(1)
تسمع بالثورة ولو في الصين
الروائي العراقي الراحل غائب
طعمة فرمان
في بكين كنت اقيم في شقة
قريبة من دار النشر التي كنت اعمل فيها، وكان جاري الفيتنامي يحييني في الصباح بـ
"نيهاو" (تعني: مرحبا)، فأرد له بمثلها واحيانا بأحسن منها، حسب قدرتي على الكلام
بالصينية، في ذلك الحين، ومزاجي ايضا.
لم يحدث شئ غير اعتيادي يخرج
عن هذا الاطار بيني وبين جاري القادم من هانوي طوال السنة والنصف التي اشتغلت
فيها هناك، الا في صباح الرابع عشر او الخامس عشر من تموز عام 1958، حيث توقف
جاري طويلا معي يحاول ان يخبرني عن شئ خطير حصل في وطني، مستخدما كل مفرداته
الصينية والفرنسية والفيتنامية. لكنني لم افهم من كلماته واشاراته وتعابير وجهه
الا ان حكومة جديدة تشكلت في بغداد. فقلت: اوه، هذا متوقع، ولا يبشر بخير. لقد
كان في ذهني الاتحاد الذي كان مقترحا بين العراق والاردن مقابل اتحاد مصر وسوريا.
وخابت مساعي جاري في اثارة اهتمامي، فلجأ الى استخدام تعبير "روفللتسيون" (ثورة)
"كوب دي نتا " (انقلاب) و"هن هاو" (تعني: جيد جدا، بالصينية). وتناول يدي عنوة،
وهزها بقوة وصافحني، بل وخيل الي انه سيعانقني ويأخذني بالاحضان. نزلنا الدرج
متلازمين بالايدي، وكأننا رفاق سلاح من الدرجة الاولى. وعند ذلك فقط استبشرت
خيرا.
وما ان قضيت ساعة في غرفتي
حتى جاء مدير دار النشر وعلى وجهه ابتسامة عريضة، وهنأني بحرارة، بل واخبرني بأسم
القائد الجديد: عبد الكريم قاسم.
وبعده جاء جميع الذين
يعرفونني من صينيين واجانب يزفون لي البشرى ويهنئوني. وكان اخرهم صديق، وهو كاتب
من المانيا الديمقراطية، اسمه " تورك"، حيث صحبني معه للاحتفال بهذه المناسبة في
مطعم صيني اسمه "بان هوى" كما اظن، اي "السلام". وكان هذا الرجل يحاول جاهدا ان
يختلق المناسبات للاحتفال في مطعم، وغالبا ما تكون مناسباته واهية، الا هذه
المناسبة، فاحتفلنا بها وكأنها خاتمة المناسبات... ولو لم يطردنا اصحاب المطعم
لبقينا نحتفل حتى الصباح.
في اليوم التالي، بصحبة هذا
الصديق الذي يريد ان يتسقط مناسبة حقيقية اخرى، ذهبت لشراء جهاز راديو مصفح اشبه
بجهاز لاسلكي، لا يباع الا بناء على توصية، لانه يمكن ان يستخدم كمرسل ايضا،
وبقيت انا والصديق نحتفل بالمناسبة حتى الساعة الثانية عشرة ليلا، موعد نشرة
اخبار الساعة الثامنة في بغداد (فرق الوقت بين العاصمتين اربع ساعات) وعندها
تركته وحده يحتفل في الغرفة، وتسمرت انا امام الراديو اسمع اخبار ثورة بلادي.
ومنذ ذلك الحين بدأت اراعي
فرق الوقت والتزم به فلا انام الا بعد الساعة الثانية ليلا سواء بأحتفال او بدون
احتفال، وحدي او مع صديقي الالماني المغرم بالاحتفالات حتى قبل ثورة 14 تموز
المجيدة ام الاحتفالات وخالتها!
عن رسالة العراق
العدد 92 اب 1988
(2)
هكذا هوى الجنرال مود وحصانه!
غريب صالح
يوم الثورة كان عمري 17 عاما.
