اطبع هذه الصفحة


 

 

14 تموز 1958 سواء سميّ انقلابا عسكريا أم ثورة؟

أ.د. سليم الوردي

نشرت صحيفة "طريق الشعب" في عددها 216 بتأريخ 3 تموز 2008 مقالاً للاستاذ جاسم الحلوائي تحت عنوان: "هل ما حدث في يوم 14 تموز 1958 في العراق كان ثورة ام انقلاباً عسكرياً؟"

استغرقني عنوان المقال قبل ان اقرأه واطلّع على مضمونه، اذ انتزعني طائر العشق التموزي من الواقع الذي نعيش، ليحلق بي الى ملكوت ثورة 14 تموز 1958 وايامها الرومانسية البهية، التي مثلت لي، ولابناء جيلي من الفتية، العشق السياسي الاول. لقد نفضت ثورة تموز عن الشيوخ وعثاء الشيخوخة ورتابتها، فاستعادوا اندفاع وحماسة الشبان. بينما درج الصبية والفتية في طور النضج السياسي المبكر. وكان في مقدمة همومنا يومذاك اثبات شرعية ثورة 14 تموز وتسفيه الرأي الذي يحاول الحطّ من شأنها ويصفها بالانقلاب العسكري.

وتلقفت في حينه من شقيقي الاكبر الراحل الدكتور حسين الوردي مقولة "الشرعية الثورية". ولم اطق صبراً في انتظار اليوم التالي لاصول بها وأجول أمام اقراني، مشفوعة بامثلة تأريخية مثل: "كومونة باريس وثورة اكتوبر والزنج والقرامطة.." التي لم أكن اعرف عن أكثرها سوى عناوينها. منذ ذلك الحين وعبر المخاضات الفكرية التي جعلت مني ما انا عليه الآن ومقولة "الشرعية" تمثل لي مثابة فكرية، أثوب اليها بين الحين والآخر.

- مقولة "الشرعية" -

كرس الاستاذ الحلوائي مقالته لإثبات شرعية ثورة 14 تموز 1958 ودحض الرأي الذي يصفها بالانقلاب العسكري، معبئاًً في سبيل ذلك حشداً من الوقائع والبيانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي يحتاج بعضها الى المزيد من التدقيق. ويمكن – بتقديري- أن نوفر على انفسنا هذا الجهد، اذا ماتنبهنا الى أن اول من منح الشرعية لثورة 14تموز هو العهد الملكي نفسه، في وقت مبكر. وذلك في سنة 1954 حين أغلق وبتعسف شديد ابواب الشرعية الدستورية أمام قوى المعارضة الشعبية فقد حل نوري السعيد في 9 آب 1954مجلس النواب بسبب فوز (14) نائباً عن المعارضة في الانتخابات النيابية، وبما يمثل 10% من مجموع أعضاء المجلس. وبهذا سوغ لقوى المعارضة التوسل بأسلوب الشرعية الثورية وإن كان عن طريق الانقلاب العسكري. وبهذا يكون العهد الملكي قد حفر قبره بيديه ورقد فيه، فجاء ثوار تموز وأهالوا عليه التراب، ومن دون ان يقرأوا على روحه سورة الفاتحة. وهو ما يفسر السلاسة التي انجزت بها قوات الانقلاب مهامها، والدعم الجماهيري الساحق الذي حظيت به الثورة.

- الشرعية التأريخية –

طالما استعر السجال بين انصار الشرعية الدستورية والشرعية الثورية ابّان كل حدث تغيير راديكالي. فالشرعية الدستورية تصفه بالانقلاب، بينما يصفه انصار الشرعية الثورية "بالثورة". بيد أن السجال لايعود مجدياً بعد مرور حقبة طويلة على الحدث، سيما بعد ان تتاح له فسحة زمنية كافية ليكشف عن مساراته ويفصح عن مدى جدارته في دفع عجلة تطور المجتمع الى الامام، او دوره في النكوص بها الى الوراء. عندها تفقد التسميات راهنيتها واستحقاقاتها الظرفية. وينفتح الافق لدلالات متجددة، ترتوي من احكام شرعية ديناميكية، هي "الشرعية التأريخية". ولا تصدر "الشرعية التأريخية" أحكاماً قطعية، بل احكاماً قابلة للاستئناف والتمييز باستمرار، لانها تبقى مفتوحة على المستجد من البيّنات. فهي لا تتعامل مع الاحداث والانعطافات في حياة الشعوب بوصفها تراثاَ مضى وانقضى، بل لحظات في حركة المجتمع المستمرة. وفي ضوء ذلك لايعود بذي جدوى ان تستغرقنا مسألة ما اذا كان 14 تموز 1958 انقلاباً عسكرياً أم ثورة.

لقد مضى على ثورة تموز نصف قرن، ولم يبق من جيلها على قيد الحياة الا شريحة العواجيز،ٍ ونسبة كبيرة من العراقيين الذين ولدوا بعد انفجارها قد درجوا في سن الكهولة. واذا كانت صفحات واحداث ورموز ثورة 14 تموز تمثل لنا – نحن ابناء جيلها- لحظات رومانسية تختزنها ذاكرتنا السياسية، فأنها لاتمثل لهم سوى، روايات وحكايا نرويها لهم، كتلك التي كان اباؤنا يحكونها لنا عن العهد العثماني و "السفر بر".

