لم تكن ثورة تموز1958 حدثا عاديا في تاريخ العراق وستبقى كذلك لقرون لاحقة ذلك
انها اسست او حاولت التأسيس لعراق جديد واصاب بعض خطواتها الفشل، أُرتكبت خلال
مسيرتها اخطاء جسيمة من قبل اطراف شتى، لكل حدث كانت هناك جذور، لم ياتِ شيئٌ من
الفراغ، ارتبطت احداثها ببعضها وبتلاحق سريع، لكنها بكل هذا وذاك اسست لمستقبل
اخر ربما لم يكن مرسوما له ان يكون هكذا، بل ان كل احداثها كانت موجزا لما سيجري
لاحقا وكأنها كتبت التاريخ قبل ان يحدث وتلك من الظواهر النادرة في تاريخ البشرية.
لقد أُشبعت احداث الثورة بحثا وتحليلا ومازال في جعبة الباحثين الكثير، ومهما
حاول البعض طمس طابع الثورة التقدمي الا انها كانت ومازالت تؤكد ضرورة حدوثها
وتؤسس لما سيأتي من الزمن.
من مفارقات الثورة التي ارى انها كانت من اساسيات الاخطاء التي حدثت لاحقا ماكان
من شكل للعلاقة بين طرفيها الاساسيين المنفذين واعني بهما اللجنة العليا للضباط
الاحرار واحزاب جبهة الاتحاد الوطني قبل الثورة. فكما هو بات معروفا للجميع حجم
التضحيات التي تحملتها الاحزاب ومعها عموم جماهير الشعب في درب النضال المرير
الذي خاضته ضد سياسة الحكم الملكي الرجعي ومن ورائه كل المخططات الاستعمارية التي
حاولت جاهدة الامساك بنظام الحكم القائم انذاك شكلا ومضمونا والذي عانى من
اهتزازات جمة نتيجة كفاح القوى التقدمية العراقية وقتذاك والتي ادت في النهاية
الى سهولة اسقاطه من قبل حركة مسلحة اقدم عليها بجرأة مجموعة من اعضاءاللجنة
العليا للضباط الاحرار بمساندة الاخرين ضباطا وجنوادا وضباط صف وايضا تلك
الجماهير الشعبية التي كانت متحمسة ليوم الخلاص الوطني بفعل الوعي الذي اكتسبته
من قادتها المناضلين في سبيل عراق جديد لا يرتبط بمخططات الاستعمار والرجعية
والاحلاف العسكرية المناوئة لارادة الشعوب والتي لولا هبتها المجيدة صباح يوم 14/تموز/1958
لما كُتب النجاح للثورة بالصورة التي اغاظت كل مناوئي تقدم العراق ونهضته، ذلك
النضال والعمل الدؤوب للاحزاب الوطنية العراقية سواء قبل اعلان جبهة الاتحاد
الوطني او بعدها كان محط اعتزاز عموم جماهير الشعب، وايضا حركة الضباط الاحرار،
التي وعى قادتها انه بلا مسانده شعبية عارمة لا تستطيع ان تنفذ مخططها باسقاط
الحكم الملكي ومن ورائه كل مخططات الرجعية المحلية والاستعمار العالمي آنذاك.
لذلك اقامت اللجنة العليا للضباط الاحرار صلة مع بعض احزاب الجبهة كل على حده ومع
الجبهة بصيغتها الرسمية، الا ان تلك العلاقة لم تكن متكافئة بالقدر المطلوب فقد
تكتم الضباط الاحرار على طبيعة مخططاتهم ومواعيدها ونظرتهم لشكل الحكم اللاحق
الذي سيقودونه هم لوحدهم كما ظهر لاحقا بعد نجاح الثورة، وتلك كانت من الاخطاء
الجسيمة التي ارتكبت حيث تحولت جبهة الاتحاد الوطني فقط الى متلق للمعلومات من
قبل رُسل اللجنة العليا للضباط الاحرار دون ان يكون لها رأي فيما سيجري سواء من
حيث موعد التنفيذ او طريقته او مكانه ( لقد كانت هناك سبع محاولات لاسقاط الحكم
مابين تشرين ثاني 1956 الى حزيران 1958 تم تحديد مواعيدها والغاؤها او تأجيلها من
قبل كل اللجنة العليا للضباط الاحرار او من قبل بعض اعضائها، دون ان يكون هناك
رأي لجبهة الاتحاد الوطني لا في تحديد الموعد او في الغائه وبل ان بعضها لم يجرِ
تبليغ الجبهة او اي من احزابها به ) وكأن احزاب الجبهة لم تكن تريد سوى اسقاط
نظام الحكم لا غير ولم تبحث مع الضباط الاحرار ماسيكون عليه الوضع بعد نجاح
الثورة ، بل ولم تملك هي كجبهة برنامجا للحكم بعد نجاح الثورة . لقد ادى ذلك
واعني عدم اشراك جبهة الاتحاد الوطني في تقرير موعد الثورة والياتها الى تفرد
العسكر في تقرير مصير الحكم بعد الثورة واستتباب الامر لهم، ولم يجرِ اشراك احزاب
جبهة الاتحاد الوطني في تقرير السياسات العامة للبلد بل وحتى القرارات الخطيرة
التي اتخذتها حكومة الثورة، وان كانت تلك القرارات تنسجم مع السياسة العامة
للجبهة مثل اخراج العراق من حلف بغداد ومن منطقة الاسترليني. فقد كان من الاجدى
ان تتحمل الاحزاب مسؤوليتها في اصدار القرارات والدفاع عنها ولو من خارج الاطار
المؤسساتي لها واعني البرلمان تحديدا ،بل وحتى اشتراك بعض الشخصيات السياسية
المدنية في مفاوضات شركات النفط الاحتكارية والتي انتهت باصدار القانون رقم 80 تم
وفق ارادة العسكر حكام البلد وليس وفق مناظير احزابها وان كان القانون تقدميا
وضرورة ملحة لاقتصاد العراق انذاك .