وكنت قد امضيت عصر يوم 13 تموز في احد مقاهي ابو نؤاس ببغداد مع صديق لي كان
والده قد اخبرنا في ذلك اليوم بأن معاون التحقيقات الجنائية، واسمه " نائل " على
ما اتذكر، كان قد جاء الى بيتهم وسأل عنا. وفي الساعة الحادية عشرة مساءا ذلك
اليوم عدت الى بيتنا في الكرخ.
في صباح 14 تموز استيقظت من
النوم على صوت ابي الذي كان يكره الانكليز ويحب ستالين، يهتف بي ان انهض. وقد
وجدته وهو يكاد ان يطير من الفرح. كان يصيح " صارت ثورة... كل الناس طالعة بره
وانت نايم". اصبت بذهول تام. فقبل ايام قليلة فقط كنت قد قلت له: " سترى... لن
تمكث الملكية طويلا. ".
ارتديت ملابسي على عجل، وخرجت
الى الشارع العام... كانت الحشود البشرية تموج كسيل بركاني، تمضي في ثلاث
اتجاهات: نحو دار الاذاعة، ونحو جسر الاحرار، ونحو قصر الرحاب الملكي. النساء كن
يهلهلن، والاطفال يتقافزون في فرح، والرجال الذين كانوا في مجموعات حمل بعضهم
بعضا، يهتفون للثورة والجمهورية، وضد الاستعمار والملكية واركانها و اخرون كانوا
يرددون الهوسات والاهازيج. رأيت عمالا ببدلاتهم الزرق يقبل احدهم الاخر. اي فرح
طاغ عم الناس في ذلك اليوم البهيج؟
كنت امقت الانكليز الى اقصى
حد. وكانت اعز امنياتي ان اهدم تمثال الجنرال مود القائم امام مبنى السفارة
البريطانية في الكرخ. وعفويا وجدت نفسي احث الخطى في اتجاه السفارة والتمثال،
فوجدت الآلاف من البشر يموجون حول التمثال فيما امتلات الشوارع الفرعية بالنساء
والشيوخ والاطفال، جاهدت بتصميم لا مثيل له حتى وصلت الى منصة التمثال. هتفت بمن
سبقني في اعتلاء المنصة ان يساعدني، فمد احدهم يده الي، وفي لحظات كنت امتطي
الحصان خلف الجنرال. كانت فرحتي عظيمة وانا ارى الجماهير تهتف ضد الملكية
والاستعمار البريطاني.
كنا في البداية اربعة، حاولنا
كل جهدنا ان نحرك التمثال دون جدوى. صعد اخرون للمساعدة، لكن الامر ظل صعبا.
وفجأة ظهرت سيارة لوري، شقت طريقها ببطء بين الحشود، ثم ظهرت الحبال فطوقنا بها
باحكام رأس الجنرال وراس حصانه، ولم يبق على المنصة سوى شخصين. تحرك اللوري الى
الامام فهوى التمثال، فيما الناس تهزج " نوري سعيد وين تروح والحبال موجودة ".
ووسط هلاهل النساء هجمت الجماهير على التمثال وكأنها تنتقم من الاستعمار
الانكليزي مجسدا في جنراله. تنتقم لشهداء ثورة العشرين والانتفاضات والوثبات
اللاحقة.
(3)
غوركي، ماركس، الجواهري خرجوا
من تحت الارض!
الروائي والصحفي
زهير الجزائري
كنت في الكاظمية نائما في
حديقة بيت خالي في شارع النواب، الذي سمي فيما بعد (شارع 14 تموز). اتذكر ان خالي
وهو شيوعي نزل من السطح، يصرخ بهستيريا (جمهورية، انقلاب). كأن المدينة كانت على
موعد مع هذا الحدث الكبير. الناس خرجوا الى الشوارع يتناقلون الاخبار والاسئلة
والاجوبة. وقد ذهب كثيرون مشيا الى بغداد وبالتحديد الى وزارة الدفاع. ومنذ
الصباح رايت شبانا يخطون على الجدران شعارات: عاشت الجمهورية، اخوة العرب
والاكراد، اخوة الشعب والجيش. وكانت تمر بنا شاحنات عسكرية محملة بالجنود. الناس
يوقفون الشاحنات بالقوة ليقبلوا الجنود او يشدوا على ايديهم. وقد رأيت شبانا
خرجوا الى الشوارع يحملون اسلحة قديمة، ويذهبون لمحاصرة رموز العهد الملكي.
