة بنطاق البلاد.

وقد تحقق النصر في الاطاحة بالنظام القائم آنذاك واعلن عن اقامة الجمهورية ودخلت البلاد مرحلة جديدة.

المرحلة الجديدة ..... القيادة والمسار في كلمات

قبل الثورة، لم يكن النظام نظاما ديمقراطيا. ولم تشهد البلاد حياة ديمقراطية الا النزر اليسير وفي فترات قليلة ومحدودة وحتى الدستور والانتخابات والقوانين المتعلقة بحقوق الانسان وغيرها كانت شكلية كما ان الاستقلال والسيادة الوطنية كانا منقوصين.

فقد كان النظام استبداديا ومعرقلا لتطور البلاد ويحتل موقعا تآمريا في المنطقة ضد حركة التحرر العربية. وليست العبرة ببعض المنجزات والمظاهر الايجابية المحدودة!

وعليه فان الاحزاب الوطنية التي ساهمت ودعمت الثورة ومنظمة الضباط الاحرار كانت تنظيماتها ونشاطاتها قبل الثورة في غاية السرية وخارج اطار الشرعية القانونية. كما ان الجيش العراقي قد تأسس وعمل في اجواء ذلك النظام وكان يستند في عمله الى الضبط الاعمى والحياة البيروقراطية وغالبا مازج في مهام ليست بمهام الدفاع الوطني.

هذه هي الاداة والقوى التي كان عليها ان تلعب الدور الاساسي في انجاز مهام ما بعد سقوط النظام علما ان القطعات العسكرية لعبت دور المبادر والبارز في الاسقاط.

فماذا كان يمكن انتظاره من الشهيد عبدالكريم قاسم؟

من الصعب التصور بان هذه الاطراف قد درست خطة ومهام ما بعد الاسقاط وبالتفصيل لا جماعيا ولا حتى فرديا.

واصبحت البلاد امام تجربة جديدة. هذه الملحوظات هي ما يجب اخذها بنظر الاعتبار عند التقييم.

اعلن عن تشكيل مجلس وزراء ومجلس السيادة بتركيب محدد واستلام مواقع هامة يتسم بالميلان الى الطابع العسكري وعدم تواجدممثل للحزب الشيوعي. وليس في البلاد برلمان او مؤسسات دستورية وكيف يمكن تحديد تركيب المجلس وعناصره ومن يقوم به في ذلك الظرف.

في اعتقادي لم يكن بالامكان ان يكون افضل مما كان. فهو انجاز جيد ومع هذا فالملاحظات الاولية الى جانب التباطؤ في اتخاذ بعض الاجراءات وبعض التصرفات كانت تعكس طابع السلطة ودور الفئات الوسطى وترددها وما آل اليه الامر فيما بعد الى الفردية والنزعات العسكرية.

بدأ العهد الجديد وركائز الاستعمار لاتزال باقية وامكانيات الفئات المتضررة موجودة وتطهير اجهزة الدولة لم يتخذ طريقه بما يخدم الثورة، هذه الامور الاساسية وغيرها كانت تهم جميع القوى التي ساهمت ولعبت دورها في الاطاحة بالنظام.

ومن هنا تطلب الامر ان تبادر الجبهة على تعزيز وضعها وتوسيعها ودراسة كامل الخطة التي اصبحت تواجه البلاد وبالتعاون مع القيادة العسكرية وتضع هذه المخاطر في جدول عمل اولوياتها وتعمل على اصدار قانون لتنظيم الحياة الحزبية والتوجه نحو توفير المسنلزمات الضرورية باسرع وقت ممكن لانتخابات المجلس التأسيسي والتوجه نحو اقامة المؤسسات لدولة مؤسساتية ديمقراطية...الخ وترحيل حل الخلافات التي نشأت الى الحوار في اطار المؤسسات الشرعية الى جانب المهام الاخرى.

طغيان الخلافات والتناقضات الثانوية

اما ما برز على السطح هو الخلافات والتناقضات الثانوية وطغيانها.

فقد طرحت فكرة الوحدة العربية الفورية وبالطابع الذي اتخذته في الجمهورية العربية المتحدة في التطبيق وخاصة ما يتعلق بتحريم الحياة الحزبية والحريات الديمقراطية ودون الاخذ بنظر الاعتبار خصائص كل قطر واتجه الجهد نحو فرضه قسرا وهذا ما خلق القلق والمخاوف لدى اوساط كردية واسعة واوساط عسكرية وخاصة عبدالكريم قاسم ولدى الحزب الوطني الديمقراطي وحتى الاستقلال الى جانب الحزب الشيوعي وهذا ما وضع اللبنات الاولى لانفراط الجبهة بدلا من تعزيز دورها وتوسيعها.

وفي فترة لاحقة طرحت القضية الكردية نفسها من خلال العمل المسلح وهنا نشأت بؤرة جديدة خلافية في حين كان يجب ان تتخذ هذه القضية اهتماما خاصا منذ البداية والاقرار بالحقوق القومية المشروعة لا حصر الامر بالمشاركة والقابلة للتفسيرات المختلفة.

وبرزت مشاكل خلافية داخل الجيش والانفراد بالقرارات و... الخ، في حين ان موقع هذه القوى جميعا كان خندقاً واحداً لتصفية المواقع الاستعمارية والتوجه لتحقيق الاصلاحات الديمقراطية وطرح القضايا الخلافية في المجالات الشرعية بروح الشعور بالمسؤولية تجاه مصير الشعب على الرغم من العقبات المختلفة وغيرها تحقق بحر من المنجزات الهامة التي تهم فئات الشعب وخاصة في الفترة الاولى من حكم عبدالكريم قاسم، لسنا الان بصددها.

وقد استفحلت التناقضات واتخذت مسار النشاطات التآمرية مما استثمرتها القوى الاستعمارية والرجعية حتى آل الامر الى اسقاط سلطة عبدالكريم قاسم. وهنا لابد من الاشارة الى ان الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي بشقيه واوساط واسعة داخل الجيش والشعب كانت الى جانب سلطة عبدالكريم قاسم رغم فرديته واجراءاته.

اما حول نجاح عملية الانقلاب في شباط 1963 . فقد كانت هناك قوات عسكرية وامكانيات واسعة لاحباطها كما سبق ان احبطت غيرها الا ان سلوك عبدالكريم قاسم في ابقاء عناصر عسكرية في الدفاع وفي مركز قرار تحريك القطعات العسكرية في عملية قمع الثورة الكردية وبعثرة القوات العسكرية العراقية في كردستان لعبت دورا اساسيا في عدم امكانية احباط المؤامرة.

وهنالك كثرة من القضايا المختلفة يتطلب بحث كل منها على انفراد لسنا بصددها الان.

مع التحيات ودمتم
تموز 2008