اما المفصل الثاني في اخطاء ماقبل الثورة فقد تمثل بعدم معرفة احزاب جبهة الاتحاد
الوطني بالاتجاهات السياسية والفكرية للضباط الاحرارحيث لم تكن هناك اية اتصالات
مباشرة بين الضباط الاحرار انفسهم وممثلي احزاب جبهة الاتحاد الوطني عدا بعض
الاتصالات بين ضباط ذوي قربى بهذه الشخصية او تلك من شخصيات احزاب الجبهة ولم يتم
سوى لقاء رسمي واحد بين العقيد المهندس رجب عبد المجيد سكرتير اللجنة العليا
والسيد محمد صديق شنشل امين عام حزب الاستقلال لم يكن سوى تقديم طلب من اللجنة
العليا للضباط الاحرار للسيد شنشل بالسفر الى القاهرة لاستحصال تأييدها للقيام
بحركة تطيح بالنظام الملكي لا غير، اي ان اللقاء تم بناءا على مبادرة الضباط
ولغرض ايجاد صلة ما لهم مع الجمهورية العربية المتحدة، ولم يكن لقاءً تشاوريا او
لبحث تفصيلات تتعلق بمستقبل العراق وشكل الثورة او غير ذلك . ان التحالف بين
الضباط الاحرار وجبهة الاتحاد الوطني تم بطريقة هشة عن طريق وسيط هو السيد رشيد
مطلك ولم يكن دور الاخير هذا سوى نقل بعض الاخبار من والى احزاب الجبهة وليس
كوسيط مفاوض بمعنى انه لم ينقل اي شئ سوى رغبة الضباط الاحرار باسقاط نظام الحكم
عن طريق حركة عسكرية وتحرير البلد من تبعيته للمخططات الاستعمارية العالمية دون
التعمق بطرق واليات ادارة الحكم لما بعد الثورة، او ما هي امكانيات اشتراك
الاحزاب السياسية في حكومة الثورة وحجم دورها حتى صار اشراك اي شخصية سياسية في
الحكم، وكأنه منّه تقدم من الضباط الى الاحزاب وليس شيئا اساسيا كان لابد ان يتم
وفق اليات وصيغ تضمن مشاركة شعبية واسعة في الحكم . وكان من نتائج ذلك هو انقسام
احزاب جبهة الاتحاد الوطني تبعا لانقسامات ضباط الثورة وخلافاتهم مما ادى الى
اضعاف دور تلك الاحزاب مجتمعة اوكل على انفراد في تقرير مصير وسياسة الحكم وكذلك
تفرد العسكر اكثر واكثر في ادارة دفة السلطة وتوجهاتها العامة، اما كان من الاجدر
ان تعرف احزاب جبهة الاتحاد الوطني مع من تتحالف قبل ان تسير معهم تلك الوجهة
المبهمة؟ رغم ان مساندة حركة الضباط الاحرار كان ضرورة موضوعية تمليها ظروف ماقبل
الثورة الا انه لو تم التحالف على اساس معرفة الوجهة السياسية للضباط مجتمعين او
منفردين لكان ذلك اجدى وانفع ليس للحركة السياسية في العراق فحسب بل ولمستقبل
البلد عموما .
الا ان ثورة تموز تبقى، رغم هذا او ذاك من الاخطاء التي رافقتها، نموذجا للثورات
الوطنية الساعية الى تحرير بلدانها من قبضة الاستعمار العالمي ومخططاته وقدمت
للعراق وفقرائه تحديدا الكثير من المكاسب التي عجزت كل الحكومات التالية لها عن
مسايرة تلك الخطوات التقدمية والوصول الى تلك الجماهيرية التي حظيت بها الثورة
ومنجزاتها.