يفترض "بالشرعية التأريخية" أن تكون أكثر تانياً وتوازناً في اصدار احكامها، بحكم تحررها من عبء الضغوط والعقد الظرفية للحدث، وما تفرزه من سجالات متحزبة ومتحيزة له أو ضده. وتملي علينا اليوم ان نعيد النظر في تقييم فصول المشروع السياسي العراقي (1921-2003) بوصفها حلقات في مسلسل واحد، تمهد كل حلقة منه للحلقة التي تليها. ولايمكن استيعاب حبكة المسلسل باجتزاء حلقة من حلقاته، ودراستها بمعزل عن الحلقات الاخرى. وان نتفادى المنهج الانتقائي والتوصيفات المسبقة: هذا مماليء للاستعمار وهذا وطني، ذاك شعوبي وهذا "قومجي"، هذا تقدمي وهذا رجعي وما شابه. وأن ننظف قاموسنا السياسي من أوضار الثقافة الايديولوجية المغتربة التي عملت احكامها المتزمتة على تشظية الوطنية العراقية. وعادت بمشروعنا الوطني الى المربع الاول في عشرينيات القرن الماضي. فها نحن الان نتطلع الى دولة مدنية حديثة، وهو ما تطلع له دستور سنة 1925.

للشرعية التأريخية منطقها ومعاييرها النابضة بالمستجدات والمستشرفة لآفاق المستقبل. وبموجبها لا يعود من المقبول اليوم ان نقيّم العهد الملكي وثورة 14 تموز، كما كنا نفعل قبل نصف قرن. فالشرعية الثورية التي استندت اليها ثورة تموز سرعان ما انقلبت وبالاً عليها، حين وظفتها الزمر الانقلابية للإنقضاض عليها. ان جميع الانجازات والمكاسب التي تحسب لثورة 14 تموز لتبدو باهتة بالقياس الى التداعيات المأساوية والدموية لتطبيق موضوعة "الشرعية الثورية" على ايدي الزمر الانقلابية المغامرة.

لقد شرعنت ثورة 14 تموز – شئنا أم أبينا – الانقلابات العسكرية، وتغلغلت الرؤية الانقلابية شيئاً فشيئاً في ثقافة المجتمع العراقي ومعظم قواه السياسية. ويعدّ هذا، بحد ذاته، نكوصاً في الوعي السياسي للعراقيين عن ثقافة المجتمع المدني، ودور الجماهير في احداث التغيير. وبات من شبه المستحيل أن تتفجر وثبة جماهيرية كوثبة كانون 1948، أو انتفاضة تشرين 1952، فقد منحت الجماهير ثقتها المطلقة للنخبة العسكرية، مما غذّى لدى الاخيرة نزعة الاستبداد والتفرد بالسلطة. وصارت تتطير من أي فعل جماهيري مطلبي ضاغط، وتعدّه تشويشاً على برامجها التنموية، بل وعمدت احياناً إلى قمعه بشراسة.

لقد كانت ثورة 14 تموز زفّة سياسية مبهرة وباذخة لم يشهد لها تأريخ العراق الحديث مثيلاً..عرساً أشاع لدى الجماهير المحرومة البهجة والتفاؤل بالمستقبل. ولكن سرعان ما تمخضت عنها زيجة متناشزة، تناسلت عنها زيجات خائبة أشاعت لدى العراقيين روح الاحباط والسلبية و العدمية، عبر أربعة عقود ونيّف. فهل يصح أن نقيم الزيجة بدلالة الزفّة التي لم تدم سوى أقل من سنة واحدة بتقدير الاستاذ الحلوائي!

- تعميق الوعي -

لاشك في أن الكتابات السياسية لشخصيات واكبت الحدث وشاركت في مسيرته، انما تستهدف تعميق الوعي السياسي لدى الاجيال التي لم تدركه. وهي بهذا تنهض بالوظيفة الغائبة للمعرفة، عبر إخضاع المفاهيم والموضوعات للتحليل في مختبر الزمن والتحقق من صدقها. وهو ما يمهد الوعي لقبول الوظيفة الاستشرافية للمعرفة، وغرس مقومات الرؤية الجدلية للظواهر السياسية والاجتماعية استدباراً واستشرافاً.

واذا مابقينا اسرى معادلة "انقلاب أم ثورة" فإننا سنغفل الجدلية والتناقضات التي حكمت مسارات الحدث وما آل اليه. لقد تأرجح 14 تموز بين الانقلاب العسكري والثورة الشعبية. فهو بذاته انقلاب عسكري بامتياز (لم تشارك فيه قوات من خارج الجيش). ولكن مهداً لانتصاره السلس والناجز وعي جماهيري عملت على خلقة وشحذه القوى السياسية الفاعلة وقتذاك، ثم أمدته الجماهير بالدعم، وحقنته بمقومات الثورة على أمل انتشاله من ذهنية الانقلاب العسكري فكان يهاودها حيناً ويخذلها احياناً أخر. وانتهى كما ينتهي أي انقلاب عسكري بمجرد أعدام زعيمه، لانه لم يؤمن بفاعلية دور الجماهير في الدفاع عن مكتسباتها. وربما كان تحسبّه لتداعيات مبادرات الجماهير على نظامه أكثر من تحسبه لخطر الانقلابيين.

saleemalwardi@yahoo.com