المشهد الذي لن انساه في تلك
الايام المجيدة، هو عودة احد اقاربي من السجن. وفور عودته اخذنا الى بيت قديم
تركناه لنخرج كتبا دفنت قرب سياج الحديقة. كتب كانت ممنوعة، تعرفت عليها لاول
مرة. غلاف عليه صورة رجل بشوارب طويلة، واخر بلحية طويلة، وثالث بنظارات طبية.
انهم غوركي، ماركس، تولستوي، لينين، الجواهري... اتذكر رائحة الارض والرطوبة في
تلك الكتب التي بقيت سنوات طويلة تحت الارض بورقها الحائل الرقيق. مع هذه الكتب
بالذات بدات علاقتي الجدية بالثقافة.
(4)
يوم حسدت المساجين!
الدكتور غانم حمدون
صيف 1958 كنت سائحا في
كوبنهاغن، التي كانت حينها ترحب بالقلائل الذين يصلونها من "الشرق الساحر". لم
يكن النظام (الملكي) بحاجة حتى الى سفارة فيها. انفردت في شقة / مرفهة بمقاييسنا،
وضعتها تحت تصرفي بالمجان خالة لصديقتي اثناء غيابها في العطلة السنوية. من نوم
الضحى المتكاسل ايقظني جرس التلفون. انه صوت صديقتي المنفعل:
ـ هناك ثورة في العراق.
ـ اجننت، ام تمزحين؟!
ـ الان سمعت النبا من اذاعتنا،
صدقني.
ـ امتاكدة من اسم البلد،
ايران ام العراق؟
ـ قال الراديو انها في بغداد،
تاكد! قالوا انها مثل ثورة ناصر...
بعد ساعة، حسبتها دهرا،
انبأني الراديو الهرم بالخبر اليقين، الذي تصدر نشرة الاذاعة البريطانية. فاعتملت
في صدري صيحة مجلجلة، وهرعت الى وسط المدينة علني اصادف عربيا يشاطرني فرحتي
الباحثة عن متنفس، لكنها ظلت محتنقة بدون عناق، بدون هتاف، بدون رقص، محرومة من
الحشر مع الناس في ساحات وشوارع بغداد.
يومها حسدت نزلاء السجون ـ دع
عنك المناضلين السجناء الذين انتصرت قضيتهم بعد سنوات المعاناة ـ حسدت حتى
السجناء الاعتياديين على ما تصورت من هرج ورقص في باحات السجن فرحا بانقلاب
حياتنا. (لدى عودتي ايقنت ان تصوري كان في محله. فقد توقف النشالون عن نشاطهم
خلال اعراس الثورة).
(5)
اتصال من خارج الحدود
الموسيقار العراقي حميد
البصري
مساء الاحد 13 تموز 1958 كنت
مناوبا في الانواء الجوية في مطار البصرة، وفجر الاثنين 14 تموز اتصل بنا المراقب
الجوي في عبادان يسالنا عن سبب افتتاح اذاعة بغداد قبل موعدها وبثها المارشات
العسكرية، ففتحنا اجهزة الراديو على محطة بغداد منتظرين انتهاء الموسيقى العسكرية
لنعرف حقيقة الأمر. وفعلا سمعنا بعد برهة خبر قيام الجمهورية العراقية. انتهت
مناوبتي في الساعة السابعة صباحا، وبعد وصولي الى البيت الكائن في المنطقة
الفيصيلية التي سميت بعدئذ بالجمهورية، اخذت دراجتي وذهبت الى اصدقائي لأهنئهم،
ثم ذهبنا الى منطقة العشار، مركز دوائر الدولة المسؤولة. ان اروع منظر شاهدته
صبيحة الرابع عشر من تموز اثناء تنقلي من شارع الى اخر هو تهنئة الناس لبعضهم
البعض دون سابق معرفة.